مؤمن سمير
شاعر وكاتب مصري
(Moemen Samir)
الحوار المتمدن-العدد: 4301 - 2013 / 12 / 10 - 15:00
المحور:
الادب والفن
" بهجة الاحتضار والبحث عن الذات " بقلم / د.عفاف عبد المعطي
ليست مقولة " الشعر ديوان العرب " نابعة من الفراغ ، لكنها ظلت لفترة ممتدة من عمر النوع الإبداعي العربي المسمى ب " الشعر " هي دعامته الأولى ، بل قائمه الأساسي ، وذلك لما أظهره الشعر من ولاء والتزام لا محدودين للتقاليد والقيود الوزنية والتفعيلية والصرفية معاً . وقد أعقب ذلك عصر – من الزمن الشعري- تبنى فيه الشعر مواجهة هذه القيود أولاً ، ثم التمرد عليها ثانياً ، وهو ما يعد سمة من سمات الحداثة الفعلية .
وقد آثرت الحداثة مصطلح " قصيدة النثر " الذي وفد علينا مع مجموعة ما وفد من ظواهر الحداثة في الإبداع والنقد ، الذي يعتمد ثنائية تجمع بين خواص نوعين أدبيين هما ( الشعر ) و( النثر ) معاً ..
ومع انتشار نصوص قصيدة النثر وظهور أجيال اخلصوا للكتابة فيها إخلاصاً كبيراً على مدار الوطن العربي ، تبادر إلى الذهن أسئلة عدة ، أهمها : هل قصيدة النثر نبتٌ شيطاني نتج مصادفة في تربة قاحلة ؟ أم هي وليد ليس له جذور؟ ثم ما حدود الواقع الذي يمكن أن تقدمه هذه القصيدة باعتبار أن من مراميها أن تكون مرآة للمجتمع ؟
من الأصوات الشعرية التي يمكن أن تجيب عن هذه الأسئلة ، الشاعر المصري مؤمن سمير الذي أصدر على مدار خمس سنوات أربعة دواوين شعرية هي "بورتريه أخير لكونشرتو العتمة 1998" ، " هواء جاف يجرح الملامح 2000 " ، "غاية النشوة 2002 " وأخيراً ديوان " بهجة الاحتضار" – عن سلسلة كتابات جديدة بالهيئة المصرية العامة للكتاب 2003 .
احتوى هذا الديوان على أربعة عناوين رئيسية هي " بهجة الاحتضار " و " صبارة حقيرة .. تغني " و " إذن " و " سقفٌ لاصطياد الملاك " تندرج تحتها عناوين لقصائد فرعية بما يؤول في النهاية إلى بانوراما شعرية تشكل منظومة رؤيوية للشاعر بما يجسد احتكاكاً سلبياً – على الأغلب - مع العالم .
يقول الشاعر في قصيدة "منطاد لا يحتاج إلى الهواء " :
" أبى
البروليتارى الأخير
منذ سنواتٍ
يكتفي
بأن يبكى
في منديله الكبير، بعد أن
ننام
ثم «يبوسُ» بإعزازٍ
بذلةً كالحة .."
فشخصية الأب داعية إلى نفسها بواسطة الاعتزاز الكبير الذي لا يبين إلا في الخفاء عندما ينام الآخرون ، والاعتزاز – هنا - في العلن قرين بنوم الآخرين ، وشخصية الأب تُقَبِّل البذلة الكالحة التي تمثل دلالة على الفقر الشديد - نتيجة للقدم - لكنه الفقر الذي تعتز به النفس الأبية .
وقد أفاضت الشعرية في وصف هذا الأب في لغة كثيفة وموجزة تكشف في الآن نفسه عالمين ، الأول عالم الأب الذي منذ سنوات - دلالة زمنية غير محددة - يفعل فعلين متضادين في سبيل التوكيد على حالة الاعتزاز التي تتملكه ، الفعل الأول البكاء في المنديل الكبير الذي يمثل دلالة أخرى على فيض ما يدمع به الأب فيحتاج إلى منديل كبير الحجم ، الفعل الثاني خاص بضرورة نوم الآخرين حتى يتمكن الأب من حرية البكاء . وعليه يصدق على هذا الأب عنوان القصيدة فهو المنطاد الذي لا يحتاج إلى الهواء لكنه يمتلئ بواقعه .
وعلى الرغم من أن الأب يمثل سلطة بطريركية خاصة لم تتحقق في اللغة الشعرية السابقة ، إلا أنها تتحقق في جزء آخر يقول فيه مؤمن سمير :
" الأب
يُصلح الآلات القديمة
ويقول له قلبه
لا يستحقونها ، لأنهم حمقى .
يلعبُ على وتر
فتخرج نغمةٌ
يتركها عالقة في سماء
الغرفة للحظات
ثم يبتسم لها
فتسقطَ في كفه .."
فصورة الأب هنا مغايرة لصورتها السالفة ، حيث تتخذ بعدا سلطوياً، فالأب الذي يعاف الآلات القديمة لكنه في الآن نفسه يتخذ حرية المنح والمنع بالنسبة لها ، يهبها من يشاء ، بل إنه في النهاية يعزها عن الآخرين ، وهو صاحب القدرة الخارقة - بواسطة الصورة الخيالية - التي تبيح له أن يُصَرِّف النغمات كما يشاء ويتملكها حسبما يريد فتسقط في يده .
كما يتسلط التجريب على النص بوصفه لغة قابلة للانتهاك لا للقداسة ، وبحكم حميمية الرغبة في الانتهاك ، فإنه من المحال التنبؤ بملامح النص نتيجة لإهدار كل المراجع الوضعية والواقعية والعرفية لحساب الشعرية ، ثم وصل الإهدار إلى " التوصيل " ، فلم يعد من المطلوب أن يقول النص شيئاً ما ، بل المطلوب رصد كيفية إنتاج هذا المقول ، كما في قول مؤمن سمير:
" الأصابع الخمس
كانت تصافح الجميع
وتترك في كفوفهم بقعاً
حمراء .."
فالواقع يقول إن السلام يحمل دلالة الخير، لكن السلام الذي تقوم به الأصابع الخمسة عند فعل المصافحة لا ينتج سوى الدموية نتيجة للأثر الذي تتركه في الكفوف . أي أن ( الموضوع الشعري ) لم يعد من بين اهتمامات القصيدة ، إنما الاهتمام أصبح منوطاً بأدوات الإنتاج ( اليد ) وتقنيات التعبير بوصفها نصاً قد تخلت عنه كثير من أناقة اللغة الشعرية ، واختارت لها أناقة خاصة بها ، تعمل – خلالها - على تأكيد خصوصيتها من ناحية ، وشرعيتها من ناحية أخرى . ومن ثم لم يكن ( الصفاء اللغوي ) من بين همومها وشواغلها ، وأصبحت ( التداولية ) بديلا لهذا الصفاء ، وتصوير الخراب الخاص الذي خلفه العدم العام من أهم الدواعي للكتابة لدى الشاعر .
يشعر الشاعر- أيضاً - بعجز الكلمات نتيجة لاستهلاكها الممتد زمنياً ، وهو استهلاك استنفد طاقاته الدلالية حتى استحالت – من وجهة نظره - إلى مفردات صوتية مفرغة من المعنى . يظهر ذلك عبر قول مؤمن سمير في قصيدة " أمور مثل هذه " :
" فجيعةٌ
تشبه غيمة
تقف كالنتوء الكالح
في صحراء الصدر ..
آكُلُ أجزاءها
لتموت تدريجياً مثل النار
السحيقة .."
هنا تحاول المفردات أن تتجاوز الطريقة العادية / التداولية التي أصابها ما أصاب اللغة الصافية من اعتياد وبالتالي فَقْد للألق ، بل ربما أرهقها الاستعمال الأدبي ، لكن هذا الإرهاق يمكن التخلص منه برفع التداولي إلى منزلة اللغة المصورة المجردة من كل جمال وتناسق ، وهنا يمكن القول إننا في مواجهة لغة بكر جديدة في استخدامها . فتجسيد الفجيعة بهذه الصورة ووضعها كالبروز الكالح داخل صحراء الصدر - وهو ما يدل على العجز والتيبس - لكن هذه الصحراء القاحلة التي لا تسمن ولا تغني من جوع تساعد على الإنماء ولها نَبْتٌ – والفجيعة هنا مفردة نامية وايجابية - هي النار الغائرة ، وهو نتاج طبيعي لفجيعة تغرس في صحراء .
في مواضع من النصوص داخل الديوان تجنح اللغة الشعرية إلى الحكمة ، من ذلك قول الشاعر:
" لا تحرق صف النمل
بقداحتك
بكل هذا الهدوء..
لا يحرق بالنار
إلا من كان مخلوقاً
منها
وأنت بلادك
ماءٌ ..."
تظهر اللغة الوعظية في النص عندما يخاطب النص شخصاً مجهولاً ( معتدي ) على النمل الذي يرمز للكائن الضعيف ، بل تزداد اللغة وعظاً بعد أسلوب النهي التقريري الذي يؤكد أن الحارق هو جزء منها ، ثم يأتي الإحساس بالخواء لدى المخاطب عندما يذكر البلد الذي من المفترض أن تكون لأهلها حاميا ً، إلا أن الواقع فيها يؤكد أنها تحمل حقيقة الماء حيث اللا لون و اللا طعم واللا رائحة .
القصيدة عامةً داخل الديوان تجريبية / آنية / متمردة على ما سبقها طبقاً لحركة المجتمع ، مكرسة لإعادة اكتشاف اليومي الآني التفصيلي ، معبرة عن صوت الإنسان الأكثر التصاقاً بواقعه المرير، ملازمة له عبر المراحل الانتقالية المتتابعة ، وشاهداً أميناً على العلاقات المتوترة بين الجماعات الإنسانية بعضها ببعض من جهة ، وبين مجموع مَنْ حولها مِن جهة أخرى .
وهو ما يؤكد كيف حلقت شعرية الحداثة عموماً وقصيدة النثر خصوصا في آفاق المجرد والفراغ والتعالي على قيود الزمان والمكان وحلت في دوائر المطلق والمجهول والمحال ، مكتسية بالحرية المطلقة التي لا تعترف بالحدود الفاصلة بين المباح وغير المباح وبين الخيط الأبيض والأسود ، لأنها حرية مملوءة بكم وافر من الشكوك في مجموعة القيم الموروثة ، أو المستحدثة .. هي حرية ترفض البلاغية بقدر توظيفها لها وترفض النحوية بقدر خضوعها لها ، وترفض الإيقاعية بقدر غوايتها معها . هي حرية المغامرة الدائمة ، والتجريب الذي لا يتوقف .
#مؤمن_سمير (هاشتاغ)
Moemen_Samir#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟