عزيز الخزرجي
الحوار المتمدن-العدد: 4257 - 2013 / 10 / 26 - 02:38
المحور:
الادب والفن
فنُّ آلكتابَةُ و آلخطابَةُ – ألقسمُ ألرّابع(4)
أسس تفعيل نظريّة ألمعرفة ألأسلاميّة:
أكّدَ آلبّاريّ تعالى على وجوب ألأحتكام للعقل(ألباطن و آلظّاهر) في حركة آلحياة و آلبناء آلحضاري حيث أوردَ في كتابهِ ألعزيز أكثرَ من خمسين آية تحثّ آلنّاس - كلّ آلنّاس - على آلتّعقل و أستخدام ألعقل كميزان للتّسلّح بآلمعرفة بَدَلَ آلعُنف و آلنّزاع و آلحرب للكشف عن آلحقائق و آلمجاهيل ألّتي لا تُعدّ و لا تُحصى لأستعمار آلأرض, مؤكّداً بأنّ ألمعرفة ألحقيقيّة ألتامّة تبدأ بـ "عين أليقين" ثم "علم أليقين" حتّى بلوغ "حقّ أليقين" و آلّتي بها تَتَحقّق آلبصيرة في وجود ألأنسان(1).
كما أكّدَ تعالى على ضرورة ألتّعمق و آلرّجوع إلى آلأصول و آلجّذور و آلعِلل لِفَهم و إدراك ألظواهر و تحليل ألأحداث لإدراك و معرفة منشئها و أسبابها بشكلٍ دقيق, للوقوف على ألموضوع بإقتدار و شموليّة لمُعالجة آلأمور, كي نكونَ في آلنّهاية أقرب إلى آلحقيقة عند إتّخاذنا لقرارٍ أو قانونٍ مُعَيّن بشأنِ ألوقائع و آلظواهر و آلآفاق لبناء آلحياة على كلّ صعيد و على أكمل وجه.
ألتّأمل و آلأدراك ألعميقين لا يَتَحقّقان للوصول إلى حقّ آليقين إلاّ بتفعيلِ ألعقل ألظّاهر و آلعقل ألباطن معاً(2) أو ما يُعبّر عنهُ بآلضّمير ألبّاطن لتفعيل نظريّة (ألكَوانتوم), و من هنا أشار آلباري في عشرات ألآيات إلى وجوب ألأحتكام إلى آلعقل و آلتّفكر آلتّبصّر بشكلٍ أخصّ لمن يُريد آلمعالي عبر معرفة كلّ ألحقيقة و آلوجود و فلسفة خلق آلأنسان ليعيش سعيداً مُعزّزاً مُكرّما غنيّاً مُسلّطاً على كلّ شيئ, بل تفرّد آلباري في آية رائعة أبرز فيها أهمّية و خصوصيّة ألتّعقل بآلقلب بقولهِ: [فإنّها لا تُعمي ألأبصار و لكنْ تُعمي آلقلوب آلتي في آلصّدرو](3).
إنّ تفعيل ألعقل ألباطن هو آلذي يُحقّق آلبصيرة و يجعل ألأنسان عارفاً بأمرهِ و أمر آلوجود, بمعنى أنّه لا يكتفى بظواهر ألموجودات من خلال ألعقل ألظاهر فقط .. بل يسعى للتّعمق في آلأسباب و آلجذور و آلعلل و آلبواطن, و هذا آلأساس من شأنه جعل ألبصير ألكادح نحو الله تعالى يسير بقوّة آلعشق على أسسٍ سليمةٍ قويةٍ و منسجمةٍ مع فطرةِ آلأنسانِ و آلطبيعةِ و آلوجود وهو محملٌ بآلفكر آليقيني ألعصيّ على آلهدم و آلفناء و آلتّغيير حتّى لو واجههُ كلّ طواغيت ألأرض, و من آلآيات ألّتي أشارتْ لأهميّة ألبصيرة ألّتي يُعادلها آلعرفان في وجود ألأنسان هي:
[يخافون يوماً تتقلّب فيه آلقلوب و آلأبصار](4).
[يكاد سنا برقه يذهب بآلأبصار](5).
[يقلب الله آلّليل و آلنّهار إنّ في ذلك لعبرةٌ يا أولي ألألبابُ](6).
[و إذ زاغت الأبصار و بلغتْ ألقلوب ألحناجر](7).
[...أولي آلأيدي و آلأبصار](8).
[فأعتبروا يا أولي الأبصار](9).
[أ فلم يسيروا في آلأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فأنها لا تُعمي آلأبصار و لكن تُعمي آلقلوب آلتي في آلصّدور](10).
نستنبط من مجمل ألآيات ألآنفة بأنّ آلدّروس ألألهيّة – و آلّتي وحدها هي آلمُنجية – لا يتعلّمها و لا يُدركها على حقيقتها سوى أصحاب ألبصيرة, و لا تتحقّق هذه آلمرتبة إلّا عند آلمُتقين ألّذين يتعلّمون من الله, فطوبى لّلذي كان تلميذاً لخالقهِ و هو يقول:
[و إتّقوا الله و يُعلّمكم الله].
بآلبصيرة نصل إلى فهم أصول ألبناء ألفلسفيّ لنظريّة ألمعرفة, و قد تطرّقنا للموضوع تفصيلاً في بحوثٍ مفصّلة سابقة بعنوان؛ أسس نظريّة ألمعرفة ألأسلاميّة(11), و هي إجمالاً تستند على:
أولاً: ألأدراك, و هو على نوعين:
ألتّصوّر: وجود ألشّئ في مداركنا, و لا يشمل وجودهُ خارجهُ.
ألتّصديق: وجود واقع موضوعي للتّصور خارج ألأدراك.
ثانياً: ألبداهة, تعتمد على مُقدّمات أساسيّة عقليّة تُقام على هديها سائر ألمعارف ألتّصديقية .. ليس بآلضرورة إثبات صحّتها بدليلٍ أو برهانٍ.
ثالثاً: ألكَوانتوم(12)
يتمّ آلحصول على ألمعارف ألطّبيعيّة بتطبيق ألمُقدّمات ألّتي يتوقّف إثباتها على آلتّجربة آلتي تُهيئ للأنسان شروط ألتطبيق, أمّا عالم ألميتافيزيقيا و آلرّياضيّات ألتي هي أمّ ألعلوم, فآلتّطبيق فيها لا يحتاج إلى تجربة خارجيّة, و هذا هو آلسّبب بكون نتائج ألميتافيزيقيا و آلرّياضيّات نتائج ذهنية لكنها قطعيّة لا شكّ فيها, بعكس الطبيعيّات رغم كونها ظواهر لكونها تخضع لعوامل ثابثة و متغيرة و بآلتالي صعوبة ألأيمان القطعي بقوانينها!
و آلحقيقة أنّ الحصول على معارف طبيعيّة بتطبيق ألمُقدمات يتوقّف على آلتّجرية ألّتي تُهيئ للأنسان شروط ألتّطبيق, أمّا آلميتافيزيقيا و آلرّياضيات(أمّ العلوم) فآلتطبيق فيها لا يحتاج إلى تجربة خارجيّة, و هذا هو آلسّبب في أنّ نتائج ألميتافيزيقيا و آلرّياضيات نتائج قطعيّة في آلغالب دون نتائج ألطبيعيات.
علاقة ألميتافيزيقيا بآلعِلم ألطّبيعيّ:
نظريّة (ألكوانتوم) كما بيّنّاها في مباحث ألمعرفة؛ لها دورٌ كبيرٌ في تفعيل و توضيح أبعاد و كُنه ألقوانين ألطبيعيّة ألّتي كانتْ مجهولة حتّى عهدٍ قريب, و قد برهن "ألبرت آينشتاين" و غيره تلك ألعلاقة ألمؤثّرة زاعماً عدم مقدرتنا معرفة قوانين الطبيعة بدون آلكّوانتوم, ففي آلمجالات ألغير تجريبيّة – أيّ مسائل ألميتافيزيقيا - تعتمد ألمبادئ ألضّروريّة على تلك آلمجالات, و يتمّ ألتطبيق بصورةٍ مُستقلةٍ عن آلتّجربة, ففي مسألة إثباث ألعلّة ألأولى في آلوجود و آلّذي نُعبّر عنهُ بـ (واجب ألوجود), يقوم ألعقل بتطبيق مبادئه ألضّروريّة – ألمنطقيّة – على هذه ألمسألة حتّى يتوصّل إلى نظريتهِ ألأيجابيّة أو ألسّلبيّة, و ما دامت ألمسألة ليستْ تجريبيّة؛ فآلتّطبيق يحصل بعمليّةِ تفكيرٍ و إستنباطٍ عقليّ بحث و بشكلٍ مُستقلٍ عن آلتّجربة بحسب ما أثبتهُ ألسّيد محمّد باقر ألصّدر(قدس)(13).
خلاصة آلبحث؛ هي أنّ ألمعرفة ألتّصديقيّة تكشف لنا عن موضوعيّة ألتّصور عبر واقع موضوعيّ للصّورة ألّتي تظهر في ذهننا, و آلنتيجة تتجلّى من خلال مدى ألتطابق بين آلصّورة ألذّهنيّة – فيما لو كانتْ دقيقة و صحيحة تؤيّدها ألواقع ألموضوعيّ ألّذي صدّقنا وجودهُ بِسَبَبِها.
و آلصّورة ألذّهنيّة ألّتي نكوّنها عن واقعٍ موضوعيّ فيها ناحيتان أيضاً:
ألأولى: صورة ألشّيئ و كيفيّة وجوده في ذهننا,
ألثانية: صورة أخرى تختلف عن آلواقع ألذّهني إختلافاً أساسيّاً,
فآلصّورة ألذّهنية ألّتي نُكوّنها عن ألمادّة أو آلشمس أو آلحرارة أو آلمغناطيس أو آلكهرباء مهما كانتْ دقيقة و مُفصّلة لا يُمكن أنْ تشبه حقيقة ألواقع ألموضوعيّ لتلك آلصّور في خارج ألذّهن, و بذلك يُمكننا تحديد ألنّاحية ألموضوعيّة للفكرة و آلذّاتيّة أيضاً.
فآلفكرة موضوعيّة بإعتبار تَمثّل ألشّيئ فيها لدى آلذّهن و لكنهُ في آلوقت نفسه يفقد كلّ فعاليّة و نشاطٍ ممّا كان يتمتّعُ بهِ في ألمجال ألخارجيّ بسبب ألتّكوين ألذّاتي, و هذا آلفارق بين آلفكرة و آلواقع؛ هو آلفارق بين آلماهيّة وآلوُجود؛ بين حقائق ألوجوب و حقيقة آلله تعالى!
إنّ "إنجلز" و أقرانه قد عَقّدُوا آلأمور على أنفسهِم و على آلكثيرين بدورهم حين نَفَوا ألمدرسة ألمثاليّة و إعتبروها وهْماً, لأنّ آلمثاليّ يُؤمنُ بوجودِ ألأشياء بآلحسّ و آلأدراك ألمدعوم بآلتّجربة, و آلأنسانُ ألواقعيُّ ألبصير يعتقد بوجودِ واقعٍ خارجيّ مُستقلّ للحسِّ و آلتّجربة, فنظريّة ألمعرفة إذنْ تُنوّر عُقولنا و كياننا عبر ألتفسير ألواقعيّ ألعميق للحياة و آلوجود بألوانها آلصّحيحة لبناء ذواتنا و نفوسنا كمُقدّمة تمهيديّة لأستقبال حياةٍ خالدةٍ ننال فيها ألسّعادة بمقدار تضحياتنا و سعينا في كشف مجاهيل و حقائق آلحياة ألدّنيا ألمحدودة لتحصيل رضا الله تعالى فليس للأنسان إلاّ ما سعى, و يعتمد ألتّوسع من معرفة آلحقائق من قبل آلكاتب ألباحث أو ألخطيب ألهادف على مدى تثويرنا لنظريّة ألمعرفة و مباحثها بعد حقّ آليقينِ في هذا آلوجود!
عزيز الخزرجي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يُرافق آلمعرفة ألحقيقيّة عبادة آلله تعالى بإخلاص من خلال ما فرضهُ على عباده من آلواجبات بجانب آلمستحبات و آلنّوافل حتّى يكون آلأنسان هو آلله تعالى بمشيئة آلله نفسه, حيث يقول تعالى في حديث قُدسيّ: [ ما عُبَدَ آلله بمثل ما فرض عليه من آلواجبات, و ما زال آلعبد يتقرّبُ إليه بآلنّوافل حتّى يكون عينهُ آلتي يرى بها و يده آلّتي يبطش بها و رجلهُ آلتي يمشي بها].
(2) لمعرفة ألمزيد عن ألعقل ألباطن و آلعقل ألظاهر؛ راجع مؤلفنا: [أسفارٌ في أسرار ألوجود].
(3) سورة ألحجّ / 46.
(4) سورة ألنّور / 37.
(5) سورة ألنّور / 34.
(6) سورة ألنّور / 44.
(7) سورة ألأحزاب / 10.
(8) سورة ألأحزاب / 45.
(9) سورة ألحشر / 2.
(10) سورة ألحجّ / 46.
(11) يُقدّر عدد أعضاء ألمنظّمة آلأقتصاديّة بحدود 350 رأساً كبيراً يتحكّمون بِمُجمل ألأقتصاد ألعالمي و ثرواته خصوصاً أسواق ألنقد و آلمصارف و آلنّفط وآلمعادن و آلمعامل و آلشّركات و آلمؤسسات ألأعلاميّة ألكبرى.
(12) راجع نظريّة ألكّوانتوم في مؤلفنا: [أسفارٌ في أسرار ألوجود].
(13) للمزيد من آلتّوضيحات, راجع: (ألأسس ألمنطقيّة للأستقراء).
#عزيز_الخزرجي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟