|
قراءة نقدية في المجموعة الشعرية الثالثة لسلام سرحان
عدنان حسين أحمد
الحوار المتمدن-العدد: 4107 - 2013 / 5 / 29 - 13:23
المحور:
الادب والفن
تجليات الأنا الشعرية ورؤيتها للعالم الذي نعيش فيه
صدرت عن دار الشؤون الثقافية ببغداد المجموعة الشعرية الثالثة للشاعر سلام سرحان وقد حمل عنوان هذه المجموعة اسمه الصريح "سلام سرحان" من دون تحوير أو تحريف أو بحث محموم عن معنىً مجازي. ويبدو هذا التمركز على الذات واضحاً في مجموعته الثانية "فضاء الرغبة" التي احتفت بتجلياته الحسيّة والشبقية ذات الطابع "الأنوي" الجريء الذي قد لا نجده عند مجايليه من الشعراء العراقيين في الأقل. ولو وضعنا العنوان جانباً ودلفنا إلى متن هذه المجموعة الشعرية لوجدناها أشدّ احتفاءً بالذات، لكن هذه الذات المتمركزة على نفسها هي آصرة الشاعر التي تربطه بالكون الخارجي الذي سيفحص بواسطته عالمه الداخلي قبل أن يفحص اشتراطات العالم الخارجي المحيط بنا من كل حدب وصوب. يبدو أن الشاعر الماهر سلام سرحان قد وقف في هذه المجموعة الشعرية أمام مرآة سحرية لا تكشف ملامحة البرّانية حسب، وإنما تغوص بعيداً لتعرّي لنا تلافيف دماغه بما فيها من حشدٍ كبير من الأفكار الفلسفية المؤرقة التي يفحص بواسطتها معنى الوجود الممتد بين نقطتي الحياة والموت مُقدِّما لنا العديد من المقترحات الفكرية الصادمة التي تلقى صدىً طيباً لدى المتلقي المثقف ثقافة رصينة تقدِّر اشتغالاته العميقة في خلق صور شعرية تكتظ بأسئلة الوجود والعدم، ولذة تحقيق النِّرفانا، وملامسة اليقين الدونكيخوتي وغيرها من الثيمات الأثيرة لدى سلام سرحان، هذا الشاعر المتأمل الذي يستقطر عسل الكلام مُحوِّلاً إياه إلى صور شعرية تلتصق بذاكرة المتلقي وتصمد أمام تقادم السنوات. لا شك في أن ثيمات هذه المجموعة ومهيمناتها الشعرية هي كثيرة بمكان، ولا يمكن حصرها في دراسة نقدية واحدة، لكننا سنكتفي بدراسة بعض العلامات الفارقة التي شكّلت رؤية جديدة تضيء عالمه الشعري الفاذ الذي ينتمي إليه ونادراً ما يحيل إلى شاعر آخر حتى وإن كان "الأسد، هو بالنتيجة، مجموعة خراف مهصورة". إذ تحتل ذات الشاعر المكانة الأولى، ثم تتبعها الأنثى التي يعشقها ويمحضها حُباً من نوع خاص لأنّ فتحةَ معطفها، التي يراهن عليها، تفضي إلى الخلود! أما المحور الثالث فهو الحرية أو البحث عن الخلاص بأية طريق متاحة. ففي قصيدة "ذهاب" التي يستهل بها مجموعته الشعرية يقول: "وحيدٌ / وجاف / بلا اتجاهٍ / أو ملامح / . . .! / أدفع عن رصاصتي / جثة العالم". قد تختصر هذه الصفات الموجودة في هذا النص الشعري المكثف والرصين جزءاً كبيراً من شخصية الشاعر الإشكالية سلام سرحان، فهو "وحيد" على الرغم من أنه يعيش بلندن التي تكتظ بنحو خمسة عشر مليوناً من البشر القادمين من جهات العالم الأربع، وهو "جاف" على الرغم من الزاد الثقافي والمعرفي الذي توفره عاصمة كوزموبوليتانية مثل لندن، وهو "بلا اتجاه" وكأنه يعيش في صحراء خالية تفتقر كلياً إلى أسهم الدلالة، والأنكى من ذلك كله أنه "بلا ملامح" وهذا هو ذروة الضياع بمعناه الفلسفي القار الذي يدعونا لأن نخوض في هذه المعضلة العويصة التي أدخلنا الشاعر في متاهتها وأنفاقها المسدودة، وأكثر من ذلك فقد وضعنا أمام احتمال الموت أو اقتراف جريمة قد يرتكبها الشاعر ضد "جثة العالم" الميتة أصلاً! بهذه الكلمات القليلة المتقشفة استطاع سلام سرحان أن يختصر لنا جانباً مهماً من سيرته الشخصية العدمية، اللامتنمية التي تقف على الحافة دائماً محذِّراً إيانا بأنه قد يقفز إلى هوة المجهول في أية لحظة قادمة واضعاً إيانا في دائرة الخشية والترقّب. في قصيدة "خلاص" يلمس الشاعر أنثاه "بحواسَ نائية / وجسد غامض" لتنبثق ملامحه الضائعة في النص السابق وكأنه يؤكد ذاته الملتاعة عبر حضورها الباذخ. المرأة في قصيدة سلام سرحان ليست عادية "فإذا ما تسلقها لامسَ جبهة العدم"، و إذا ما ذهب فيها أو معها فإنه سيصل "إلى ضوء وحيد في نهاية العالم". يتهيأ سلام لأنثاه المنتقاة بطقوس خاصة جداً يمكن ملاحظتها في هذا النص المركز الذي أسماه "إليكِ" حيث يقول فيه: " ألوِّن جسدي / وأخرج إليكِ / بخيولٍ / وقلبٍ كامل / . . .! / ليكتمل حضورُك / ويأويني". أشرنا قبل قليل إلى أن سلام سرحان يقف على الحافة دائماً ليمارس هوايته الوجودية بالقفز "من المربع الأخير" ممارساً في هذه الهواية لعبة الترقّب والتشويق التي تستفز القارئ وتستثيره بواسطة هذه اللعبة الفنية الماكرة. ولأنه متحامل على هذا العالم الذي نعيش فيه فلا غرابة أن يسمّيه بـ "العالم السفلي"! أما المحور الثالث الذي يهيمن على هذه المجموعة الشعرية فهو الحرية أو الرغبة المُلحة في الانعتاق، وربما تكون قصيدة "هزائم" هي خير دليل لما نذهب إليه حيث يقول فيها: " أصحو أخيراً / أفضُّ اشتباكَ العالم / بأصابعي / أكنسُ ما تعفنّ على جلدي / من النجاحات / والهزائم / . . . ! / وأقفز عالياً / لأتأكد من حريتي." قد تكون هذه الحرية مستعصية ولا أحد يفهمها سوى الشاعر نفسه الذي يتحرّق شوقاً لتنفيذها من ذلك العلو الشاهق ليشرع في مزاولة حرية جديدة تبدأ من "سطوة الجسد" الذي انشغل فيه، كما أشرنا، في ديوانه الثاني "فضاء الرغبة" بينما هو يواصل الوقوف على حافة العالم متفرجاً أو متأهباً للانعتاق. لابد من أخذ الأنثى بعين الاعتبار في شعر سلام سرحان، فهي ليست عابرة، حتى وإن كان حضورها لأسباب شبقية صرف لأنّ أنوثتها "تهزّ علاقته بالكون" من جهة، وتشكِّل "أكبرَ اعتداء عليه" على الإطلاق. هذه الحساسية الصارخة قلّما تجدها عند شاعر كوني باستثناء أراغون الذي قال في إلزا: "عيناكِ عميقتان سيدتي حتى أنني أفقد فيهما ذاكرتي". يوظف الشاعر المبدع سلام سرحان الإشارات الفلسفية التي وردت في ملحمة كلكامش بطريقة شعرية ذكية ومقتصِدة إذ يقول: "جلجامش / الذي أضاع عشبته / . . .! / لم يدرك / أن الآن= الأبد." لقد استخلص سلام سرحان مقولة ديكارت الشهيرة "أنا أفكِّر، إذاً أنا موجود" بالقصيدة الشعرية المركزة التي توازي هذه المقولة الفلسفية الجدلية حينما قال في قصيدة "برهان": "تضربني الشهوة / إذن / أنا موجود.". هي تُدرك، وهو يُدرك أيضاً أن حضور ساقيها يحاصره تماماً في زاوية ميتة لا يُحسَد عليها، وهو يعلم علم اليقين بأنها تحاول "تشديد هذا الحصار" الحسيّ الذي تتجسّد شبقيته أمام القارئ الذي يمرِّر لسانه من دون شك على حرير الساقين الناعميتين. لا أدري حقاً إن كان الشاعر سلام سرحان يتوق لتحقيق النِّرفانا أو السعادة القصوى التي تتأتى في البوذية عن طريق قتل شهوات النفس أم لا؟ فهذة مسألة تحتاج من دون شك إلى أسئلة معمّقة تسبر أغواره الشخصية وعوالمه الخاصة جداً، ولكنني أستدل من خلال هذا النص الذي عنوّنه بـ "سموّ" حيث يقول فيه: "الرغباتُ / التي تحاصرني / تحرث في جسدي / طريقاً / . . . ! / إلى النيرفانا" أو هذه الغبطة الساحرة المجردة من الشهوات والرغبات الأرضية. تكشف قصيدة "اكتمال" عن "الحيوان" الكامن ليس في سلام سرحان فقط، وإنما في كلٍ منا على انفراد. ففي قصيدة "اكتمال" تكمل الأنثى رسم معالم هذا الحيوان الكامن في كينونة الشاعر الداخلية بعد أن تفضّ اشتباكه بالعالم "قُبلةً قُبلة"، لكننا سوف نكتشف أن هذا "الحيوان" هو نقطة ضعف الشاعر، وربما نقطة ضعفنا جميعاً إذا ما أنتصرنا عليه أو روّضناه في الأقل لكي نفهمه ونعرف طلباته الملحّة، لأن جسد الشاعر الغارق في تهويماته قد يفضي به إلى "قفزة سرية" تقوده إلى مُلامسة العالم المجهول. ربما تكشف قصيدة "انتحار سلام سرحان" عن غضبه، وعنفه، ومودته العالية، وشعره الاستثنائي، وغاياته غير النبيلة، ومحاولات انتحاره البائسة، وجنسه الفاحش، وخموره القوية، وشهواته "الطبيعية" للخروج من بئر الغريزة لا غير! لكن هذه الغريزة العمياء التي "تجرّه إلى جدار صريح يمدّ مخالبه إلى نقطة الضوء الوحيدة في قرارة القلب". قد يبالغ الشاعر سلام سرحان بالقول بأن "جميع الجهات / لا تفضي / إلى شهوتي المقبلة"، فالشهوة، من وجهة نظره، فـ "هي محاولة دائمة / للقبض على الأبدية". ولكي ننهي هذا المقال لابد لنا من اختيار هذا النص الذي يختصر رؤية الشاعر سلام سرحان الذي يقول: "الشبقُ / الذي يوحّدني / . . . ! / يردمُ بئر العدم".
#عدنان_حسين_أحمد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مدينة كاردِف تحتضن أمسية ثقافية عراقية منوعة
-
بدايات المنهج العلمي ومراحلة منذ عصر النهضة وحتى الوقت الراه
...
-
الطاقة في جسم الإنسان
-
بغداد عاصمة الثقافية العربية بعيون أبنائها المغتربين
-
البصمة الذاتية والصوت الخاص للفنان أمين شاتي
-
أمل بورتر في ندوة في -بيت السلام- بلندن
-
مشاكل المرأة العراقية في المملكة المتحدة
-
احتفاءً بالمنجز الأدبي للشاعر الراحل عبد السلام إبراهيم ناجي
-
تاريخ عربستان وثقافتها
-
الثابت والمتغير في واقع ما بعد الثورة في تونس
-
همسات مقدّسة في المركز الثقافي العراقي بلندن
-
في أمسية بالمركز الثقافي العراقي بلندن (ج4)
-
أمل بورتر: حينما أدخل في مناخ الكتابة الروائية أعاني، وأبكي،
...
-
خالد القشطيني . . الضاحك الباكي (ج2)
-
المركز الثقافي العراقي بلندن يستضيف خالد القشطيني(1)
-
قراءات نقدية ل (كوميديا الحُب الإلهي)
-
حرية الجسد
-
نأي الرأس وغربة الجسد في مرويات تحسين كرمياني
-
بحر كاظم يستنطق ذاكرة المكان وتجلياته عند سعود الناصري
-
الكتابة في ظلال ملحمة كلكامش
المزيد.....
-
الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز-
...
-
جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
-
نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ
...
-
الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف
...
-
ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
-
تصادم مذنب بشراع جاك
-
وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
-
فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
-
تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة
...
-
ياسمين صبري توقف مقاضاة محمد رمضان وتقبل اعتذاره
المزيد.....
-
تحت الركام
/ الشهبي أحمد
-
رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية
...
/ أكد الجبوري
-
نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر
...
/ د. سناء الشعلان
-
أدركها النسيان
/ سناء شعلان
-
مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111
/ مصطفى رمضاني
-
جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل
/ كاظم حسن سعيد
-
رضاب سام
/ سجاد حسن عواد
-
اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110
/ وردة عطابي - إشراق عماري
-
تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين
/ محمد دوير
المزيد.....
|