احمد محمد انور
الحوار المتمدن-العدد: 4088 - 2013 / 5 / 10 - 12:42
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا تخفى الأوساط السياسية فى إسرائيل قلقا عميقا حيال ثورات الربيع العربى ، التى شكلت منذ إشتعال شرارتها الأولى ، كابوسا مزعجا لإسرائيل وسرعان ما تحولت الى خريفا إسلاميا غير مضمون التوجه ، فهذا المد الثورى الذى بدأته تونس ثم مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا ، والأزمة النووية الايرانية والتدابير الدولية التى ستتخذ بشأنها ، وتداعيات الانسحاب الأمريكى من العراق ، هى كلها أمور سوف تؤثر بلا شك على موازين القوى فى المنطقة.
والواقع أن المراقبين الاسرائيليين لديهم انشغال دائم بمحورين رئيسين ، أولهما : مسألة التغير النسبى الراهن والمستقبلى فى موازين القوى فى الشرق الأوسط ، وثانيهما : التهديد المتزايد لإسرائيل أمنيا واقتصاديا بفعل التغيرات السريعة الحادثة ، فالمحور الأول مسألة شديدة الخطورة بالنسبة لاسرائيل ، التى تنظر لنفسها دائما على أنها دولة إقليمية عظمى فى المنطقة ، لها أذرع سياسية واقتصادية وعسكرية قوية ومؤثرة ، ومنافذ للقوة والضغط على جميع جيرانها ، ... هذا كله بالطبع صار مهددا الأن يشكل أو بأخر ، فالثورات العربية تزداد تحركا واشتعالا ينذر بالفوضى ، وزعيم حركة النهضة التونسية – الغنوشى – يتحدث من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ، عن أن عام 2012 سيكون نهاية الأنظمة الملكية العربية حيث لا يخفى كثير من كتاب ومحللى اسرائيل تخوفهم على مستقبل حلفائهم فى الأردن والسعودية على وجه الخصوص ، هذا وفى مصر يتبلور نظام إسلامى راديكالى – حسب تعبير ألكسندر بلاى رئيس مركز أبحاث الشرق الأوسط فى المعهد الجامعى فى أرينيل – معاد للولايات المتحدة واسرائيل ، فضلا عن ذلك تترنح أوربا بسبب أزمة الديون السيادية فى منطقة اليورو ، فى ظل إنكفاء الولايات المتحدة – المقبلة على انتخابات رئاسية – داخليا ، وتهاونها إزاء الملف الايرانى ، وانشغالها بحلم الانسحاب من مستنقع العراق ، تاركة ورائها حطاما وفوضى طائفية ، وانقسامات ومقدمات حرب أهلية ، وارهاصات ثورة شعبية ... فضلا عن نفوذ ايرانى طاغ ، كل ذلك ينذر بتشكل نظام إقلبمى جديد ، وتغير نسبى فى موازين القوى فى المنطقة ، وستجد إسرائيل نفسها مضطرة للتعامل مع هذه المتغيرات الحاصلة ، أنيا : وهو ما نراه فى التخوف والحذر الاسرائيلى – الخليجى حيال الثورات العربية ، وهو ما يفسره بشكل أو بأخر تصاعد الدور الخليجى – القطرى ، فى الجامعة العربية مثلا على حساب القوى التقليدية ، فى محاولة لاحتواء المد الثورى ( اليمن والبحرين نموذجا ) ، أما مستقبليا : فهو ترهل و إضطمحلال القوى السياسية الحاكمة فى بلدان ما قبل الربيع العربى ، وربما يتبلور نظام إقليمى جديد ، هو أخشى ما تخشاه إسرائيل ، يكرس لمحور (إيرانى – تركى – مصرى) ، مع تشكل نظم أكثر راديكالية فى ليبيا وتونس ، ونظم نصف ثورية فى اليمن وسورية ، ممهدا بذلك لعزلة إسرائيلية مزمنة فى الإقليم .
أما ثانى المحورين فهو التهديدات الأمنية والإقتصادية لإسرائيل ، فمع تصاعد الاسلام السياسى ، تتشكل بنية جديدة للشرق الأوسط ، الذى تتركز أهميته بالنسبة لإسرائيل فى أربعة معابر رئيسة ، هى المضائق التركية وقناة السويس ومضائق باب المندب ومضائق هرمز ، وجميع هذه المعابر حاليا تحت سيطرة حكومات إسلامية ، واسرائيل بلا شك غير مرتاحة إزاء هذا المد الاسلامى المتزايد ، وبخاصة فى مصر ، فالاسلاميون لهم توجهات معادية لاسرائيل والغرب ، ولكنهم يتمتعون بثقل جماهيرى ، ولديهم قدر من البراجماتية ، التى قد تتيح لهم – من الرؤية الاسرائيلية - الحيلولة دون تقليص المساعدات الأمريكية ، والحصول على الشرعية الدولية ، وربما إلغاء إتفاق السلام المبرم مع اسرائيل أو إضعافة بإحلال الفوضى فى سيناء.
وربما كان من غير الدقيق الانسياق وراء هذه الرؤية الاسرائيلية ، ذلك أنها تغفل أن القيادة التى تتشكل بدايتها فى مصر ، تعانى من أزمات طاحنة ، فالمجتمع المصرى ينوء بمشكلات هائلة ، ويموج بحركات ثورية جارفة ، ويرزح تحت نير ضغوط دولية وإقليمية خانقة ، هذا الى جانب أن مصر لديها جيش قوى ، يمكن لاسرائيل وحلفائها أن تعول عليه لكبح جماح فوى الاسلام المتصاعدة ، وربما دعم توجهاته – أى الجيش – للسيطرة على الثورة بشكل يجعلها دائما فى عنق الزجاجة.
أما بالنسبة للتهديدات الاقتصادية لاسرائيل – حسب ألكسندر بلاى – من خلال سيطرة الحكومات الاسلامية على المضائق ، فهو يأتى منطلقا من نظرة إسرائيل لنفسها بإعتبارها كيان مهدد فى وجوده بشكل دائم ، وديمومة هذه التهديدات – تختلف أو تتفق معها – تأتى بوصفها جزء من الدعاية الاعلامية الاسرائيلية ، فنظرية الأمن الاسرائيلى أساسها استراتيجية الخوف ، وبالتالى الإرتكاز على مبدأ القوة بوصفه جوهر العقيدة القتالية الإسرائيلية ، يقول مناحم بيجن " إن العالم لا يشفق على المذبوحين ، العالم فقط يحترم المحاربين ، وعندما تضرب الفولاذ بقوة بمطرقة من حديد ، فإن الجميع ينتبه لصوت الدوى ، لكن عندما تستعمل القفاز ، فإن أحدا لا ينتبه الى وجودك ، ... إن الأحذية الثقيلة هى التى تصنع التاريخ ، والسياسة هى فن القوة " وهذا هو الأساس الذى قامت عليه إسرائيل الدولة الثكنة العسكرية ، وهو عينه المنطلق الذى تنظر من خلاله الى وجودها وأمنها القومى.
لكن ثمة تخوف إسرائيلى حقيقى لا يمكن انكاره ، حيث تعد هذه المضائق ، شديدة الحيوية لدول لا منفذ لها على البحرالا هذه المضائق ، مثل اسرائيل والسعودية ، والتهديد بإغلاق مثل هذه المعابر الاستراتيجية ، لن يكون على اسرائيل وحدها ، لذا يدعو بلاى الى تحالف اسرائيلى – سعودى وكذا مع الدول المستهلكة للنفط ، وهى بالطبع رؤية استشرافية ، لأن إغلاق مثل هذه المعابر ، يشكل حماقة كبرى لا يمكن للقوى الاسلامية المتصاعدة ، ولا لتركيا ، أن تقدم عليها...
#احمد_محمد_انور (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟