منذر مصري
الحوار المتمدن-العدد: 1154 - 2005 / 4 / 1 - 11:08
المحور:
الادب والفن
3- محمد بلَّة : ( 1960- 1995 )
ــــــــــــــــــــــــــ
( محمد ) الأخ التالي ( لفؤاد )، يصغره بسنة، ومن حمَّلناه كل ما لم نكن نريد أن ننزله عن ظهر ( فؤاد ) وهو ميت، من طالبناه بالتعويض لنا عن كامل خسارتنا بموت أخيه، من أورثناه صداقتنا ( لفؤاد ) بكل أوزارها، من أردناه ( فؤاداً ) حياً،( فؤاداً ) لم يمت، من دفعناه ليصير نسخة مطابقة عنه، ورغم قبول ( محمد ) دون تردد أن يملأ لنا فراغ أخيه الكبير، ورغبته أن لا يخيب ظننا، لكنه كان لا بد له أن يكون ذاته،( بلِّة ) آخر، ليس صورة عن سواه من كان يكن، بل ( محمد بلَّة ) الخاص.. ( محمدنا ) أيضاَ كما كان أخوه ( فؤادنا ) .. الصديق العام للجميع!! صديق أصدقاء حميمين يشاركونه، وحده فقط، حلقتهم، وأصدقاء متخاصمين لا يطيقون بعضهم، ولكن في سهرة مدبَّرة أو رحلة لم تكن على البال، يجمعهم ( محمد ) ليفشوا خلقهم به ثم يعودوا ويتصالحوا!! وصفات وتفاصيل شخصية أخرى لا داعي لذكرها الآن لأني لا أريد أن أفوت عليكم فرصة الاستمتاع بها في القصيدة التي ستكون خاتمة ما أكتبه، والتي كتبتها معتمداً على رسالتين، أو نصين، أو أستطيع القول قصيدتين، كتبهما أخي ( رفعت ) عن ( محمد ) بعد موته. مات ( محمد ) كما ذكرت، سقط من حافة سطح بيتهم في الطابق السابع. روي لنا أنه كان قد اعتاد إذا لم يكن سهراناً خارج البيت، أن يصعد آخر المساء للسطح للاختلاء بنفسه، فيقضي سحابة الساعة أو ساعتين يدخن وأحياناً يشرب، لوحده. ولأن أهله كانوا يبنون الطابق الثامن على أمل أن يتزوج ( محمد ) قريباً ويسكنه، فقد كان يصعد كل يوم ليسقي البيتون المصبوب حديثاُ كما كان يطلب منه صديقنا المهندس عمار زريق المشرف على بنائه. /6-11- 1995/ الساعة الواحدة ليلاً سمع سكان الطابق الأرضي صوت سقوط وارتطام كتلة كبيرة على ممر الحجري للحديقة الصغيرة حول البناء، ولما خرجوا ليتفقدوها عرفوا أنه ابن جيرانهم بيت البلِّة ( محمد )، فاتصلوا بأهله بالهاتف، تصورا ماذا يمكن أن يقال في مكالمة كهذه، تصوروا كيف لعمته وأخواته أن يتلقوا هكذا خبر، ما هي الحالة التي كانوا عليها قبل لحظة وصاروا عليها بعد لحظة، أي مصيبة أي كابوس!! بعدها نقل ( محمد ) إلى المشفى الوطني القريب حيث غادرت روحه الزرقاء المحطمة جسده المحطم الأزرق بعد ساعة ونصف.
قلت سوف أدع للقصائد أن تنقل لكم ما كان عليه ( محمد )، ولكن لا بد أن أروي لكم واقعة حدثت ونحن مجتمعين بناء على دعوته، في بيت ( البلَّة ) لنشاهد فيلم مارتن سكورسيزي ( آخر إغواء للمسيح ) تمثيل ( وليم دوفو ) وكان أسامة منزلجي ( مترجم هنري ميللر و هيرمان هيسة ومن ترجم رواية نيكوس كازنتزاكيس التي أخذ عنها الفيلم ) حاضراً، هو من لا يخرج من بيته، لا لشراء بندورة ولا في السبع سنين مرة لانتخاب الرئيس! والذي إذا أردت أن تهديه شيئاً غير الكتب والموسيقى، ثياباً مثلاُ ، فعليك أن تنتقي له بيجامة نوم قطنية من الصنف الجيد، وسوف تعلم أنك أحسنت الاختيار حين تراه بها في زياراتك المتقطعة، لأنه، لولا بعض المشاوير الضرورية جداً جداً، لشراء الكتب والموسيقى حاجات ( أسامة ) الضرورية، لما لبس سوى البيجامات طوال حياته. والذي يهتف لحمادة الذي يقع محله مقابل بيت ( أسامة ) تماماً، لا يفصله عنه سوى عرض الشارع، ليحلق له في غرفته، قرب السرير أمام مرآة الخزانة، في أول يوم من كل شهر. وقبل أن نبدأ بعرض الفيلم فوجئنا بإصرار ( أسامة ) على فتح التلفزيون على القناة السورية لمعرفة نشرة الطقس!! الهوس الذي لم نكن نعرفه عنه سابقاً، مما جعلنا نتساءل عن سبب هذه الرغبة وهذا الإصرار، وظننا أن ( أسامة ) ربما كان ينوي السفر اليوم التالي، أو أن قريباً له سيزوره أو صديقاً سيسافر؟ لكن كل هذا كان محض تخمين، ( فأسامة ) لن يسافر إلى أي مكان ولا يتوقع زيارة أحد!! عندها قال ( محمد ) وبكل احترام : ( يبدو أن الأستاذ مضطر غداً للخروج للبلكون ).
وقد استخدمت هذه الصورة في المقطع الأول من قصيدتي عن ( أسامة ) ذات العنوان ( بَدَلَ أَن أَقرَعَ الجَرَسَ أُطفِئُ الضَّوء ) كالتالي :
( يَسمَحُ لِنَفسِهِ بالتَّردُّدِ في أَن
لا يُجيب
عِندَما يَسمَعُ اسمَهُ يُنادى
حَريصاً أَلاَّ يَخرُجَ إلى
الشُّرفَة
أَو يَمُدَّ رَأسَهُ مِن النَّافِذَة
قَبلَ سَماعِهِ
نَشرَةَ الطَّقس . )
ولكن لقصيدتي عن ( أسامة ) و ( أسامة منزلجي ) قصة أخرى، ربما أرويها لكم يوماً، بالتأكيد سأفعل. أما قصيدتي التالية عن ( محمد ) فقد تضمنتها مجموعتي الأخيرة الصادرة عن دار رياض الريس 2004 ( الشاي ليس بطيئاً ) وأخلط فيها، كما في كثير من قصائدي بهذه المجموعة،عدة أصوات وعدة شخصيات إحداها أختي مرام / ولِدَت بِعَينَينِ باكِيتَين وفَمٍ ضاحِك. والأخرى آخر فتاة أحبها ( محمد ) وشوهدا معاً مرات عديدة وفي أماكن غير متوقعة في المدينة، ثم فجأة سافرت وانقطعت عنه كلياً. لا أحد يعلم تفاصيل هذه العلاقة أو المضاعفات التي سببتها وخاصة خاتمتها غير المعروفة، والتي ربما أدت إلى وصول ( محمد ) إلى هذا الدرك من اليأس، وبما إلى انتحاره، كما يفعل أغلب العشاق، على حد تعبير ( دون ماكلين ) في أغنيته ( فينسنت ) عن الفنان المنتحر بعمر ..... ( فينسنت فان كوخ )، فلا شيء كالحب يقدر على إيذاء شخص ( كمحمد ) إلى هذا الحد. ولكننا جميعنا، أهله وأصدقاءه، رفضنا فكرة انتحاره هذه، وكان رفضنا ذاك رفضاً لفكرة أننا لم نساعده، أو على نواسيه، رفضاً لفكرة كوننا لم نبذل كل ما في وسعنا لنجدته، لنقف بجانبه، وأننا لم نكن منتبهين له أو آبهين لمعاناته. كلا لم ينتحر ( محمد ) لقد وقع لأنه لم يلحظ حافة السطح بسبب العتمة، انزلقت قدمه بسبب الماء الذي كان يسقي به الأعمدة البيتونية، خانته قواه، الضعيف، وهو يحاول أن يعبر من مكان لآخر ممسكاً بقضيب حديد، أو ربما أفلت هذا القضيب من يده، وربما غير هذا لكنه لم ينتحر، تشاركنا جميعنا الخوف من مجرد التفكير بذلك.. أما الباقي من أبطال القصيدة فهما أنا ( الصحفة الناجية ) وأخيراً هو ( الفنجان المكسور ) :
- سأعودُ بعدَ قَليل .. كالحُزن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( إلى كُلِّ من سيَسُرُّهُ ويَحزُنُهُ في آن ،
أَن أُقَدِّمَ إلى محَمَّد بلِّه هذه القصيدة )
*
لا تَبكي على يومٍ مضى
تَبكي بِحُرقَة
على يومٍ سيأتي
الحاضرُ
لا يذوبُ في دُموعِها .
/
أَعطَتهُ كُلَّ ما لا يُعطى
الوقتَ
المَهدورَ عَلى أَيِّ حَال
اللَّحمَ
الَّذي لَم يَنقُص
العاطفةَ
الَّتي بِمِقدار ما أَسرفَت بِها
زادَت
فَقد آلَمَها
أَنَّهُ لَم يُبادِلها كُرهاً بِكُره
وأَنَّهُ عندما مضى
لم يُخلِف
نَدبَة .
/
وللآخَرينَ أَيضاً زلازِلُهُم المُدَمِّرة
تَنجو الصِّحافُ
في حينِ تَتَكَسَّرُ الفَناجين
وبَقيَّةُ العائلَةِ البَلُّوريَّة
المُتَطاوِلَةِ
والقَلِقَةِ الارتِكاز
ذَواتِ البُطونِ المُجَوَّفَة
والحَوافِّ الهَشَّة
الَّتي امتَلأَت
ثُمَّ فُرِّغَت ونُظِّفَت
ثُمَّ عادَت وامتلأَت
ثُمَّ عادَت وفُرِّغَت
مِمَّا يَجعلُها تَستَحِقُّ
هَذا المَصير
أَن تَسقُطَ
مُهَشَّمَةً مِن حافَّةِ مائدَةٍ
أَو أَطرافِ أَصابِع .
/
( أَمَّا الأَطفال )
قالَت :
( فَلا مانِعَ
مِن أَن يَلعَبوا بِكُلِّ شَيء
وِيَدَعونا وشَأنَنا
شَرطَ أَلاَّ يُؤذوا
أَنفُسَهم ) .
/
ولِدَت بِعَينَينِ باكِيتَين
وفَمٍ ضاحِك .
/
مِن بَينِ عَشَرَةِ أَشهاد
لا شُبهَةَ بَينَهم
لم يُجِب أَحَدُهُم
بِلا
أَو
نَعَم
عَلى سُؤالِها :
( ما هو مَعنى الدُّموع ؟ )
ورُبَّما هذا
ما أَضحَكَها بالذَّات
عِندَما قَرَأَت لَوحَةً صَغيرةً
مُعَلَّقَةً
عَلى بابِ دُكَّانِ أَحَدِ الحَلاَّقين
كُتِبَ عَلَيها :
( سَأَعودُ بَعدَ قَليل
كالحُزن ) ..
8-7-1998- اللاذقية
يتبع ( 3 من 3 )
#منذر_مصري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟