سيف الدّين عفانة
الحوار المتمدن-العدد: 3997 - 2013 / 2 / 8 - 02:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تستفق تونس بالأمس على وقع اغتيال لمناضل سياسي فقط، بل إنّ مجرى الأحداث قد اتخذ اتجاها آخر نستطيع أن نصفه بالنقلة الهامة في تاريخ النضال السياسي المعاصر. فالإغتيال أقسى وأقصى أنواع العنف المستعملة في السياسة، والطريقة القاسية التي تمت بها العملية واستخدام القاتل المأجور غريبة عن المشهد السياسي التونسي وبالخصوص بعد قيام الثورة التي من قيمها نبذ القمع السياسي والعنف.
والمصيبة لا تتوقف حدّ خسارتنا لرمز من رموز النضال الوطني، بل تمتدّ لتشمل أمن البلاد ومستقبلها. من أجل هذا لا ألوم الشعب الذي هبّ للتنديد بهذه العملية المجرمة والبشعة بكلّ تلقائية، لكني أنبّه من قرائتنا لهذه التّصفية. إذ أن كلّ قراءة مخطئة قد تقودنا إلى منعرج قاتم قد يدخلنا في خضمّ من العنف المتبادل والإنقسام.
من ناحية أخرى، نجد أن من حقّ كلّ فرد أو حزب أن يفسّر هذ الحدث حسب رؤيته، لكن للأسف لو تمحّصنا قليلا لوجدنا أن بعض الرّؤى وبعض التّفاسير قد تحدث زلازل في أمن البلاد ومستقبلها السياسي. ونرى أن من واجب الشّعب الآن التّريّث واحتساب مصلحة الوطن كأساس لرود فعله.
وهنا نعرض الأبعاد الواضحة لاغتيال الشهيد شكري بالعيد وانعكاسها على المستقبل السياسي القريب للبلاد، لعلنا بهذا نكشف بعض ما لا ينبغي لنا القيام به إذا كانت مصلحة الوطن هي شاغلنا الأساسي.
1) يد زرقاء؟
النهضة وجناحها العسكري كما يطلق عليه البعض. وهذا بالنسبة للكثيرين منطقي جدا. فالكثير ممن صنعوا أحداث الفوضى والإشتباكات بين الأفراد ينتسبون لهذا الحزب. كما أنّ البعض يرى أن لا أمل للنهضة في حكم عبر انتخابات وذلك لنقمة الأغلبية عليها وسخطها على مسارها السياسي منذ انتخابات التّأسيسي. وهذه الآراء لا تروّج فقط في الأوساط اليسارية بل إن عامة الشعب أيضا ترى ذلك وبأغلبية ساحقة. ونشير هنا إلى أن هذه القراءة لن تصيب البلاد بسوء كبير نظرا أنها لا تحمل إلا حلّين على الأرجح:
أولا فرض استقالة النهضة من العمل السياسي الفاعل بحيث يتمّ إعطاء الفرصة إلى حكومة تكنوقراط، أكفاء وليس لهم اعتبارات غير مصلحة الوطن وهذا ما التجأت إليه النهضة مضطرّة وصدّقت بذلك رغبة الدكتور المنصف المرزوقي . أو أن النهضة قد تتلاعب قليلا بالشعب بهذا الحلّ الواهي ريثما تعدّ نفسها لفرض القوة عبر حكومة عسكرية في مظهرها ومحرّكها إخواني.
الحلّ الثاني أن يفرض الشعب رأيه- وهذا ما لاحضنا بذرته اليوم - ويلحق النهضة بالدكتاتور السابق بن علي. لكن هذا الإتجاه أيضا سوف يثقل كاهل الشعب الذي لن يتحملّ الرعب مرّة أخرى وقد ينسحب ويستسلم في أول الطريق لأنه غير مهيأ سياسيا وتلعب مصلحته الجانب الرئيسي المحرّك له.
2) يد سوداء؟
أياد خارجية تريد اشعال الفتنة بين اليمين واليسار لتستطيع صنع منقذ قادرة على ترويجه . وهو أمر جائز كذلك إذ أن السياسة الدولية بدأت تكشف عن عوراتها بعد اندلاع الرّبيع العربي . ويجب الإشارة هنا أن ايماننا بهذه الفكرة أيضا من شأنها أن ترصّ صفوف المعارضة و الحكومة ضدّ كل الأعداء الخارجيين حتى وإن لم نؤمن بشدّة بذلك ولكن هذا يستوجب بالضرورة أيضا تعديلات جديدة في الحكومة وتحالفا صلبا من كلّ الأطراف والحسّاسيات من أجل مصلحة الوطن عبر طريق وحيد أيضا وهو فرض حكومة كفاءات. ومن ثمّ فستتضّح شيئا فشيئا ملامح هذه اليد السوداء ولو بعد حين. كما يجب الإشارة أن هذه اليد السوداء لن تقف بعد الحادثة صامتة بل ستقترح منقذا قد يشبه قائد السبسي ومن ثمّ تعود إلينا من جديد الدكتاتورية القديمة نفسها.
3) يد حمراء:
يعني أن عملية الإغتيال هي تصفية يسارية - يسارية يصبح بعدها حمّة الهمامي المنقذ الأول للبلاد ويستطيع إقصاء النهضة بسهولة وقيادة الثورة الثانية وافتكاك الحكم. وهذا رأي لن يدافع عنه إلا أصحاب السّلطة الحالية، وهي تهمة باطلة وخطيرة جدا إذ ستمثل أشرس عملية تفكيك لليسار التونسي من الداخل في وضعية لا تحتاج مزيدا من التقسيم. ومن هنا فإنّي أحذّر بشدّة من أن تستعمل النهضة هذه الخدعة التي حتى وإن لم تنجح كلّيا فستؤثّر بشدّة في المناخ العام للعلاقات السياسية بين مختلف الأحزاب والتيارات اليساريّة.
وفي الختام، ومهما يكن من أمر المجرم، فالجريمة التي أزهقت روح مناضل لا يجب لها أن تمتد إلى عنق هذا الوطن وتبعث بين أهله الكره.. بل على العكس، يجب أن يستفيق هذ الشعب ويتأكّد أن وعيه وتمسّكه بمصلحة الوطن هما الضمان الوحيد للخروج من بحر الصراع الدامي واضطراب الأوضاع هذا الذي من شأنه أن يضرّ وبعنف من إقتصاد البلاد وأمنها.
أمّا في علاقة بحزب النهضة المسيطر على الحكم، فحتى وإن لم تكن لها علاقة باغتيال الشهيد شكري بالعيد فإنّ صرخة الشّعب ضدّها في كلّ الولايات أكّدت أنها غير مرغوب فيها وبهذا فإنّ الشرعية التّي كانت تتفاخر بها قد انتزعت منها وإن تمسّكها بالحكم في هذه الفترة الحرجة لن يكون إلا في إطار الإخلال بالمصلحة المشتركة.
هذه قرائة مستقبلية لما قد يحصل في تونس بعد اغتيال شهيد الحرية شكري بالعيد. وهو ليس بتنبأ بقدر ما هي قراءة لرؤى الشعب وما قد يخلفه من نتائج سياسية هامة في المستقبل القريب
#سيف_الدّين_عفانة (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟