موريس رمسيس
الحوار المتمدن-العدد: 3916 - 2012 / 11 / 19 - 13:54
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لا يستطيع الملحد في أي من دول الشرق أن يعلن عن إلحاده و عن عدم اعتقاده في وجود "الله " مع العامة أو في الأعلام صراحة ، باستثناء دولة لبنان إلي حد ما ، بالأخص إذا كان الملحد محسوب بالمولد على أتباع الديانة الإسلامية في تلك الدولة!
يختلف الملحدون في العالم عن بعضهم كثيرا بالرغم من تواجد الرابط المشترك بينهم و هو عدم وجود الإله (الله) لهذا الكون و الخالق له .. و من الصعب أيجاد روابط ثقافية مشتركة بين الملحدين في الشرق و مثيلهم في الغرب كما هو حادث مع أتباع الديانات المختلفة .. هم يختلفون في القيم و الأخلاقيات و الثقافات و أسلوب التفكير
في الغرب يقوم البعض باتخاذ "العلم" كمرجعيه و سبب منطقي علمي في عدم وجود الإله الخالق لكون و لبشر .. و يقوم آخرون باتخاذ المنطق الفلسفي لوصول لنفس الهدف و هناك الغالبية العظمى الذين تربوا و نشئوا في جو و حياة لا دينية و لا يمثل و جود الإله أو عدمه شئ بالنسبة لهم و هؤلاء يعتبرون العامة من أبناء الغرب لكنهم نظريا محسوبين على الديانة المسيحية أو اليهودية في العالم
نفس الشيء يحدث مع الهندوسي و البوذي و الكنفوشيوسى و باقية العقائد الأسيوية الأخرى بالرغم من عدم وجود عندهم "اله خالق" بالمعنى و المفهوم الغربي لكن هناك الحالات الإيمانية الموازية و هما حالتا "النرفانا" و " الكرما"
في الدول الأوربية جميعا (الشرقية/الغربية) ، تتغلب الثقافة المسيحية على الحياة العامة و تعتبر القيم المأخوذة من الموعظة على الجبل "ليسوع المسيح" و "الوصايا العشر" و باقية تعاليم الكتاب المقدس الأساس الأخلاقي التي يتخذها الناس مرجعا في حياتهم و معاملتهم ( الأمانة / عدم الغش / الصدق / عدم الكذب / الحب / عدم القتل / ... الخ) و تُكتسب تلك التعاليم و القيم السامية و بأسلوب مباشر مع الأطفال في المدارس بغض النظر عن دياناتهم المختلفة لكن يكون التأثير الأكبر لها من خلال الأسر المتدينة
يشب الطفل في الغرب على عدم الكذب و على الأمانة وعلى قيم و أخلاقيات كثيرة أخرى و حتى في حالة عدم إيمانه بآله أو ذهابه إلى الكنائس .. كما أن الوسط العام المحيط بالإنسان يساعده على الاحتفاظ بتلك القيم التي أكتسبها من الطفولة ، فهو لا يكذب باقية حياته و يحافظ على تلك القيمة دون أن يفقدها دون النظر إلى أي عقاب و ثواب ما قد يأتى من "آله خالق" أو من الناس .. أي يكون الإنسان مرآة لنفسه و يجد في ذلك السعادة الشخصية و الفخر بالذات بالتزامه في ممارسة القيم و الأخلاقيات العامة في الوسط المحيط به
لا يختلف الناس كثيرا في الغرب (مؤمنين أو ملحدين) في ممارستهم لأخلاقيات و القيم السائدة العامة في المجتمعات المختلفة و بدون غش و رياء
هناك القلة من الملحدين الذين وجدوا في العلم و الفلسفة مبررات منطقية و سببا وجيها لعدم وجود "الخالق"و هم المتواجدون بكثرة بين "الصفوة الثقافية" و هؤلاء "المثالين" في حياتهم ، فهم يحاولون الارتقاء بالقيم السائدة في مجتمعاتهم و العلو عليها (القيم السماوية) و يتواجد هؤلاء النخبة غالبا كأعضاء في الأحزاب اليسارية و أحزاب الخضر و يتمثل هذا الارتقاء في حصولهم سياسيا على الحقوق الإنسانية و الاجتماعية لشواذ جنسيا و لأجانب (المسلمين) و الملونين و يعتبرون ذلك إنجاز كبيرا و ارتقاء بالقيم السائدة (السماوية)
يقترب كثيرا الفكر اللا ديني في أوربا الغربية من الفلسفية الهيجلية لـ "هيجل" الذي تطغى عليه "المثالية" و "الالتزام"، كما أن القيم و الأخلاق تعتبر تراكمية عندهم و يمكن البناء عليها ، هذا الفكر السائد يبتعد إلي حد ما عن فكر و فلسفة "نيتشه" و يبتعد كثيرا عن الفلسفة الوجودية لـ "مارتن هايدجر / جان بول سارتر" .،. يمكن اعتبار "تجاوزا" فكر و ثقافة اللا دينيين فى الغرب بمثابة "عقيدة اللا دينيين" لِما يمارس اتبعها من التزام و إلزام قيمي أخلاقي
***
تختلف الصورة كثيرا مع الحديث عن الملحدين المسلمين (المحسوبين على الإسلام ) في الشرق الأوسط و أقصد هنا بالأخص عن الغالبية منهم التي تبتعد كثيرا عن التأثيرات و الأفكار الفلسفية المختلفة و يُعتبر الإسلام و تعاليمه و قيمه السبب المباشر في إلحادهم .. كما أن هناك الكثيرون الذين يفضلون الإلحاد عن الإسلام هربا من مشاكله مع البشر و مع الإنسانية جمعاء .. هناك أيضا القلة التي تتخذ من العلم و الفلسفة مبررات لعدم وجود الخالق و تسقط معه (الله) بالتبعية كل القيم و الشرائع و من التزامات الأخلاقية الإسلامية
قال الكاتب الروسي الشهير "دستويفسكى" في إحدى رواياته .. (أن كان الله غير موجوداً فكل شئ مباح) .. هذه هي الحالة التي أقصدها و التي يتواجد عليها المسلم عندما يصطدم في بادئ الأمر مع حقيقة نبوة "محمد" و مع حقيقة كونه "رسول" و مرسل من عند الخالق (الله )
نقطة انطلاق الوجودية عند "هايدجر و سارتر " تتبلور في عدم وجود "الله" فلسفيا و يحيا الإنسان وحيدا مهجورا أمام نفسه عندما يكتشف عدم وجوده كما أن "الوجود" الإنساني سابق على "الماهيه" بمعنى لا وجود "لفطره الإنسانية" و القيم الأخلاقية المسبقة فهي تأتى من داخل الإنسان ذاته لاحقا و بإرادته و لا يجد الإنسان في داخل ذاته أو في خارجها أي إمكانية (قيمة أخلاقية) يتشبث بها و بالتالي يصبح الإنسان حرا أو كما يقول "سارتر" هو الحرية ذاتها!
أعتبر غالبية الملحدين المسلمين في بادئ الأمر من حياتهم من أصحاب الفوضوية و العشوائية الفكرية و الأقرب إلي الحالة الوجودية فقد تركوا الإسلام لأسباب مختلفة كثيرة (نفسية / دنيوية / مادية ).و تعتبر تلك الحالة في الأغلب كرد فعل لتضرر النفسي و المعاناة المادية من التعاليم الإسلامية
بسبب التربية و النشأة الدينة و النفسية التي يشب عليها المسلم ، فهي (أي النشأة) تجعله يرتبط بـ "محمد" الرسول بشكل وجداني أقوى و أعمق عن ارتباطه بـ "الله" وجدانيا
عندما تتحول فجأة المكارم و الأخلاق (المحمدية) إلى موبقات و مفاسد ، فيسقط (محمد) الرسول في نظر المسلم و تسقط معه كل المنظومة الأخلاقية و ينهار وجود (الله) ذاته أمامه و يصبح المسلم عاري تماما أمام نفسه كإنسان وحيد مهجور في جزيرة موحشة وسط المحيط مع ذاته فقط
إذا أبتدأ المسلم بنبذ و رفض و إنكار فكرة وجود (الله) ذاته أساسا و لأي سبب ما (فلسفيً / نفسيُ / ماديً ) ، فسوف يرفض كل ما أتى به الإسلام جملةً و تفصيلا ويتبقى له فقط الحنين الوجداني المكتسب عنده منذ الصغر تجاه "محمد" الرسول و بعض تعاليمه و قيمه الخاصة!
في كلتا الحالتين السابقتين لا يستطيع الملحد المسلم أن ينتزع بسهولة كل مظاهر "البغض و الكراهية" تماما من قلبه و وجدانه تجاه "اليهود و النصارى" فقد تم اكتسابهما مع "لبن الأم" و سوف يستمر يعانى منهما و أشياء أخرى كثيرة أيضا في أغلب باقية حياته و يقوم في الوقت بإسقاط الأسباب التي قادته إلي الإلحاد على اليهودية و المسيحية أيضا!
يعيش الملحد المسلم في بداية إلحاده في صراع نفسي دائم و فوضوية و عشوائية فكرية لفترة طويلة لفقدانه بالتبعية لكل القيم والأخلاقيات الإسلامية التي أكتسبها طوال عمره و التي تُعتبر نفسها غالبا السبب المباشر له في إلحاده و في رفضه أي قيم أخلاقية أخرى (مسيحية /يهودية) لرفضه الوجداني لهما طوال فترة تدينه!
الحياة الثقافة الإسلامية لا يساعدان الملحد على استعادة توازنه النفسي مبكرا ، فهو يضطر كثيرا إلي "الكذب و النفاق" لتفادى إرهاب المتشددين و يضطر أيضا أن يمارس باقية الأخلاقيات المرفوضة لديه و بالتالي لا يستطيع الاستقرار نفسيا على أي قيم محددة قد يختارها هو لنفسه و يلزم نفسه بها في جو فاسد و موبوء لا مجال فيه لممارسة القيم الإنسانية الحقيقة!
بدون تواجد الظروف الملائمة ، يستمر الملحد المسلم في تلك الفوضوية الفكرية و لكنه في نفس الوقت يستطيع النجاح في عمله الخاص لكنه يفشل غالبا في أي عمل عام نهضوى (أحزاب / نقابات / وزارات / .. الخ) لما يتطلب ذلك من أيمان و اقتناع داخلي بكون تلك قيمة في حدد ذاتها ، لذا يُفقد الصبر و الاستمرارية في العمل العام على العكس من الجماعات الدينة الإسلامية التي تقوم بالتحديد المسبق لفكرها و قيمها و ثقافتها السلبية بكل حرية!
مع شكري و محبتي
#موريس_رمسيس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟