أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (12)















المزيد.....

المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (12)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)


الحوار المتمدن-العدد: 3893 - 2012 / 10 / 27 - 21:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


فيما لو جاز اختصار كل المعنى القائم وراء المعاناة الكبرى للأحداث التاريخية الهائلة التي يصنعها العالم العربي الآن، فأنها تقوم في مهمة تحويل زمن السلطة إلى تاريخ الدولة والأمة. مع ما يترتب عليه من إعادة تأسيس كبرى لكل مكوناتهما الجوهرية. الأمر الذي يجعل من هذه الثورة التاريخية مشروع المستقبل. من هنا أثرها الهائل بالنسبة لصيرورة الكينونة العربية الحديثة والمستقبلية.
فقد كشفت أحداث المواجهات الدرامية التي جرت على امتداد اشهر طويلة وما تزال عن طبيعة وقوة المخاض الصعب والمعقد في عالم تتعارض وتتصارع فيه القيم والمفاهيم والإمكانيات والنيات والغايات. لكنها تفرز مع كل ذلك قيمة ومعنى ومغزى الانقلاب التاريخي العربي بوصفه صفحة جديدة في تاريخنا الحديث. وكل ما فيها من حروف وعبارات مازالت في قيد المجهول بوصفها جزء من الاحتمال غير المتناهي للخيال القومي المبدع، أي خيال الفعل الاجتماعي والرؤية الاجتماعية والبدائل الاجتماعية الكبرى. من هنا صعود أولوية المكونات الديناميكية لمغامرة الزمن والتاريخ.
فالمرء لا يجد صعوبة في القول بان الزمن هو أسلوب وجود الأشياء والذاكرة والأحداث. أو أن يرفعه إلى مصاف الصيغة المجردة عن دوران الأرض والشمس وظهور القمر واختفاءه وتتالي الأيام والشهور والسنين، أو يختصره إلى مجرد وجدان عابر، أو يضيف إليه سرعة الضوء لكي يذلل مفارقة القِدَم والحدث ويجعلها معقولة بمقاييس الحساب والرياضيات. وتعكس هذه المحاولات التنوع الهائل في الموقف من الزمن، انطلاقا من تحسس الجميع بما فيه من قدرة غامضة هي محتوى القلق والاندهاش العميق الذي يثيره من خلال معضلات الفكر "الخالدة" وأسئلته المحيرة.
غير أن للزمن بعدا سياسيا مهما هو "زماننا نحن". وليس مصادفة أننا عادة ما نربط الأمور الكبرى، الرمزية منها والواقعية، بزمن يشكل بالنسبة للوعي الاجتماعي والتاريخي نقطة انطلاق ضرورية للحساب والتقييم. فالغالبية من البشر تستصعب إدراك حقيقة الفكرة خارج الزمن، لأنه التيار الذي يخترق وجودها اليومي. وتتجسد هذه المفارقة أحيانا بما ندعوه بالزمن الجميل والزمن القبيح. أما في الحقيقة فان الجميل والقبيح ليس إلا التعبير الخاص عن أذواق الأفراد والجماعات والأمم لما تراه وتعايشه من أحداث. ومن ثم ليس الجميل والقبيح في الزمن سوى ما نفعله ونتذوقه نحن. بينما الزمن هو تيار وجودنا ومرآة تاريخنا لا غير. ففي الإنسان نراه يتمظهر في مراحل الطفولة والصبا والفتوة والرجولة والشيخوخة والكهولة، وفي الرؤية التاريخية نراه في أزمان الماضي والحاضر والمستقبل، وفي العقل نراه في مقولات الممكن والواقع، وفي الأخلاق نراه في قيم الواجب والأفضل. وهي مكونات اقرب إلى البديهة بالمظهر، لكنها اشد تعقيدا بالنسبة للفكر حالما يضعها على محك الجدل، وأكثر إثارة حالما يضعها على محك المصير، وأوسع إلهاما حالما يضعها على محك البدائل. أما القوة الوحيدة القادرة على تذليل أو توليف هذه الجوانب، فهي الحكمة. أنها الوحيدة القادرة على اختزال الزمن إلى متعة حتى في أشد مظاهره "قبحا"، كما أنها الوحيدة القادرة على ربط الأزل بالأبد في الآن الدائم، و بالتالي إعطاء المهزومين والخاسرين والمرهقين إمكانية الخلاص من اليأس والقنوط.
وعندما نضع هذه الفكرة في موقفنا من "الزمن القبيح" في العالم العربي المعاصر فان "نقطته الأولى" تقوم في صعود وهيمنة البنية التقليدية على مقاليد "الدولة الحديثة" واستمرارها اللاحق بصعود الراديكاليات السياسية التي جعلت من السلطة قدس الروح والجسد! ومنذ ذلك الحين أصبح تحطيم مؤسسات الدولة والمجتمع أسلوبا لترسيخ الرذيلة، التي تجسدت تاريخيا في مختلف نماذج الدكتاتوريات الفجة للأفراد والعائلات والقبائل! أي في كل تلك النماذج المتخلفة والبدائية والخبيثة للبنية التقليدية التي نرى تساقطها السريع والمريع كما لو أنها لا شيء! وفي كل هذه الحالة الدرامية المثيرة للعقل والوجدان تتضح معالم سقوطها المخزي التي تجعل منها بمعايير الرؤية السياسية "عقودا مظلمة"، وبمعايير المستقبل "مرحلة ماضية" و"حقبة بائدة" وبمعايير الثقافة "همجية خالصة" وبمعايير الجمال "قبحا تاما" وبمعايير الأخلاق "رذيلة لا مثيل لها"، وبمعايير الزمن "شرّ الأزمان".
وإذا كانت المرحلة المعاصرة من "الزمن العربي" تدفع إلى الأمام إشكالية السياسة والأخلاق، فلأنه بلغ الذروة التي أطلق عليها ابن المقفع يوما تسمية "شر الأزمان"، أي التي يفسد فيه الراعي والرعية، أي السلطة والمجتمع. وما يتبعه من أزمان اقل فسادا لكنها فاسدة مثل "أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس". وذلك لأنه "لا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم". أو أن يكون "صلاح الناس وفساد الوالي". وذلك لان "لولاة الناس بدأ في الخير والشر ومكانا ليس لأحد. وقد عرفنا أن ألف رجل كلهم مفسد وأميرهم مصلح اقل فسادا من ألف رجل كلهم مصلح وأميرهم مفسد". بعبارة أخرى، إن قيمة السلطة ونموذجها العالي في السلوك هي الضمانة الأقوى بالنسبة للعدالة والحق. إذ تكشف التجارب التاريخية جميعا عن أن الأمير المفسد لحاله أكثر تخريبا من صلاح ألف رجل. وتجارب العالم العربي عموما تكشفت عن أن فساد "القائد" و"الزعيم" و"الرئيس" و"حامي الحرمين" و"الأمير" و"السلطان" لا يقومّه "صلاح" الملايين. وفي هذا تكمن شروط الوقوع في "شر الأزمان"، أي الزمن الذي "يجتمع فيه فساد الوالي والرعية". وهو الزمن الذي ساد العالم في مجرى العقود العشرة للقرن العشرين! لاسيما وأن فكرة الراعي والرعية تعكس من حيث صيغتها الأولية والبيانية صورة البداوة وتقاليد الرعاة. وبالتالي، فأنها تتضمن صورة العلاقة البدائية، مما يفقدها الآن قيمتها الأولية. مع أن مضمونها السياسي الأول كان يتطابق مع أبعادها الأخلاقية، أي أن حقيقة العبارة ومضمونها يرمزان إلى الأمانة والاهتمام والرفق، سواء جرى النظر إليهما بمعايير الملكية او المصلحة او المنفعة. وهي مهمة السلطة في تعاملها مع المجتمع بوصفه أمانة او وديعة كبرى. غير أن منطق التاريخ والحقيقة يفترضان تجاوز هذه الصورة البدائية عبر نقلها إلى مصاف الحرية كما هي. ومن ثم كسر علاقة الراعي بالرعية واستبدالها بعلاقة المجتمع بنفسه عبر مؤسساته الشرعية وجوهرية القانون والقواعد المتفق عليها.
لقد مر العالم العربي بالأزمنة الثلاثة الفاسدة وتذوق كل مرارتها المريرة! ذلك يعني انه لم يعش مرحلة "خيار الأزمان". مما يجعل من الحاضر والمستقبل قضية الرهان الفعلية. وبالتالي التعامل مع "خيار الأزمنة" على انه الخيار الوحيد الممكن والضروري بالنسبة للعالم العربي من اجل تجاوز ضعفه البنيوي الكبير منذ نشوء الدولة المعاصرة حتى الآن. ولا يمكن تجاوز هذا الضعف دون المرور بزمن "اجتماع الصلاح في الراعي والرعية"، أي في السلطة والمجتمع. وهو أمر نرى ملامحه القوية الآن في ذلك الاندفاع الهائل للروح الاجتماعي والوطني والقومي في تذليل زمن الفساد، وجعل السلطة والزمن تيارا واحدا في تاريخ الدولة والأمة. (يتبع...)
***



#ميثم_الجنابي (هاشتاغ)       Maythem_Al-janabi#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (11)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (10)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (9)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي(8)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (7)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (6)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (5)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (4)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (3)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (2)
- المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (1)
- أعلام المسلمين في روسيا (3)
- أعلام المسلمين في روسيا (2)
- أعلام المسلمين في روسيا
- الاستشراق والاستعراب الروسي (6-6)
- الاستشراق والاستعراب الروسي (5- 6)
- الاستشراق والاستعراب الروسي (4-6)
- الاستشراق والاستعراب الروسي (3-6)
- الاستشراق والاستعراب الروسي (2- 6)
- الاستشراق والاستعراب الروسي (1-6)


المزيد.....




- السعودية.. فيديو -لعب- تركي الفيصل على أغنية في ليلة خالد ال ...
- -بوابة العالم-.. هذا الميناء في المملكة المتحدة لا يزال مسكو ...
- ترامب يطرد مدير وكالة الأمن القومي ونائبه المسؤولين عن الاست ...
- ضيف غير متوقع.. بجعة بيضاء اللون تفاجئ مغامرًا لبنانيًا في ع ...
- المجلة : العالم يتذمر من ترامب؟
- المحافظ الأمريكي: -آفة حارتنا النسيان-
- الأمن الروسي: إحباط هجوم إرهابي في سكن طلاب كلية عسكرية بمقا ...
- من غرينلاند.. رئيسة وزراء الدنمارك لترامب: لن نرضخ للضغوط ال ...
- أطعمة تحتوي على نسبة عالية من الكوليسترول.. أيها نتجنب؟
- -تقويض استقرار سوريا- .. تبادل الاتهامات بين تركيا وإسرائيل ...


المزيد.....

- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (12)