أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله خليفة - موقف المتنبي (1-2)














المزيد.....

موقف المتنبي (1-2)


عبدالله خليفة

الحوار المتمدن-العدد: 3893 - 2012 / 10 / 27 - 11:17
المحور: الادب والفن
    


تكمن قيمةُ المتنبي الأدبيةِ في لغتهِ لا في موقفه، منذ البدء يتمحورُ حول ذاته، وتلغي الذاتُ كلَ ما هو خارجها، إلا إذا كان الخارج مفيدا لتلك الذات.
هذه الذاتية لم يصل اليها أحدٌ من الفئاتِ الوسطى العربية المنتجةِ الثقافة والصراع والكفاح، فقد كانت الفِرقُ قد تحولتْ لخدمٍ لدى الطبقةِ السائدة، وأي فرد مثقف يقوم بالخدمة لها يوازنُ بين مصلحتها أولا ومصلحته الفردية ثانيا.
إن الفئات الوسطى ماتتْ في عصره، كفئاتٍ قادرةٍ على خلقِ فعلٍ ثقافي فلسفي مستقل معبرٍ عن آفاق الحرية، لكن لم يحدثْ الانطفاء الكلي فمازال ثمة مثقفون ومبدعون أفراد متناثرون.
يعبرُ لفظُ المتنبي عن بدءِ الأزمةِ، والفاعلية، فهو نتاجُ قيامه بفعل النبوة، وإذ هو نتاجُ لنثارِ الحركاتِ الفوضويةِ المسلحة التي لم تقدمْ برنامجا تحويليا عميقا للحضارة العربية الإسلامية المتأزمة في هذا القرن، كالقرامطة، فهذا يعني أن عمقَ الفوضوية دخلتْ ذاته، حيث الطموح الهائل والمغامرة العنيفة القافزة على الظروف، وحيث مصلحة الحركة أو مصلحة الذات المتضخمة هي البؤرة، ومن هنا فالمخالفةُ الشرعيةُ هي مخالفةٌ نضاليةٌ كذلك، وهي كذلك رفضٌ للنضالية المحمدية النموذجية المؤسِّسة، التي لم تجعل الذاتَ بديلا عن الواقع، ولم تجعل الغاية العامة بوسيلة المغامرات، بل اكتنزتْ بفهمِ الواقع وعرفتْ سببيات تحوله، وخلقتْ القدرات التنظيمية والحركية لتجاوزه لأهدافٍ عامة تخصلا الأمةَ في تطورها التاريخي، وفي أجنتها القبلية السائدة في البدء. ولهذا فإن البيانَ لا يدورُ حول الذاتِ بل حول تغيير العالم.
وبهذا فإن نبوءةَ المتنبي تكشفُ عن بدءِ الخلل في رؤيته، ولهذا فإن ابا عبدالله معاذ بن إسماعيل اللاذقي في سنة نيف وعشرين وثلاثمائة للهجرة يروي عنه (أنا نبي مرسلٌ إلى هذه الأمة الضالة المُضلة، أملأ الدنيا عدلا كما مُلئت جورا، بإدرار الأرزاق والثواب العاجل لمن أطاع، وضرب الرقاب لمن عصى وأبى)، عن كتاب «في شعر أبي الطيب المتنبي بقلم خليل موسى».
فالمتنبي ليس لديه وعي بما يحولُ الواقعَ، بل يريدُ تملكَ الخزانة والسيف، وهي ذات العقلية الفردية المغامرة التي ملأت القرون هذه اضطرابا وتخلفا.
وفرديتُهُ الحادة نتاجُ التعالي وضخامة الثقافة غير الجدلية، الميتافيزيقية رؤية وأداة، وسط الأمية والجهل السائدين، وهي فرديةٌ تدفعهُ الى عدم إمكانية خلق أي علاقة ديمقراطية مع الناس، بل تسودُ فيها روحيةُ النبي الزائف المتعالي:
ما مقامي بأرضِ نَخلَةَ إلا كمُقام المسيح بين اليهودِ
أنا تِربُ الندى، وَرَبُ القوافي وَسِمَام العِدا، وغيظُ الحسودِ
أنا في أمةٍ تداركها اللَ هُ غريبٌ كصالح في ثمود
المشابهةُ مع الأنبياء هنا شكليةٌ زائفة، فاحتقارُ الجمهور لا يتواكب مع الفعل النضالي التحويلي، وتشبيه الناس بالكائنات الحيوانية المختلفة ورثاث الأشياء يؤكدُ المغامرةَ والبحث عن قفزةٍ للسلطة من دون أدواتها البشرية، وهو فعلٌ مغايرٌ للأنبياءِ ولكنه يستعيرُ هذه الأسماء ليجسد غربته، وعظمته في آنٍ واحد.
والكائنات الحيوانية ليست في العامة فقط بل حتى في المثقفين والشعراء خاصة:
لم تزلْ تسمَعُ المديح ولك نَّ صهيل الجياد غير النهيقِ
هذه العلاقة العدمية مع الشعب صانع التاريخ، تقود إلى تأكيد النماذج الارستقراطية البارزة في تاريخ هذا العصر التي من الممكن إقامة العلاقة معها، إذا كانت ندا، أو السخرية منها إذا كانت تملك سلطة ولكنها ليست ندا، والندية هنا لها صفات ارستقراطية عنصرية.
ولهذا فإن مدح سيف الدولة لكونه عربيا (شريفا حرا) وهو أمير يؤكد بطولته في الدفاع عن أرض العرب وملكه، واللغة الشعرية هنا تقترب من الملحمية، وتخرجُ من قوقعة الذات الكلية، لكون الأمير فارسا نموذجيا يعكس ذات المتنبي نفسه، أو يستخدمه كشكلٍ لتجسده هو.
كانت القصيدة الملحمية عسيرة الظهور لدى العرب ولم تظهر، هي النوع الأعلى، النوع الموضوعي المعبر عن كفاح شعب، أو مقاومة قبيلة، ومن هنا استمرت القصيدةُ الغنائيةُ في السيطرة على الشعر، فالذاتُ الفردية أقوى ولكنها ذات فردية منتشرة متدنية مداحة وباحثة عن مال.
وهذه الذات الفقيرة الباحثة عن رزق التي بدأ بها المتنبي نفسه مسيرته هي في أغلبها وضيعة، وبطبيعة الحال لا يمكن أن ينشىءَ المتنبي ملحمة وهو الأقدرُ من شعراء العربية، ولكن نظرته الفرديةَ المسيطرة تمنعه من رؤية الآخر، من رؤيةِ أحدٍ غير نفسه، والملحمة تعتمد على تصوير الآخرين وتمثل الأبطال. مثلما أن الملحمة تصوير عظمة شعب، ولكن في هذا الوعي لا يوجد شعب.
ولهذا فإن مقاربته مع سيف الدولة الحمداني هي مقاربة مشابهة، فلن نجد سيف الدولة كشخص، بل نجده كنمطٍ عام يتماثل معه المتنبي صانع تصويره.
ولهذا فإن الخلافات الشخصية بين هذه النخبة الحلبية هي ما تعجل بتركه هذا الموقع النضالي، والتوجه لمصر ومدح كافور، فموقعه الذي يريده هو العلو إلى الطبقة الارستقراطية الحاكمة لا أن يظل شاعرا في البلاط، وحين لا يتحقق ذلك يتجه لموقع آخر لعل فيه تلك الإمكانية.



#عبدالله_خليفة (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوعي الفكري عند ماوتسي تونغ (2-2)
- الوعي الفكري عند ماوتسي تونغ (1-2)
- الفرديةُ الحرةُ المفقودة
- المحور الإيراني - السوري يطحن بعنف
- الماوية وولاية الفقيهِ (2-2)
- الماويةُ وولايةُ الفقيهِ (1-2)
- قوى توحيديةٌ بين المعسكرين
- تجاوزُ التطرفِ المحافظ
- الأزماتُ والتحولاتُ
- التوحيدُ والتطورُ السياسي (2- 2)
- التوحيدُ والتطورُ السياسي
- سذاجةٌ سياسيةٌ
- البيروقراطية والديمقراطية
- انتهى زمنُ العمالِ الآليين
- كيف تلاشتْ النصوصُ الحكيمة؟
- صراعٌ طائفيٌّ متخلفٌ
- الإخوانُ والرأسمالية الحرة
- الطائفية وتدهور الثقافة
- صراعٌ طائفي إقليمي
- التطورُ الاقتصادي السياسي في الخليج


المزيد.....




- تعرفوا على كارلو أكوتيس.. أول قديس كاثوليكي بالجينز من جيل ا ...
- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله خليفة - موقف المتنبي (1-2)