أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وفا ربايعة - الذاكِرةُ الخامِسةُ للقهوة ..














المزيد.....

الذاكِرةُ الخامِسةُ للقهوة ..


وفا ربايعة

الحوار المتمدن-العدد: 3873 - 2012 / 10 / 7 - 03:37
المحور: الادب والفن
    



عندما تتشابهُ الوجوهُ والأشكالُ والأماكنُ، تبقى الذاكرةُ ، الحاضِرَ الوحيدَ الذي يظلُّ ثابتاً كأعمِدةِ الإنارةِ في شوارعِ المدينةِ القديمة، فقد تتغيُّرُ التفاصيلُ كثيراً، لكنَّ الحدثَ المجازيَّ واقتباساتِهِ، هوَ ما يركعُ تحتَ أقدامِ زمنٍ، كُلُّ دوائِرِهِ جُمَلٌ إعرابيّةٌ، اختلطَتْ أسماؤها بأفعالِها، حتى لم يبقَ مِنها سوى " الفِعلُ الجارِح " ..!
عامٌ مضى على آخرِ جلسةٍ شتائيّةٍ هُنا ، كُنتُ قدْ شَرِبتُ فيها شوارِعَ المدينةِ قطرةً قطرة، وتلمَّستُ – مِن خلفِ الزُجاجِ الداكِنِ – أجسادَ الفتياتِ المبتلّةِ أثناءَ انتظارِ حبيبٍ لا يأتِ، ولا يترُكُ خلفَهُ مُذَكِّرةَ توقيفٍ لوقتٍ يَضيعُ في تقديمِ مُبرِّراتِ تأخُّرِهْ . واستعدتُ أيضاً ، أحلاماً خُرافيّةَ الوعودِ ، وحتميّةَ الانتهاءِ كُلَّما اصطدمتْ بصخرةٍ ، تتوسطُ موجاً كثيفَ التلاطُم بواقِعٍ أخرَقْ ، كسَّرها ولم يترُكْ مِنها إلاّ فتاةً تنظُرُ إلى العالمِ مِن قبرٍ زُجاجيٍّ ، بانتظارِ لحظةِ الحساب .

ويحدُثُ أيضاً ، أنني أستعيدُ في هذا المقهى ، وقائعاً كُنتُ قدْ أخفَيتُها عنّي ، واستسلَمَتْ أخيراً لقَدَرٍ أظهَرَها ، ورتّبها على الورقِ أحداثاً ، تكادُ تكونُ سماوِيّةً أو غيميّةً تُشبِهُني ، وها أنذا ، أُنكِرُ وِحدَةَ الروحِ والحِكايةِ والدَمعْ ، ذاكَ أنني اليومَ لا أمتلِكُ في جُعبتي حكايةً ، تحتلُّ فُلولَ مشاعِري ، أو تزرَعُ السُكَّرَ في وَرَقي ، كُلَّما ماتتْ القهوةُ لحظةَ تأمُّلي لشارعٍ يقتُلُ الألوانَ والأرواحَ . أبتسِمُ لحظةَ اندلاقِ القهوةِ على الطاوِلةِ والوَرقْ ، فهذهِ المرّةُ الأولى مُنذُ سنواتٍ بعيدة ، التي أستخدِمُ فيها الورقَ للكتابةِ ، وفي لحظةٍ ما .. تنبَّهَ عاملٌ في المقهى إلى علاماتِ الانزعاجِ التي ترتدي معالِمي ، فغيَّرَ – وهوَ يتطلَّعُ باتجاهي – المنحى الكُليَّ الموسيقيَّ في المقهى ، واستَرَقَ لِسَمعي " إنّي خيّرتُكِ فاختاري " كي تتحسَّنَ وتيرةُ الصخبِ المُنبعِثِ مِنْ نظراتي ،وأعودَ بنهمٍ لمزاجيَ المنزوي في تلكَ الزاويةِ البعيدةِ في المقهى ، فأدركتُ أنني أصبحتُ وجهاً مألوفاً لديهِ مِنَ المرّةِ الماضية .

اليومَ بالذاتْ ، أشعرُ أنَّ لخيبتي المُعتادةِ طَعماً مُختلِفاً ، ونكهةً تكوَّنتْ بِفِعلِ تفاعُلٍ شُعوريٍّ بينَ القهوةِ ورمادِ السجائِرِ وأنينِ الورقِ والحبر ، خيبةٌ تتنبَّأُ بأنني – كـ كُلِّ الأحياءِ – أُمارِسُ الحُلمَ والرغبةَ في الحياةِ والابتسامَ لطفلةٍ تمُرُّ مِن أمامي مُلوِّحةً بيديّها لي ، حامِلةً جُزءاً مِنْ برائتي التي أبحثُ عنها في وُجوهِ الأطفالْ .
أنا لستُ أنا أو هيَ اليوم ..!!

فحينَ تشترِكُ الأشياءُ وتتحِدَ كي تنبُذَ وُجوديَ ، واحتلاليَ رُكناً مُهمّاً مِنْ أركانِ لفتِ انتباهِ الجالسينَ في هذهِ البُقعةِ مِنَ الكونِ الفسيحْ ، هذا الكونُ الذي يَضيقُ في عيني يوماً بعدَ يوم، أتطلَّعُ إلى النجاةِ بلحمي وبوَرقي ، مِن آفةِ الفُضولِ باتجاهِ الطرفِ الآخرِ مِن الحياة ، نحوَ الشارعِ الخالي مِن معالِمِ الحياةِ في أبسطِ تحوّلاتِهْ ، ولا أفلِحُ إلاّ بكوني عالقةً بينَ جوفي وحَلقي ، أُخرِجُ أنفاساً شِبهَ مكتومةً ، تورِقُ وتومئُ بأنني مازِلتُ شِبهَ طبيعيّة .
أخرجُ بحقيقةٍ على حينِ غرّة ، بأنَّ كُلَّ الأشياءِ مِنْ حَولِنا ، مشترواتٌ تُباعُ بأثمانٍ مُتفاوِتة ، وبضائِعٌ مُستورَدةٌ كالورقِ والقهوةِ والسجائِرِ والأكوابِ والفناجينِ والزُجاجِ والستائِرِ والمياهِ المعدنيّةِ والملاعِقِ والسكاكينِ والصُحونِ والفواكِهَ المُجفَّفةِ ونادلي المقهى وزوّراهِ أيضاً . أعترِفُ – كما اعترفتْ صديقةٌ لي مُنذُ قليلْ – بأنني كُنتُ إحدى هذهِ الأشياء ، ولكنني مُنذُ مُدّةٍ ، استعدتُ حُريّتي ، واستطعتُ ببراءةٍ إزالةَ اسمي من قوائمِ الضريبةِ ، وفواتيرِ المحلاتِ التجاريّة ، لذا .. فأنا اليوم أجمل وأجمل !

أركنُ ظهرَ دمعي للغيم ، فالجوُّ المبتلُّ كَـ وَرقي ، يحكي كَم كُنتُ مُتوَحِّدةَ القلبِ والشكلِ والكلماتِ والقصائدْ ، وباحثةً عن جِداريّةٍ أكبرَ ، كي أصُبَّ عليها مَجمَعَ ألوانيَ المُزرقّةِ وأصباغي ، مُحاوِلةً رسمَ ما تخُطّهُ الضرورةُ الشِعريّةُ في مُخيّلتي ، وتصويرَ ما تقتضيهِ رمزيّتي في إخفاءِ ما أوَدُّ البوحَ بهِ أمامَ المارّةِ والقُرّاءِ والفضوليين .
أُكرِّرُ : أنا لستُ أنا أو هيَ اليومْ ، فأنا الابتلالُ والجفافُ والوحدةُ والاجتماعُ والجوعُ والاكتفاءُ مِن كُلِّ ما هوَ مرئيٌّ ومُتدلٍّ أماميَ دُمىً ورقيّةً يُتلِفُها المطرُ الآتي بعدَ قليل .

أُنصِتُ الآن لِــ " حُبّ ، سفَر ، وضياع " مقطوعتي الموسيقيّةَ المُفضّلةَ ، مُذ خلقَ اللهُ أوَّلَ وتَرٍ يبكي ، وأوَّلَ عُصفورٍ أنشدَ في السماء ، فالحُبُّ والسفرُ والضياع ، أصغرُ قِصّةٍ كُتِبتْ بصورةِ ألحانٍ حزينة ، حِكايةٌ تضُمُّ ملايينَ الفُصولِ المُختزَلةِ بكلماتٍ ثلاث . يا الله .. كَم هي قاتِمةٌ اختياراتي ..! فالاختياراتُ تعكِسُ عشقيَ الأزليَّ والأبديَّ للرمزيّةِ ، فالرمزيّةُ لديَّ مَذهبٌ أدبيٌّ وشُعوريٌّ ، وقانونٌ سماويٌّ ترضَخُ لهُ كُلُّ جوارحي راضيةً ، ويعكِسُ كُلَّ انتماءاتي وأفكاري ومُعتقداتي وردودَ أفعالي ، وحتى دموعي ونمطيّةَ ابتسامتي ، فأنا أُخفي معانٍ باطنيةٍ خلفَ ما يظهَرُ أو تكَشَّفُ مِنّي ، ومعَ أنني أحمِلُ اليومَ كُلَّ الكونِ في رأسي ، أعتَرِفُ – بلا مناسبةٍ تُذكَرْ – حُبيَّ المُمتدِّ كالغيمِ المُقطَّنِ لِـــ نزار قبّاني ، نزارُ الذي رافقني في وِحدتي بالأمس ، وشاركني الحُلمَ بالأمس ، وهاهوَ اليومَ يتقمَّصُ شكلَ الجوِّ والمكانَ والزمانَ والسماءَ والانقلابَ بينَ الصيفِ والخريف ، وثورةَ الأرضِ على الشجرِ ، والحربَ المُستديمةَ بينَ البشرْ .!
أُنهي جلستي بفنجانِ قهوةٍ خامِسْ ، أُدوِّنُ مَحضَرَ اجتماعي هُنا ، وأُوثِّقُهُ ، بعنوان : " الذاكِرةُ الخامِسةُ للقهوة " .
وأمضي نحوَ اللاشيءِ واللامكانِ واللارائحةِ .. واللاأنا ..!!

فصلُ الخوفْ / وفا ربايعة



#وفا_ربايعة (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قد العيون السوود .. بحبك !!
- سيرةٌ غيابيّةٌ .. مُختَصَرة !!
- - لمّا عالباب يا حبيبي بنتوَدَّع - ___!!
- خمسُ رسائلَ لسنابلِ الضياء ____!!
- عندما نُبعَثُ من يديّنِ من سراب ..
- ثلاثونَ ساعةَ موتٍ على قيدِ الحياة ..!
- إطارٌ أخيرٌ .. ولا صُوَر ..!
- محاولةُ انتحار رقم (1) ..
- سالعَنُ حيفا ..!!
- لا تعتذر ابداً للعابرين !!
- أنا .. وأنتَ .. وحنّا السكران !
- أعِدْ لقيثارتي لحنَ السلام !!
- أحكي لغيمِكَ : عُدّ .... وأنتَ لا تأتي !!!!
- بوحٌ قاصر !!!
- قبلةٌ لعينينِ من ما !!!
- غواية !!!!
- سقطَ القِناع .. عن القناع نصٌّ مُعتَرض - ليسَ للحذف -
- ذاكرةُ الماءِ المنسيّة ...
- بعضٌ من بقاياه !!
- هاربةً من نسيان .


المزيد.....




- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وفا ربايعة - الذاكِرةُ الخامِسةُ للقهوة ..