أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين لمقدم - قصة قصيرة: طريق جرادة














المزيد.....

قصة قصيرة: طريق جرادة


ياسين لمقدم

الحوار المتمدن-العدد: 3847 - 2012 / 9 / 11 - 07:44
المحور: الادب والفن
    


تنطلق بهم المركبة البيضاء في اتجاه الجنوب والشمس لما تزل بعد تتمخض شفقا وراء الهضبة الشرقية لولي الله سيدي محمد الصالح، هم ستة والسابع سائق سيارة الأجرة. كل له غرضه الذي يقطع إليه مسافة تصل إلى الخمسين كيلومترا في نهاية كل أسبوع حيث ينعقد السوق الكبير لمدينة جرادة. لا يزال أثر السهاد يطبع محاجر بعضهم بزرقة داكنة واحمرار في بياض العيون. عالج السائق جهاز الراديو بعصبية بعد أن صار البث متقطعا، ثم اكتفى بإطفائه ليغوص الجميع في صمت مكتفين بالتثاؤب وتعقب المناظر الرمادية المجذبة على امتداد البصر.
الرجل المسن الذي يجلس جنب السائق، منذ أكثر من عقد من الزمن ينتقل بانتظام صباح كل الآحاد إلى مدينة الفحم حيث يلتقي بزملاء المنجم في مقهاهم المعتاد، حيث سيكررون نفس الأحاديث عن ذكريات العمل وعن الخيانة التي تعرضوا لها ممن انتدبوهم للدفاع عن مصالحهم حينما قررت الشركة توقيف العمل وتسريح الآلاف من العمال. ثم يترحمون على من رحل منهم ومن لا يزال جثمانه حبيس الإنهيارات. يتذكر دهاليز المناجم وعتماتها حيث كانت تعتمل في دواخيلهم أحاسيس الرهبة من التهدمات الصخرية والتوجس من أطياف غريبة لا يتبينون تقاسيمها وهي تمرق بسرعة بينهم تعبق بروائح الموت المنتنة، ويصدر عنها شواظ لافح . الطريق أمامه آخذة في الإلتواء فتتداعى إليه صور الماضي الغبشية، تنأى به إلى الزمن المثخن بسواد الفحم في ظلمات بطن الأرض التي لفظت قسرا العديد من الرفاق بكسح دائم. تذكر تقاسمهم للطعام والإدام، إحتجاجاتهم للرفع من الأجور، كرعهم للقناني الرديئة في عطلهم الأسبوعية بصحبة ناعمة. يحمد الله في دواخله على النجاة ولو باعتلال صدري يزيد حرجا مع الأيام.
وإلى يمين العجوز يجلس بائع الملابس المستعملة وقد بعث بسلعته في الليلة الفائتة مع معاونه. يتنقل بين جميع أسواق الناحية ويتحسر دائما على الأيام الذهبية لمدينة جرادة حيث كان يكتفي بسوقها لبيع كل بضاعته إلى العمال. ويعتبره معارفه ذو حظ كبير إذ كان الناجي الوحيد من إنقلاب الزورق الذي دافع الموج العاتي في رحلتهم الشتائية نحو الجنوب الأروبي. انطلقوا والريح رخاء ولكن شاء اليم ما لا يشاؤون ، ولقد صارع الغرق والبرد إلى أن انتشلته يد رحيمة لن ينسى أبدا قوتها وحميميتها. ولم يكن ليطيق القهر في خيام السخرة بالإليخيدو فقرر العودة مكابرا. ومن ورائه يجلس الشاب الذي وضع في صندوق السيارة عدته لخلع وتركيب الأسنان. هو أيضا يرتحل على مدار الأسبوع بين الأسواق. وفي الماضي ولما كان يتعذر عليه الرجوع إلى مدينته خلال الليالي الشتوية الطويلة الماطرة يضطره الحال إلى المبيت بالفنادق الوضيعة، حيث يتقاسم العشرات غرفة فراشها الحصير مع القرادين والحواة. وكلما تزحزح في جلوسه ليداري خذرا برجله لضيق السيارة فاحت من أعطافه رائحة الديوكسيد والتي تجعل الرجل الأصلع إلى يساره يتحسس بلسانه ما تبقى من أضراسه المنخورة. وهو يرتحل إلى وجهته لشراء بعض من لحم الضأن والحوايا المعروفة بجودتها في هذه المدينة المحاطة بالجبال حيث المراعي العشبية. وأما الخمسيني الأنيق الذي يجلس وراء السائق ويكد في الحفاظ على تصفيفة شعره، فلمقصده طعم الغواية. تزحزحوا جميعا في أماكنهم دافعين عنهم الخمول والهواجس بعد أن لاحت لهم الجبال السوداء في أفق المدينة. ولما دخلوها توادعوا بنظرات صامتة إلى لقاء متجدد.
----------------------------------------------
*جرادة : مدينة منجمية بشرق المغرب



#ياسين_لمقدم (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: التيه
- قصة قصيرة عيساوة


المزيد.....




- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ياسين لمقدم - قصة قصيرة: طريق جرادة