حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 3836 - 2012 / 8 / 31 - 11:46
المحور:
الادب والفن
تذكرت النساء اللائي عند المضخة تلك الحادثة أياماً . و إذا كنّ قد اختلفن في هذا التفصيل أو ذاك ، إلا أنهن اتفقن عموماً على أن السيدة جونسون كانت ترتدي فستاناً أنيقاً من الحرير الأسود ، مع شال بحافة حريرية حول كتفيها . أما قبعتها ، فقد كانت من ذلك النوع المزود بحاشية عريضة رهيفة تخفق قليلاً صعوداً و نزولاً أثناء مشيتها ، مع ريشة طويلة واحدة . في حين لم يبذل أحد منهم كبير جهد في خضم مجريات الحياة اليومية لتذكر الأحداث التي وقعت بعدئذ ، إلا أن أوليفر عاد أخيراً إلى بيته في الخريف ، و لكن ليس على متن السفينة فيا . نعم ، لقد عاد حقاً بعد أن تحول إلى محض عجينة ، أو شبه جثة ؛ لقد عاد رجلاً مقعداً .
أما ما حصل له فهو يشبه هذا : فلو سقطتَ من أعلى حبال أشرعة السفينة ، فتهشمت عظام حوضك ، فقد تكتب لك الحياة ؛ إلا أن تلك الحادثة ستبقى بلا ريب مطبوعة في ذاكرتك . أما أوليفر ، فعلى الرغم من انسحاقه تحت أحد براميل زيت الحوت - الذي كسر له عظم الحوض و الفخذ و شوّه ساقه - فقد بقي على قيد الحياة . ثم رقد في مصح بأحد الموانئ الايطالية الصغيرة . و من المؤكد انه لم يحصل هناك على العناية الطبية اللازمة . و هكذا ، فقد استلزم الأمر بتر ساقه ، و لم يستطع العودة إلى بيته إلا بعد سبع شهور طوال .
أما فتاته پيترا، فقد أبقت رأسها مرفوعاً ، و أظهرت جَلَداً حقيقياً حيال تلك النكبة النكراء . لقد كانت فتاة عادية تماماً ، إلا أنها امتلكت أيضاً خصالها الحميدة ، و ليس هناك أدنى شك في هذا .
يأتي "ماتيس" - الذي كان يشتغل صانعاً عند نجّار و أصبح الآن عاملاً ماهراً ؛ ماتيس ذو الأنف الكبير- يأتي إلى پيترا ، و يقول :"إنها كارثة فضيعة !"
"أي كارثة تعني ؟"
"أعني عودة أوليفر و هو على هذه الحال ؛ ألم تسمعي ؟"
فتجيبه پيترا باستنكار مخلص :" لقد سمعت بلا ريب ، ألم يبعث إليَّ بالرسالة تلو الأخرى عن ذلك ؟"
"إنه معاق ،" يقول ماتيس .
"نعم ."
"و هو الآن غير قادر حتى على إعالة نفسه ، ناهيك عن سواه ، فما الذي سيحدث الآن ؟"
"ليست بك حاجة إلى إشغال نفسك بذلك !" ترد عليه بجفاء .
و لم تظهر پيترا أي أسى ، و لا أي رثاء للنفس ، و لعلها لم تشعر حتى بأي إشفاق . " مرحباً بك في البيت !" قالت له .
التزم أوليفر جانب الصمت ، غير أن أمه أجابت : " حسنٌ ، بمستطاعك الآن أن تشهدي الحالة التي عاد بها إلى البيت ."
"أوه ، لقد حصلتَ على ساق خشبية ، " قالت پيترا .
حدق أوليفر بالحائط و هو يجيب :" فعلا ."
"و على عكاز أيضاً ،" أضافت أمه .
"إنها ستعينني في البدء فيما أنا لم أزل ضعيفاً ."
"أتؤلمك ؟" سالت پيترا .
"لا ، و حياتك ."
"حسنٌ ، تلك نعمة على أية حال ،" قالت پيترا و هي تنهض مغادرة . " لقد خطر لي أن أزوركم زيارة خاطفة ."
و هكذا فلم يستطع إعطائها الهديتين اللتين جلبهما إليها ، و هما ملاك أبيض و صينية صغيرة من الخشب المطعّم . لِمَ هي على هذا النحو من الجفاف و الصرامة ؟ من المؤكد أنها تعرف باعتياده على جلب شيء ما لها كلما عاد من البلاد البعيدة ، و هو لم ينسها هذه المرة . صحيح أن الساق الخشبية قد ولدت لديها انطباعاً بالغ السوء - مثلما هو متوقع فعلاً - و لكنها بدت جافة و باردة . هل كانت پيترا باردة ؟ لا ، البتة . أما ماتيس ، فقد راح يقول لكل من يريد سماعه :" مسكينة پيترا ، إنني لا أرغب أبداً في أن أكون معها على سرج واحد ، خصوصاً لأنها من صنف الفتيات السريعات الغضب – لا ، شكراً !"
ثم وجب على أوليفر التفكير في عمل شيء ما . فما دام هناك طعام في البيت فان باستطاعته تناول وجباته ، و استعادة عافيته و قوة صدره و صحته التي كان يزهو بها يوماً . و لكن إذا لم يعد باستطاعة أمه السحب من أجوره ، فستتضاءل عندئذ تجهيزات الدقيق و السمك و اللحم . و لعله ما زال قادراً على تعلم صنعة ما ، فهو قادر على أن يصبح صانع ساعات ، أو خياطاً ؛ أو دخول الكلية ليصبح معلماً . غير أن كل تلك المهن تليق بالنساء ، و لا تتناسب مع ساعديه القويتين . و من أين ستأكل أمه في فترة إعادة التأهيل ؟ و كان البحر ، فضلاً عن ذلك ، هو ميدانه الحقيقي ، و ليس أي مكان آخر .
لم يكن قد اعتاد عجزه المفاجئ و هو لما يزل في أوج شبابه . كان يمضي أغلب الوقت جالساً بهدوء ؛ و يستخدم يديه للمراوحة من كرسي إلى آخر إذا ما أراد التحرك في الغرفة . و انشغل بالتفكير في تدبير سبيل جديد لكسب العيش – و ذلك انشغال غريب لرجل ولد ليكون بحّاراً . أحياناً ، كان وضعه الغريب هذا يكبح جماح خياله عن التحليق عالياً ؛ فهو الآن رجل مشوه ليس غير - رجل مقعد . و لعل من الأفضل له - كحَلٍّ مؤقت - أن يحصل على قارب يصيد فيه الأسماك لمخزن التعليب . لقد أصيب إصابة بالغة ، وعانى جسده عطباً حقيقياً لا سبيل إلى إصلاحه . و بعد أن أصيب ساقه بداء الأكال ، ثم بتر أخيراً ، فقد قيض له النجاة من عقابيل الداء ، و استقر مع بقية من جسد ، مع معادل من القوة المحضة .
و لم يكن صيد السمك عملاً رائعاً : فقد هجم الصقيع ، و غلف الجليد مياه الخليج تماماً . و لم يستطع حتى قارب البريد إبقاء قناة المياه مفتوحة ، بل كان عليه كسح مجراه خلال الجليد . و كان بمستطاع أوليفر أن يحذو حذو غيره من الصيادين ، فيحفر ثقبا في الجليد يصطاد منه واقفاً كما لو كان على الشاطئ - و هو ما قام به بالفعل السماك يورگن و العجوز "مارتن" الذي يسكن المرج أيضاً . غير أن أوليفر كان سماكاً مستجداً يعوزه الاستعداد للجوء إلى مثل تلك التدابير المتطرفة . كما و ينبغي فوق ذلك أن يتولد الانطباع لدى الناس بأن أوليفر كان يصطاد السمك لا بدافع الحاجة ، و إنما بدافع اللهو ، و تزجية للوقت !
حلت أيام مقيتة ، و كانت أعياد الميلاد كالحة فعلاً . و لكن تغيراً في الجو جاء مع حلول السنة الجديدة ، فهبت العواصف على البحر ، و تكسّر الجليد في الخليج . و يوماً تلو اليوم ، جذف أوليفر قاربه لاصطياد السمك ، و راح يبقى في البحر أطول فأطول ، و يواصل أحياناً الصيد حتى ساعة متأخرة من المساء ، ثم يعود إلى البيت محملاً بالأسماك . كلا ، لم يكن أوليفر يصطاد بدافع الحاجة ! و تقول له أمه عرضاً : " تعال و فكر في هذا الأمر : لقد سألوني في بيت جونسون العجوز عمّا إذا كنت تستطيع تجهيزهم بكمية من السمك . "
" أنا ؟ " يرد أوليفر ، " لقد سألوك ، أليس كذالك ؟ حسنٌ ، إنني لا أصطاد السمك للناس الآخرين ."
"أجل ، بلا ريب ؛ لقد كان ذلك هو رأيي أيضاً ، " وافقته أمه و هي تترك الموضوع .
أوه ، أبداً: و كأن بمستطاع جونسون العظيم صاحب المرفأ أن يصطاد السمك الذي يحتاج إليه بنفسه . تعود أخيراً إلى طرق الموضوع قائلة : " آه ، حسنٌ ؛ و لكنهم وعدوني بدفع سعر جيد ."
صمْت . يعصر أوليفر الفكر في ذهنه جيداً ، ثم يقول: " إن باستطاعة جونسون العجوز أن يسدد لي أولا التعويض الذي أستحق عن ساقي ."
في ذلك الوقت ، لم يكن ممكناً مشاهدة پيترا إلا نادراً . زارتهم زيارة خاطفة مرة أو مرتين ، و استلمت هديتها ، و تحدثت في مختلف الموضوعات ، ثم غادرت . و كانت ما تزال تضع الخاتم في إصبعها ، و لم تشر أي إشارة إلى رغبتها في فسخ الخطوبة ، البتة . إلا أن المخاوف كانت تغلي في أعماق أوليفر ؛ فهو لم يعد ذلك العريس الممتاز على وفق كل الاعتبارات . إنه الآن نصف رجل : شخص غريب الهيأة لا يملك شروى نقير؛ و حتى ملابسه أصابها البلى . و أنت تدري أن أوليفر - مثله مثل الآخرين - كان خالي البال أيام اشتغاله بحاراً ، و لم يدخر إلا قدراً ضئيلا من النقود . و الشيء الوحيد الذي عمله لتطمين مستقبله – و هو ما كان مصدر فخر له قبل نكبته ، و إن لم يعد بتلك الأهمية الآن – هو إقامته لذلك المشتمل في بيته : تينك الغرفتين الجديدتين على الجانب الآخر من الممر . و الله وحده يعلم ما إذا كانت تلك"التحفة" ستفيده شيئا الآن . و بدا أن الشتاء ، الذي اتلف أعصابه واستنزف قوته ، لن ينصرم أبداً.
و في أحد أيام الآحاد ، زارتهم پيترا مظهرة وداً غير معهود . " لقد رأيت أمك خارجة إلى المدينة ،" قالت محدثة أوليفر ، " ففكرت في المجيء لرؤيتك ."
إنثالت الظنون على رأس أوليفر . لقد بدت فتاة لطيفة على غير عادتها .
" يا لك من مسكين يا أوليفر ! " قالت ذلك برقة و هي تشير من طرف خفي إلى نكبتهما .
"نعم ، " وافقها أوليفر.
"أظن أن ذلك هو قدرنا ،" تمتمت بحسرة .
وقفة.
"حسنٌ ، و ما هو رأيك ؟"
"الرأي هو رأيك ."
و استسلم حالاً بسبب كبرياء قديمة بقيت نابضة فيه ، و لإدراكه الداخلي مدى بشاعة مصيبته . لقد بات من المستحيل عليه إبقاء عينيه مغمضتين على حقيقة وضع الأشياء .
وتناقشنا في ذلك الموضوع معاً . و على الرغم من أنها حرصت على استخدام العبارات الرقيقة ، فإن مرادها كان واضحاً .
"إنني لا استغرب ذلك منك ، " قال و هو يحدق إلى الأرض .
و عندما حان موعد مغادرتها , كانت تعلم أن أسوأ شيء ما زال أمامها . ابتعدت حتى الباب ، ثم استدارت و توجهت نحوه مباشرة ، و ربتت على خديه ، و رفعت رأسه و هي تقول :" و الآن فانك لن تربكنا نحن الاثنين بالرفض . لقد فكرت بالموضوع . انك لست وحدك الآن ، فلديك أمك أيضاً ، و الأمور ليست يسيرة تماما عليك . "
نظر إليها وهو غير مستوعب كلامها لأنهما كانا قد ناقشا تلك المسالة قبل قليل ، و لم تكن لديه الرغبة في إعادة بحثها مجدداً ."إنني اعرف ذلك ، " قال .
"و بدون ساقيك أو أي شيء - "
"إنني أعرف ذلك أيضاً !" قاطعها مهتاجاً .
"لا ، لا يجدر بك أن تأخذ الأمر على هذا النحو ، يا أوليفر ، " قالت ملاطفة إياه . و لكنها ما لبث أن عبست عندما شاهدته يوشك أن يقاطعها ثانية ، فانتقلت إلى الموضوع الذي تريد الإفضاء به إليه :" إن ما ستقوله لن يغير شيئاً ، و الأمور لم تعد بتلك السهولة عليك الآن ، مع أنها يمكن أن تتحسن مستقبلاً . أنظر ، إنني سأضعه هنا ، و سيكون بوسعك الاستفادة منه . و لن يغير ما تقوله من الأمر شيئاً . سأضعه على المنضدة هنا ، و هو ثقيل و ثمين ، وأنا على ثقة بأن كثيراً من الناس سيرغبون في ابتياعه ."
"ما هو؟ أوه ، الخاتم . ضعيه هنا ، "أجابها ، و هو ينكس رأسه .
لقد كان بمقدورها أن تجنب نفسها عناء اللف والدوران ، فلم يكن لديه الآن أي اعتراض على استعادة خاتمه - فهو يساوي شيئا في الأقل . و بعد أن غادرته پيترا ، تناول الخاتم ، و وضعه على المفصل الأول من سبابته ليشهد أثره .
و لكنه الآن مأخوذ بالمشاعر المتضاربة . هل يبيع الخاتم و يحوله إلى نقد ؟ أبداً.
إن قذفه على أمواج البحر أفضل . كما أن بمستطاعه إبقاءه تذكاراً طوال حياته ، و بمستطاعه أيضاً إخراجه في أيام الآحاد للتفرج عليه ؛ و ما بقي من العمر قصير..
بعد تلك المقابلة ، لم يعد أوليفر يواظب على صيد السمك كل يوم . ليس كل يوم .
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟