|
لويس السادس عشر يُبْعَثُ عربياً!
جواد البشيتي
الحوار المتمدن-العدد: 3728 - 2012 / 5 / 15 - 11:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الظاهرة اتَّسَعَت وشاعت في "الأوطان" التي انبثقت من تمزُّق، أو تمزيق، "الوطن العربي (القومي) الكبير"؛ وفيها يكمن، على ما أحسب، الفساد في أسوأ صوره وأشكاله.
إنَّها ظاهرة "أنْ تبيع ما لا تملك، وأنْ يملك الآخر، من ثمَّ، ما لا يشتري"؛ وهذه الظاهرة إنَّما هي خير دليلٍ على انتقال "الدولة"، في عالمنا العربي، وإنْ ليس من الوجهة القانونية، من شكل المِلْكِيَّة العامة (النَّظرية، القانونية، الشكلية) إلى شكل الِملْكِيَّة الخاصَّة والشخصية (فعلياً، وعملياً، وواقعياً).
وهي، إنْ أرَدْنا لها تسميةً، ظاهرة "أنا الدولة (بما تملك باسم الأُمَّة) والدولة أنا"؛ وكأنَّ المرحوم لويس السادس عشر (مع المرحومة زوجته ماري أنطوانيت) ما زال حيَّاً يُرْزَق في بلاد العرب!
يُقال، في "القصائد الرسمية"، "الوطن للجميع"، أيْ لجميع أبنائه؛ ومع أنَّ "اللام"، في عبارة "الوطن للجميع"، تفيد معنى "المِلْك"، فإنَّ غالبية أبناء الوطن لا يَمْلِكون شيئاً في الوطن (الذي يُحِبُّون ويَعْشقون).
وفي الوطن، نرى من "المِلْكِيَّة" أشكالها الآتية: "المِلْكِيَّة الخاصة (أو الشخصية)"، كمِلْكِيَّة مصنع أو أرض أو منزل، و"المِلْكِيَّة العامَّة"، أيْ كل ما تملكه "الدولة" باسم الأُمَّة، وفي مقدَّمه معظم إقليم الدولة، أو ما يسمَّى "أراضي الدولة"، و"المِلْكِيَّة الخاصة (أو الشخصية)" التي تعود إلى أجانب، و"مِلْكِيَّة العامِل (وأشباهه) لسلعة مخصوصة هي قوَّة العمل"؛ ومالكو هذه السلعة (التي بملكيتهم لها إنَّما يؤكِّدون أنَّهم لا يملكون شيئاً في الوطن، ومن الوطن) هم غالبية أبناء المجتمع؛ ولَمَّا "تطرَّف" ماركس في فَهْم الصِّلة بين مِلْكِيَّة هذه السلعة (فقط) ومِلْكِيَّة الوطن، قال: "ليس للعمَّال وطن؛ فلا يمكنكم، من ثمَّ، سَلْبهم ما لا يملكون".
ليس من "رأسمالية خالصة"؛ فإنَّ "الدولة"، وباسم الأُمَّة، تملك الجزء الأكبر من إقليم الدولة، من تراب هذا الإقليم، ومياهه، وجوفه.
وفي بلادنا، تُعَامَل "المِلْكِيَّة العامَّة" على أنَّها "تَمَلُّك لأشياء لا تخصُّ أحداً (من المواطنين العاديين)"؛ ومع انتفاء الحياة الديمقراطية، وتَشَوُّه أُسُس العلاقة بين "الحاكِم" و"المحكوم"، وفُقْدان الحكومات لصفتها التمثيلية، يشتدُّ المَيْل لدى القابضين على السُّلْطة (الفعلية) في البلاد، وبحجومهم وأوزانهم المختلفة، إلى معامَلة "المِلْكِيَّة العامَّة" على أنَّها "مِلْكِيَّة يمكن، ويجب، أنْ تؤول إليهم"، ولو من الوجهة الفعلية والعملية والواقعية (فأيلولتها إليهم قانونياً تضرُّهم ولا تَنْفَعُهم؛ لأنَّها تغدو سرقة سافرة لمالٍ عام).
مَنْ يملك السُّلْطة (الفعلية) ويَسْتبد بها أصبح، ويصبح، مالِكاً من طريق السرقة (المستترة أو السافرة) للعام من الأموال والعقارات والمنشآت.
وهذا "المالك الجديد"، "الفعلي"؛ لكن "غير القانوني"، هو الأصل في تلك الظاهرة؛ فهو، وبما يملك من سلطة فعلية، وبما لا يملكه الشعب من سُلْطة فعلية عليه كسلطة المساءلة والمحاسبة، يتصرَّف في الممتلكات العامَّة تَصَرُّف المالك الشخصي لها؛ فـ "يبيع ما لا يملك (من الوجهة القانونية)"؛ و"البيع" لا يكون دائماً بمعناه الحقيقي الحرفي؛ فهذا المالِك يمنح ويهب ويعطي..؛ لكن ليس لوجه الله تعالى؛ أمَّا ذاك الذي "أخذ"، وقد يكون أجنبياً، فيُكْمِل "الظاهرة نفسها"؛ لأنَّه يصبح "مالِكاً؛ لكن من غير طريق الشراء".
وعلى هذا الذي "أَخَذَ"، فأصبح "مالِكاً (من غير طريق الشراء)"، أنْ يُعْطي "المُعْطي"، قَبْل، أو بَعْد، إسباغه هذه النِّعْمة عليه.
"المبيع" ليس أرضاً (عامَّة) فحسب؛ فإنَّ المنشآت العامَّة يمكن أنْ تُباع هي أيضاً؛ لكن بعد استجماع (واستحداث) ما يكفي من الأدلَّة على أنَّها ما عادت جديرة بالبقاء جزءاً من الممتلكات العامَّة، وعلى أنْ لا حلَّ لمشكلتها إلاَّ ببيعها (ولو بثمن بخس، لا تسألوا عَمَّن قبضه، وانتفع منه) لِمَن في مقدوره إحياء عظامها وهي رميم، ولو كان هذا "المحيي" أجنبياً (ويُفضَّل أنْ يكون أجنبياً).
"المُسْتَثْمِر الأجنبي (الغربي)" ضاق به الاستثمار في وطنه؛ فـ "معدَّل الربح" هناك أقل من أنْ يغريه باستثمار رأسماله؛ فَلِمَ لا ينتقل إلينا ما دامت الأرض والأيدي العاملة رخيصة هذا الرُّخص، وما دامت الحوافِز التي نستحدثها له بهذه الوفرة والقوَّة؟!
عندنا، وعندنا فحسب، يكون "معدَّل ربح" هذا المُسْتَثْمِر هو الأعلى عالمياً.
وكلَّما اجتذبنا إلى اقتصادنا مزيداً من الاستثمار الأجنبي ازْددنا فقراً؛ فهذا المُسْتَثْمِر يأتينا بـ "الحنفية"، فيَصْبُّ معظم مائها (الذي هو ماؤنا) في وطنه.
على أنَّ هذا الفقر (أو الإفقار) ليس عامَّاً مُطْلَقاً؛ فثمَّة فئة ضئيلة من المواطنين "غير العاديين" يَغْتَنون من هذه الطريق التي يُزيِّنونها لنا بأوهام "الغد الاقتصادي المشرق الوضَّاء".
أمَّا "المنقول (لا الثابت)" من "المال العام"، فيتصرَّفون فيه في طريقة مختلفة؛ فبعضه يُغذِّي دَخْل "الموظَّف العام (الذي يستحق)"، وبعضه يَصُبُّ في "الراتب الأبدي" لِمَنْ تقاعد عن "الخدمة النيابية" للشعب، وبعضه يذهب لِمَن أجاد لعبة الاغتناء من فَرْق السِّعرين، فهو باسم "الدولة" يشتري الأشياء بأسعار تقلُّ دائماً عن أسعارها في "الفواتير"، وبعضه يُسْتَثْمَر في "الأسواق المالية" وُفْق مبدأ "الربح للمستثمرين، والخسارة للخزينة العامَّة"، وبعضه يُنْفَق بما يجعل نمط عيشهم لائقاً بهم.
ويكفي أنْ تَعْرِف كيف يُنْفَق "المال العام (السائل، أو المنقول)" حتى تتأكَّد أنَّ "الضرائب" عندنا لا تمتُّ إلى مفهوم "الضريبة" بصلة؛ فإذا كانت "الضرائب" أموالاً تجبيها الدولة من الشعب؛ فهذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ كل مالٍ تجبيه الدولة من الشعب يجب أنْ يكون بمعنى "الضريبة"؛ فـ "الضريبة" لا تستوفي معناها إلاَّ إذا عادت إلى الشعب.
قديماً، كان "الاستعمار" هو المتصرِّف في "أراضينا العامَّة"؛ ولَمَّا خَرَج انتقل (أو نُقِل) هذا الحق (الحق في التصرُّف في الأراضي العامَّة) إلى "دولنا المستقلة"، أيْ إلى الذين آلت إليهم السُّلْطة (الفعلية).
وهذا الفساد الذي اعترى علاقة "الدولة" بـ "الممتلكات العامَّة" رأيناه أوَّلا عند "المؤمِّمين"، أيْ عند العسكر الذين اغتصبوا السُّلْطة، فأسَّسوا لـ "اشتراكية"، كانت "الدجاجة التي تبيض لهم ذهباً"، فاغتنوا، واغتنوا، حتى ضاقت "الاشتراكية" بهم، فاشتدَّت لديهم الحاجة، من ثمَّ، إلى "رأسمالية" يستثمرون فيها، وبها، ثرواتهم الطائلة.
ورأيناه، من ثمَّ، عند "ليبراليينا"، الذين هم "مسوخ" من "الليبراليين الجُدُد (في الغرب)"، والذين هم "مسوخ" من "الرأسماليين (الأقحاح)".
رأيناه إذ رأينا ظاهرة التصرُّف الشخصي لذوي السُّلْطة الفعلية في "المال العام"، أكان "ثابتاً" أم "منقولاً"؛ فمتى يرحمنا الله كما رحم فرنسا من لويس السادس عشر؟!
#جواد_البشيتي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فكرة -الرُّوح- وكيف شَقَّت طريقها إلى رأس الإنسان
-
مرَّة أخرى وأخيرة في محاورة -أعداء ماركس-!
-
أعداء ماركس.. على هذه الشاكلة!
-
-موتى- يَنْعُون -الماركسية-!
-
في -حُرِّيَّة التعبير-
-
دَعْهُمْ يَخْتَبِرون أوهامهم!
-
-المجلس العسكري- يخوض -معركة الرئيس-!
-
-الحياة- فلسفة!
-
-الإحساس- من وجهة نظر -مادية جدلية-
-
في هذا يكمن -سِرُّ قوَّته-!
-
-أزمة- مصر تكمن في عدم اكتمال ثورتها!
-
ما لَمْ يُقَلْ في -القرية العالمية-!
-
-سادات- يلبس عمامة!
-
عندما يُحْظَر قيام أحزاب -على أساسٍ ديني- في الأردن!
-
معنى أنْ يزور نجاد -أبو موسى- الآن!
-
الديمقراطية -الفَرْدية-.. الأردن مثالاً!
-
-خُطَّة عنان-.. من -القبول النَّظري- إلى -الرَّفض العملي-!
-
-قضية اللاجئين- في مناخ -الربيع العربي-!
-
-الحتمية الماركسية- و-نقيضها الدِّيني-!
-
قانون انتخابات أردني.. جديده قديم وقديمه مُجدَّد!
المزيد.....
-
بإجماع من المحكمة الدستورية.. الرئيس الكوري الجنوبي المعزول
...
-
السعودية.. فيديو -لعب- تركي الفيصل على أغنية بليلة خالد الفي
...
-
ماذا نعرف عن إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على مسعفين فلسطيني
...
-
لبنان: إسرائيل تغتال قياديا في حماس في صيدا وتنفذ سلسلة غارا
...
-
القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط... أيها ستختار واشنطن إذا
...
-
مراسلتنا: مقتل فلسطيني في جنين واقتحامات في رام الله ونابلس
...
-
روسيا.. الذكاء الاصطناعي يساعد في اكتشاف جينات لها علاقة بال
...
-
فيديو إخراج جثة قيادي في حماس قتل بقصف شقته في صيدا
-
-بلومبرغ- .. ترقب أمريكي لرد فعل بوتين على نتائج زيارة مبعوث
...
-
إيلون ماسك يدعو إلى العفو عن مارين لوبان
المزيد.....
-
سلطة غير شرعية مواجهة تحديات عصرنا-
/ نعوم تشومسكي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|