جعفر المظفر
الحوار المتمدن-العدد: 3698 - 2012 / 4 / 14 - 23:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بوصول آيات الله إلى السلطة في إيران بدأ عمليا, في عصرنا الراهن, وفي منطقتنا العربية بالذات, اختلاط الأوراق وخلطها, ما بين الديني وما بين الوطني. وأقول في عصرنا الراهن تأكيدا على أن عملية الخلط هي ليست بنت يومها, وأن إيران التي باتت تتقنها اليوم بكل دقة قد عانت هي أيضا منها سابقا وذلك حينما استطاع العرب من خلال الإسلام تحطيم إمبراطوريتها الفارسية , ثاني أكبر إمبراطوريتين حينها بعد الرومانية, ومن ثم ضم أراضيها جميعا إلى الدولة الإسلامية الجديدة.
إن عملية الخلط والاختلاط ما بين الديني والسياسي ليست جديدة بالمرة, وإن إشارتنا إلى ذلك ليس هدفها تجريم أحد وتبرئة آخر وإنما لتوضيح الموقف وشرحه بشكل أفضل قبل أن نهرع لتوزيع مفردات قد يتناقض فهمها ويتضاد على ضوء العقيدة السياسية ذاتها التي قد تنقل في ذات اللحظة تهمة الخيانة والعمالة من قوم في خانة لتلقيها على القوم في الخانة المقابلة.
وبغض النظر عما إذا كانت الشعارات الإسلامية التي ترفعها إيران كاذبة أم لا, وحتى مع التأكيد على أن إيران تستعمل الإسلام كغطاء لتمرير مشاريعها التوسعية وأنها لا تؤمن حقا بشعارات الإسلام الحقيقية أو تعمل من أجلها دون أية أطماع وعصبيات قومية فإن التصدي إلى ذلك لا يبدأ فقط من خلال سن قوانين تحرم التعامل مع إيران أو مع غيرها من الدول بما يتقاطع مع المصالح الوطنية وإنما أيضا من خلال الاقتراب السليم الذي يضمن فهما أفضل للمشكلة مثلما يتكفل بنشر ثقافة يكون من أولوياتها إعادة تعريف هذه التهم وفق ضوابط العمل الوطني الصحيح.
وسنفهم من ضمن ما سنفهمه على هذا الطريق أن الموضوعة أكثر تعقيدا من أن تُحل من خلال الضوابط القانونية البحتة أو يجري التعامل معها من خلال الإعلام السياسي المباشر الذي يتعامل مع الحقائق الوطنية كمسلمات لا بد من الالتزام بها بكل حرفية والولاء لها بشكل مطلق. فالوطنية ذاتها كانت قد عومت بشكل كبير لصالح عقائد تتقاطع ومفهوم الوطنية لا بل وتصنفه في خانات متقاطعة مع العقائد الأممية وفي مقدمتها الأديان نفسها, أو مع العقائد القومية التي قد تجد أن الالتزام بالوطنية قد يجري بشكل يتعارض مع قضايا النضال من أجل الوحدة العربية, حتى أنك تجد أن مفهوم العمالة أو الخيانة قد يتناوب عليه شخصان من ذات العِرق والبلد لا لشيء إلا لإختلاف عقيدتهما السياسية لا أكثر, وقد نجد من بينهما من يرى في تعلقه ببلد غير بلده وحتى في إتباع تعليماته وإطاعة أوامره جزء من مسلمات الإيمان بالعقيدة, في حين يرى الآخر أن ذلك هو الخيانة والعمالة بحد ذاتها.
بعد محاولة اغتيال الزعيم قاسم نهاية عام 1959 وقف أعضاء الفريق البعثي المكلف بالإغتيال أمام العقيد المهداوي رئيس المحكمة وهيئة رئاستها يدافعون بشكل قوي عن سلامة موقفهم وعقيدتهم السياسية ويتهمون خصومهم الذين كان يمثلهم المهداوي بتهم الخروج على أهداف الأمة القومية والتمسك بتفكير قطري وطني يتناقض والعمل من أجل الوحدة العربية.
وعلى نفس مستوى الإدانة السياسية المدعومة بضوابطها القانونية هذه المرة فإن هيئة المحكمة كانت ترى أن ذلك وحده هو دليل إدانة كاف لأنه اعتراف صريح بالعمالة لدولة أخرى هي مصر. أما جمهور المحكمة الذي كان مؤلفا في غالبيته من الشيوعيين فلم يكونوا يترددون البتة في اتهام البعثيين والقوميين بتهمة العمالة لعبدالناصر في حين كان خصومهم السياسيون من البعثيين والقوميين والوطنيين قد سبقوهم إلى التأكيد على إتهامهم بالولاء لموسكو على حساب القضايا الوطنية والقومية, وكانت تهمة العمالة لموسكو في العهد الملكي كافية لإرسال الشيوعي إلى نقرة السلمان أو إلى زنازين الإعدام.
وهكذا كان بإمكاننا أن نرى كيف أن ساحة تلك المحكمة التي لم تكن تتجاوز عشرات الأمتار قد ضمت حينها ثلاثة أصناف من العراقيين الذين كانوا يوزعون تهم العمالة بينهم بالتساوي وكان كل فريق على حدة مؤمنا بأنه على حق وغيره على باطل. البعثيون من جانبهم كانوا يعتبرون الوطنية السياسية مفهوما قطريا يتعارض وقضية الوحدة وبالتالي فقد كان بالإمكان وضعها في خانة الخيانة, وقد سارعوا بعد ذلك باتهام مجموعة صلاح جديد التي انشقت على الحزب في عام 1966 على أنها مجموعة (قطرية) خائنة وكان يكفي لتأشير "قطريتها, أي وطنيتها بتعريف آخر" كمفردة للتعريف بخيانتها. أما الشيوعيون الموالون لموسكو فقد كان يكفيهم استعمال مفردة ( التيتويين – نسبة إلى الرئيس اليوغسلافي تيتو الذي قاد حركة التحرر اليوغسلافية من النازية وترأس بعدها الدولة ) للتأكيد على روحية الانشقاق المنبوذ عن مركز العقيدة الأممية, وكذلك كان يتم تعاملهم مع رومانيا جاوجيسكو ومع خروج الحزبين الإيطالي والفرنسي على مفهوم دكتاتورية البروليتاريا وإيمانهما بالديمقراطية اللبرالية في عقد السبعينات.
كل شيء يجب تفسيره بعناية, وحتى يأتي الموقف القانوني مقنعا فلا بد من وجود قاعدة ثقافية تدعمه. ولا يختلف مفهوم العمالة أو الخيانة في الحاجة إلى ذلك أبدا خاصة حينما يتحولان من سلوك شخصي حرفي إلى ظاهرة سياسية أو ثقافية عامة يؤمن بها حزب أو تجمع أو مذهب أو طائفة.
أما في هذه المرحلة الراهنة, ومع تصاعد تأثيرات الفكر الإسلامي السياسي فقد عاد التداخل والاشتباك والاختلاط والخلط ما بين الديني والوطني ليفرض هيمنته على لغة الساحة السياسية وحتى على سلوك أفرادها وعلى تصنيفهم كمناضلين أو كخونة, فالوهابيون في العراق ومصر أو في سوريا أو الباكستان لا يترددون في تقديم ولائهم لمركزهم الفقهي أينما تحرك ذلك المركز على حساب ولائهم الوطني المركزي الذي تجسده هويتهم المحلية بحدودها الجغرافية المعرّفة,.كما أن الأخوان المسلمين المتفرعين أصلا من الحركة الوهابية لا يقدمون ولائهم الوطني على ولائهم الإسلامي, وقد يصبحوا في حالات معينة أقرب إلى تركيا أو السعودية منهم إلى العراق أو مصر. ومثلهم في ذلك أحزاب الشيعة السياسية وفي المقدمة منها حزب الدعوة والمجلسيين وبدر والصدريين. , أما التكفيريون من أنصار القاعدة الذين يقسمون العالم إلى دار للكفر وأخرى للإيمان فإن الوطنية لديهم هي كفر بكل المقاييس .
إنها مشكلة فقهية قبل أن تكون مشكلة سياسية.. صحيح أنه لا غنى عن القوانين للتعامل مع الخروج على الوطنية المعرفة بحدودها الجغرافية بدء, ولكن القانون هو وسيلة انضباطية تتعامل مع الاستثناء وليس مع العام التي تتعامل معه الثقافة.
إن الثقافة الوطنية لا يمكن لها أن تصمد أبدا بوجه الإسلام السياسي وخاصة بما يتعلق بالتداخل والاختلاط والخلط الذي يؤسس له هذا الفقه بين الوطني والديني ما لم يتم اللجوء إلى العلمانية اللبرالية التي من شأنها, ليس تحقيق النهضة العلمية والحضارية على صعيد داخلي فحسب, وإنما أيضا وضع تعريف أوضح وأدق لمفهوم العمالة للأجنبي مع إعطاء أولوية للخطر الإيراني الذي يتقدم الآن على الخطر التركي من واقع العلاقات على الأرض أو بفعل أممية فقه الدولة الإيرانية ذاتها المتمثلة على وجه الخصوص بولاية الفقيه التي لا تعترف بجغرافية وطنية غير جغرافية الإمام الغائب.
وبدون الأيمان بهذه العلمانية فإن القدرة على صياغة تعريف قانوني لمعنى الخيانة والعمالة ستبقى متعثرة وستكون هذه الصياغة خاصة للتعامل مع أفراد وليس مع مجاميع وأحزاب باتت ترى في الارتباطات الإقليمية أو القارية أو الأممية ولو على حساب الفقه والارتباط الوطني انعكاسا لفقه سياسي وديني سليم الأمر الذي لا يجيز اللجوء إلى الأجنبي على حساب الوطني فقط وإنما يوجبه شرعا.
#جعفر_المظفر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟