لنا عبد الرحمن
الحوار المتمدن-العدد: 1059 - 2004 / 12 / 26 - 11:00
المحور:
الادب والفن
ربما بات من أكثر الاسئلة الملحة علينا ونحن نمسك بجهاز" الريموت كونترول" لنقلب المحطات الفضائية العربية المتاحة لنا على الشاشة هو الى أي مدى تعكس هذه الفضائيات واقعنا العربي المعاش؟
ففي ظل طغيان فكرةالتنافس الشديد بين المحطات لاجتذاب المشاهد، وبث برامج مربحة إعلانيا،تسيطر على الشاشات البرامج الترفيهيه والمنوعات،والتوك-شو التي تجد الدعم والتمويل الكافي لما ستحققه من أضعاف مضاعفة تتجاوز قيمة ما انفق في الاعداد لها.
من هنا باتت الفضائيات المعنية بطرح هموم المواطن العربي وتدعيم ثقافته ووعيه محدودة جدا ومنحسرة عددا بما لا يتعدى اصابع اليد الواحدة،في الوقت الذي تلهث فيه أقنية أخرى لاستنساخ برامج أجنبية،وقولبتها في ذي عربي موحد. ربما كان ذلك منذ نجاح برنامج "من سيربح المليون" مع مقدمه جورج قرداحي،حتى تسارعت الفضائيات في استنساخ البرامج الغربية وتلوينها بحلة عربية شكلا ولغة،في ظل غياب المضمون الحقيقي،وكأن الواقع الحياتي للمواطن العربي لم يعد قادرا على افراز أفكار توائم الشاشة،وتناسب ما يطمح اليه صناع البرامج الاجتماعية والترفيهية.
برنامج (افتح قلبك) الذي يطل مساء كل يوم أربعاء علي قناة L.B.C والمأخوذ عن مثيله الأميركي ويقدمه الاعلامي الشهير جورج قرداحي ، يعرض في كل حلقة ثلاث قصص واقعية من بلدان مختلفة(عربية طبعا)لأشخاص واقعيين اختاروا الاتصال بالبرنامج للمشاركة به والاستفادة منه في إعادة علاقتهم بشخص ما أساءوا إليه في يوم من الأيام، و للتوضيح نقول إن هدف البرنامج كما يظهر للمشاهد هو تصفية القلوب وجمع الشمل المتفرق بين أب وأولاده أو بين أم وابنتها، أو بين زوج وزوجته كما حصل موخرا• في إحدي الحلقات بهذا المعني وبموضوعية شديدة يبدو الهدف السامي لـ(افتح قلبك ) زاخماً بالمشاعر الإنسانية النبيلة التي لا يمكن تجاهلها خاصة مع وجود وجه إعلامي مميز مثل جورج قرداحي يتمتع بحضور فذ يتمكن من جذب الجمهور من المحيط إلي الخليج خاصة وأن البرنامج المذكور يطرق بقوة علي بوابة العلاقات الاجتماعية الشائكة والمعقدة، وما من شك في أن هذا الاختيار الموفق يحسب لجورج قرداحي بداية مع ( من سيربح المليون) الذي يلعب في أجواء ربحية متوترة ثم "افتح قلبك"الذي يقود المشاهدين، إلي مناطق نفسية أشد توتراً•
ينقسم البرنامج إلي محورين، الأول: الداعي أي الشخص الذي بادر بالاتصال وطلب الاشتراك في البرنامج لمساعدته في إحضار الطرف الآخر والتصالح معه، والمحور الثاني هو الشخص "المدعو" والذي يجهل كما يزعم البرنامج هوية من قدم له الدعوة للحضور •يبدأ قرداحي مع الطرف الداعي ويستمع لحكايته وكيفية حدوث الخلاف ثم الوصول إلي إعلان الأسف والاعتذار والمطالبة بالصفح،ثم رفع الستار ليلتقي بالشخص الآخر، ويتم ذلك في جو مشحون بالتوتر والألم النفسي يكشفها قرداحي في محاورته الذكية للضيف،ومحاولة التحري عن تفاصيل الخلاف وتصاعده،علما ان هذا التحري يتم مع الطرفين(الداعي والمدعو)بهدف التأكيد على مصداقية الحقيقة،ويا للصدفة أن يأتي الكلام متطابقا بشكل مذهل ، فيما بعد تتم دعوة المدعو وسؤاله: أنت ضيفنا في برنامج "افتح قلبك"هل تعرف من وجه لك الدعوة؟ وتأتي إجابة الضيف الأكيدة "لا أعرف" هذه الإجابة مكررة ويشترك فيها كل الضيوف الذين يعبرون عن دهشتهم وتفاجئهم بالشخص الداعي ،علماً أنه غير مجهول بالنسبة لهم فهو إما ابن أو زوج أو أخ.
ثمة إرباك يفرضه البرنامج علي المشاهد من ناحيتين، الأولى تتعلق بالمشاعر الإنسانية التي تذاع علي الهواء مباشرة، ثم ذاك التأكيد اليقيني أن كل طرف لا يعرف بأمر الدعوة، ربما كانت هذه الملاحظة واضحة جداً في الحلقة التي عرض فيها حكاية المرأة الشابةالمتزوجة حديثا والتي اتصل زوجها بالبرنامج ليساهموا معه في إقناعها بالعودة إليه، فالمرأة تقيم في القاهرة وقد انتقلت من القاهرة إلي بيروت لتشارك في البرنامج، وكذلك الزوج أيضاً، وحين يتم سؤالها هل تعرفين من قدم لك الدعوة تظهر الدهشة وعدم المعرفة بطقوس البرنامج كله، لا يبدو ذلك مقنعاً لأننا مازلنا نعيش في عالم عربي تحتاج المرأة بغية التنقل من بلد إلي بلد إلي موافقات رسمية وعائلية فالزوجة الشابة التي صرحت أنها لا تعمل،وأنها تخرجت العام الماضي من الجامعة وانها هجرت بيت الزوجية من قرابة شهرونصف لخلاف حاد مع زوجها كيف بإمكانها ان تسافر من القاهرة الي بيروت فقط للمشاركة في دعوة مجهولة لبرنامج لم تخف الضيفة جهلها بأبسط قواعده،فهل من الممكن أن يحدث ذلك حقا؟ربما يكون في إطار محاولة إقناعنا فقط أن هذه هي الحقيقة العارية تماما بلازيف،المثير للدهشة أيضا ذاك التواطئ الخفي بين جميع الأطراف،الداعي والمدعو ومقدم البرنامج ليكتمل في النهاية تشكيل حلقة من الود والتصافي والغفران بحيث تذوب كل الخلافات الشائكة وغير الشائكة أمام عدسات الكاميرا وعلي بصر وسمع المشاهدين•• أليس ذلك مدهشا....أن يآتي أستاذ جامعي من المغرب الي بيروت للحديث عن مشاكله العائلية علي الهوا وطلب الصفح من أخيه؟ كل ذلك يدفعنا للسوال عما يحدث وراء الكواليس؟ما الذي يدفع الضيوف للمشاركة وبث مشاكلهم علي الفضائيات مباشرة والبحث عن حلول لها،طبعا بغض النظر عن الدافع المعنوي للبرنامج؟ وكما قلنا من قبل فإن البرنامج المأخوذ عن مثيله الأميركي يحتاج إلي بعض المحلية العربية بما يتماشي مع واقعنا، وذلك فقط للإقناع التام بجدية الحكاية•
ـــــــــــ•• ــــــــــ
#لنا_عبد_الرحمن (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟