|
-اللحظة الضائعة- في ثورة مصر!
جواد البشيتي
الحوار المتمدن-العدد: 3574 - 2011 / 12 / 12 - 16:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في التجربة الغنية، والمعقَّدة، فَهْماً ومفهوماً، لـ "الربيع العربي"، وَقَفْنا على كثيرٍ من المعاني السلبية التي انطوت عليها مواقف ما يسمَّى "الأكثرية (الشعبية) الصامتة"؛ ففي سورية، على سبيل المثال، اتَّخَذ نظام حكمها الدكتاتوري من اعتصام فئة واسعة من الشعب (وفي دمشق وحلب على وجه الخصوص) ببيوتهم، أيْ عدم مشاركتهم في الحراك (الشعبي الثوري) ضدَّ نظام حكم بشار الأسد، دليلاً (ولو من النوع السلبي) على أنَّ الشعب، في غالبيته، يَقِف مع نظام الحكم الدكتاتوري هذا، وضدَّ ذاك الحراك؛ أمَّا في مصر، وعلى سبيل المثال أيضاً، فَخَرَجت تلك الأكثرية عن صمتها (غير الذهبي) إذ غادرت البيوت إلى صناديق الاقتراع لتدلي بأصواتها مرَّتين، مرَّة في الاستفتاء الشعبي على مواد دستورية جديدة اقترحها "المجلس العسكري الأعلى (الحاكم)"، ومرَّة في الانتخابات البرلمانية التي لم تنتهِ بعد.
إنَّها مساحة ديمغرافية واسعة (في المثالين السوري والمصري) لم تتلوَّن (لأسباب شتَّى ومختلفة) بألوان "الربيع العربي"؛ وليس هذا بالأمر المُسْتَغْرَب في تجارب وتاريخ الثورات في العالم؛ فـ "الشعب الثوري"، الذي صنع ويصنع الثورات، إنَّما هو ذاك الجزء من الشعب الذي ينزل إلى الشوارع، ويحتشد بالميادين، ويؤدِّي (مباشَرَةً) العمل الثوري، الذي يُتوَّج (ويجب أنْ يُتوَّج) بالاستيلاء على السلطة، أيْ بإطاحة نظام الحكم القديم، والتأسيس لنظام حكم جديد، تلبَّى فيه، وبه، مطالب الثورة.
تلك "اللحظة الثورية الحاسمة" هي التي لم يَعْرِفها زمن ثورة 25 يناير المصرية؛ فالمؤسسة العسكرية المصرية، وعَبْر "المجلس العسكري الأعلى"، عَرَفَت كيف تَحُول بين "ميدان التحرير" وبين وصوله، أو وصوله بالثورة، إلى تلك اللحظة.
كان الثوار قاب قوسن أو أدنى من "اللحظة الثورية الحاسمة"، وكان "الميدان (قلب الثورة النابض)" يعود، في ملكيته السياسية والفكرية، لشبابٍ لهم من الحوافز والدوافع الثورية، ومن الرؤى والشعارات والمطالب، ما جَعَل الهوَّة بين الثورة (أيْ ثورتهم) وبين "النتائج"، التي تمخَّض عنها "الاستفتاء"، والانتخابات البرلمانية من ثمَّ، من الاتِّساع والعمق بمكان.
ولكم أنْ تتخيَّلوا التغيير (حجماً ونوعاً) الذي كان سيَقَع لو أنَّ "المجلس العسكري الأعلى" قد انتصر، بعد عزله الدكتاتور حسني مبارك، لمطالب وشعارات صُنَّاع الثورة الحقيقيين في "ميدان التحرير"، من طريق تأليفه لجنة، أو هيئة، من رجال وخبراء القانون الدستوري، تَكْتُب دستوراً جديداً للبلاد، تُسْتوفى فيه الشروط والمبادئ والمفاهيم الديمقراطية (العالمية) لـ "الدولة المدنية"؛ ثمَّ يُدْعى الشعب، مع أكثريته الصامتة، إلى استفتاء شعبي لإقرار هذا الدستور الجديد.
لو فَعَلَها هذا "المجلس"، مُغْتَنِماً تلك "اللحظة الثورية الحاسمة"، والتي هي لحظة "الشرعية الثورية"، أو لو كانت له مصلحة في فِعْلِها، لَمَا كان من سببٍ يدعو إلى افتراض، أو توقُّع، ألاَّ يُصوِّت الشعب نفسه، ومع أكثريته الصامتة نفسها، لمصلحة إقرار هذا الدستور، الذي سيؤسِّس لـ "الدولة المدنية (الديمقراطية)".
إنَّه لم يَفْعَلَها؛ لأنَّ له، ولـ "المؤسَّسة العسكرية" التي يمثِّل ويقود، مصلحة في أنْ يظلَّ محتفظاً بنفوذ سياسي، هو من الحجم والنوعية ما يَجْعَل "الدولة المدنية" فاقِدةً لكثيرٍ من معانيها ومقوِّماتها.
وعملاً بهذه المصلحة الفئوية الضيِّقة، واستخذاءً لها، شرع "المجلس العسكري الأعلى" يمدُّ جسور التعاون والتحالف مع قوى "الإسلام السياسي"، وفي مقدَّمها جماعة "الإخوان المسلمين" وحزب "النور" السلفي"، فكانت العاقبة (التي رأيناها تَخْرُج من رحم الجولة الأولى من انتخابات "مجلس الشعب") أنْ مُسِخَت وشُوِّهَت أكثر "الدولة المدنية"، مفهوماً وواقعاً؛ فكيف لهذه الدولة أنْ تصبح حقيقة واقعة إذا ما تقاسَم السيطرة (الفعلية) عليها "العسكر" و"الإسلام السياسي"، وعلى ما بين الطرفين من تناقض، أو نزاع، يستتر تارةً، ويَظْهَر طوراً؟!
إنَّ مؤسَّسة (العسكر) هي الأهم بين مؤسَّسات نظام الحكم القديم تتعاون وتتحالف مع قوى حزبية لم تكن لها مساهمة يُعْتَدُّ بها في إطلاق وتفجير الثورة، في سبيل منع مطالب وشعارات "ميدان التحرير" من أنْ تُتَرْجَم بنظام حكم جديد، تُسْتَوْفى فيه، وبه، "الدولة المدنية (الديمقراطية)"، وإنْ ظلَّ تعاون وتحالف هذين الطرفين مفعماً بأسباب ودواعي النزاع.
وللمتوفِّرين على المقارنة بين "الإسلام السياسي" التركي و"الإسلام السياسي" المصري، أقول شتَّان ما بين التجربتين، أو المثالين، أو النموذجين؛ فحزب أردوغان جاء إلى الحكم في دولةٍ عَرَفَت، في أساسها وتاريخها، كثيراً من المعاني والمقوِّمات الدستورية لـ "الدولة المدنية"؛ أمَّا في مصر فلن تَعْرِف الدولة الجديدة من هذه المعاني والمقوِّمات إلاَّ ما لا يَجِدَ له صَدَّاً في فكر "الإسلاميين" المهيمنين على البرلمان، والذين سيهيمنون، من ثمَّ، على اللجنة، أو الهيئة، التي ستتولَّى وضع دستور جديد للبلاد؛ ولعلَّ هذا هو ما يُفسِّر "المناورة الدستورية (الأخيرة)" لـ "المجلس العسكري الأعلى"، والتي صبَّت بعض الزيت على نار الخلاف بينه وبين جماعة "الإخوان المسلمين"؛ فهذه المناورة إنَّما تستهدف حَمْل "الإسلاميين" المهيمنين على البرلمان على صوغ الدستور الجديد بما يراعي المصالح الفئوية لـ "المؤسَّسة العسكرية"، ويحفظ لها نفوذها (الكبير) في الدولة، وفي الحياة السياسية المصرية، وكأنَّ اقتسام، وإعادة اقتسام، السلطة بين هذين الطرفين هما مفتاح التفسير للمدِّ والجَزْر في تعاونهما وتحالفهما.
ودرءاً للالتباس وسوء الفهم، أقول لا اعتراض على فوز "الإسلاميين" في الانتخابات البرلمانية، ولا على هيمنتهم على السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ فالاعتراض، كل الاعتراض، إنَّما هو على أنْ يأتي ذاك الفوز، وهذه الهيمنة، قبل "التأسيس الدستوري" لـ "الدولة المدنية"؛ فـ "الدولة المدنية" تُقام دستورياً أوَّلاً؛ ثمَّ يُنْتَخب مَنْ يُنْتَخَب، ويفوز مَنْ يفوز، ويَحْكُم مَنْ يَحْكُم.
#جواد_البشيتي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العقل المُثْخَن بجراح -التعصُّب-!
-
-الدكتاتور المثالي- في -مرافعته الإعلامية-!
-
الجريدة اليومية في عصر جديد!
-
حضارة الجوع!
-
-رودوس- التي تتحدَّى -الإسلام السياسي-!
-
-الإسلاميون- و-الدولة المدنية-
-
-نبوءة- مبارك!
-
حقيقة الموقف الإسرائيلي من -الربيع العربي-
-
وفي الشتاء.. عادت الثورة المصرية إلى ربيعها!
-
قراءة في -فنجان بشار-!
-
في -الإصلاح- في الأردن.. هكذا يُفَكِّر الملك!
-
وللجيوش العربية نصيبها من -الربيع العربي-!
-
عرب 1916 وعرب 2011
-
بديل بشَّار.. نصفه فولتير ونصفه بيسمارك!
-
إيران.. هل أزِفَت ساعة ضربها؟
-
كيف تفهم الولايات المتحدة -الربيع العربي-؟
-
اكتشفوا أنَّ -الربيع العربي- ليس -ثورة-!
-
أردوغان التونسي!
-
-البحرين- بميزان -الربيع العربي-!
-
-الحركة الطبيعية- و-الثلاثية الهيجلية-!
المزيد.....
-
وصفها البعض بالتنمر وآخرون توعدوا بالرد.. هكذا استقبل شركاء
...
-
مستضيفة نتنياهو -المطلوب-.. إعلان مهم من المجر حول -الجنائية
...
-
بالأرقام.. الدول العربية بقائمة ترامب تختلف بنسب التعرفة الم
...
-
رسوم ترامب الجمركية.. خصوم واشنطن وشركاؤها ينددون
-
قد يسبب لك تجلط الدم أو السكتة القلبية.. احذر بديل السكر!
-
يفضلها الكثيرون.. هذه الأطعمة تضر بالدماغ وتسبب الاكتئاب!
-
مشاركة عزاء للرفيق عبد الحافظ داوود (أبو سامر) بوفاة والدته
...
-
سوريا.. تشييع ضحايا القصف الإسرائيلي في درعا (صور+فيديوهات)
...
-
الخارجية الإيرانية: ندين العدوان الإسرائيلي الجوي والبري على
...
-
ترامب بحاجة إلى استراتيجية -أمريكا أولا- تجاه الشرق الأوسط
المزيد.....
-
أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا
...
/ جيلاني الهمامي
-
قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام
/ شريف عبد الرزاق
-
الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف
/ هاشم نعمة
-
كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟
/ محمد علي مقلد
-
أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية
/ محمد علي مقلد
-
النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان
/ زياد الزبيدي
-
العولمة المتوحشة
/ فلاح أمين الرهيمي
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
الخروج للنهار (كتاب الموتى)
/ شريف الصيفي
-
قراءة في الحال والأداء الوطني خلال العدوان الإسرائيلي وحرب ا
...
/ صلاح محمد عبد العاطي
المزيد.....
|