عائشة التاج
الحوار المتمدن-العدد: 3553 - 2011 / 11 / 21 - 09:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من المسلم به أن هناك مقاربتين يتم تداولهما بشكل واسع لتفسير مسببات الحراك العربي
1 الأولى : تعتبر ما حدث نتاجا طبيعيا لضغط الفساد والاستبداد الذي استمر تحمله طوال عقود الاستقلال الشكلي وما هو في الحقيقة إلا نوع من تفجر التناقضات الداخلية حيث بلغ السيل الزبى و كان لا بد للانفجار أن يحدث فانفرطت أولى حبات العقد من تونس كي يتلوها ما تبقى بالتتابع ,والهدف هو استعادة السيادة الشعبية
واستعادة الكرامة وتحقيق الحرية و العدالة والمساواة بعد أن تمت مصادرتها منذ الاستقلال الشكلي
2 * الثانية : تتبنى الطرح "المؤامراتي" وتعتبر أن ما حدث ولا زال يحدث فعل " مبرمج " بأيادي خارجية تتحكم عن بعد في الحراك ومساره خدمة لأجندات خارجية أولا و أخيرا ,استغلت المطالب الاجتماعية والسياسية الداخلية كي تعمل على تفتيت "الوطن العربي" وتمزيقه إلى دويلات مفككة تسودها الفوضى الخلاقة حتى تتمكن من نهب خيراته والتحكم في قراراته بما يخدم المصالح الجيو استراتيجية للبلدان الكبرى
سوف أركز على تحليل الطرح الثاني الذي عادة ما تتبناه كل الأنظمة التي حدث الحراك ضدها حيث تلبس ثوب البراءة بل البطولة في كونها "مستهدفة " من قوى خارجية لأنها هي من يحمي" السيادة الوطنية وبدونها سيحدث الخراب متناسية بأنها هي الفاعل الرئيسي في "فعل الخراب " لأن سياساتها الكارثية لا يمكن أن تفرز إلا الغضب الناتج عن الظلم والشطط والتهميش و أن الصبر على هكذا أوضاع لا يمكن أن يستمر وبالتالي فشروط الثورة شروط موضوعية لا دخل لأية جهات أجنبية في إنتاجها على الأقل بشكل مباشر ,
2
• أن الانفجار عن الأوضاع نضجت شروطه بفعل آثار العولمة المتوحشة التي عمقت هشاشة الاقتصادات النامية وحتى غير النامية وزادت من مساحات الفقر و التهميش الذي يزيده الاحتكار الداخلي للثروات من طرف العائلات الحاكمة و معاونيها الأقربين ,
3 * الثورة المعلوماتية من فضائيات وأنترنيت ساهمت إلى حد كبير جدا في تعميق الوعي وانتشاره حيث أن تداول المعلومات بشكل مكثف وسريع وغير متحكم به من طرف الطغاة الذين وجدوا أن آلاتهم الإعلامية ومنتوجها الرديء أصبحت منبوذة ولم تعد تؤدي أدوارها التدجينية بنفس الفعالية ,
,
4 بروز أشكال جديدة للتواصل والتشبيك الاجتماعي عبر الانترنيت سهلت عمليات التواصل والتعبئة فالفايسبوك والتويتر واليوتوب أسلحة فتاكة بين أيدي الغاضبين
ضد الطغاة وأنظمتهم ,
5 ظهور جيل جديد أفلت من التنشئة على الخوف والترهيب لأن بين أيديه كم هائل من المعلومات التي كانت بالأمس القريب طابو وربما هذا ما يفسر انطلاق الشباب
للقيام بتظاهرات واحتجاجات بتلقائية أكبر ممن يكبرونهم سنا الذين عانوا من الترويع والقمع والتدجين " فبوعو النظام " لم يعد ينفع مع جيل لا يعرف " عمي الغول " ولا ما شابهه من كائنات خرافية خلقت لزرع الخوف لدى الصغار منذ نعومة أظافرهم واستمر امتدادها عبر جلادي الأنظمة القمعية و أساليبهم المتوحشة في ردع أصحاب الرأي المخالف مهما كان .
6- انغلاق الآفاق أمام هذا الجيل المهدد بالبطالة وما تجره من عدم اندماج اجتماعي بكل مستوياته ،فالعاطل عن العمل لن يتمكن من الزواج وإنجاب أطفال ولا من سكن مستقل ويعيش "عالة " على أسرته وما ينتجه ذلك من مشاعر سلبية وبالتالي فليس لهذا الجيل ما يفقده غير أغلاله لذلك لا خيار أمامه إلا مقاومة من أنتج هكذا وضع .
7- حدة القمع والظلم لا بد أن تؤدي للانفجار القوي فالمجتمعات تحتاج لقنوات حقيقية للتعبير عن حاجياتها وتطلعاتها بكل حرية ولربما ذلك ما يفسر قوة الدفع الجماهيري في البلدان التي ترتفع فيها حدة القمع ولا تسمح بهوامش للتعبير أو التنظيم
هذه شروط حقيقية وفعلية تفسر بشكل ملموس حتمية الحراك ومشروعيته
أما التفسير المؤامراتي فيعبر عن رأي نوع من الناس مستفيدون حتى النخاع من الأوضاع الاستبدادية القائمة و يختبئون وراء نظرية المؤامرة التي يفسرون بها كل شيء وهي وصفة جاهزة باستمرار تعبر عن كسل في الدماغ لأن أمثال هؤلاء لا يكلفون
نفسهم عناء فهم ما يجري بأدوات تحليلية تختلف عما ألفوه من "وصفات رسمية " أنتجتها أبواق النظام وعملت على ترويجها بشكل واسع و أضحت تبدو لهم تفسيرا أوحد لا شريك له تماما مثل الطغاة الذين يؤمنون بألوهيتهم وقداستهم حتى ويعتبرون واجب الطاعة لهم معطى ابديا لا يمكن كسره .
كما تعبر المقاربة المؤامراتية من جهة أخرى عن عقدة الاضطهاد و الخوف من الآخر الذي هو متأهب للدوام "للسطو عليهم " وهذا ينم عن شعور عميق بالنقص يتم إسباغه على الشعوب بدورها , فالشعوب في نظر هؤلاء ليست راشدة بالشكل الذي يمكنها من اتخاذ مواقف شجاعة كهذه وبالتالي فهي تصورها كأرجوزات يتم تحريكها " عن بعد " وفق أجندات خارجية .
وبهذا يكون التفسير المؤامراتي هروبا من " تحمل المسؤولية "في نتائج
السياسات المتبعة فالاحتكار والشطط والظلم والفساد والاستبداد كلها أفعال تراكمت طوال عقود بدون أية محاسبة حقيقية لدرجة أنهم ظنوا بأن أسلوب القمع كاف لوحده في ضمان استسلام الشعوب إلى ما لا نهاية وهم مثل من كذب كذبة وصدقها
ظنوا بأن " الخنوع " أو التظاهر به موقف أبدي غير قابل للتغير علما بأنه نوع من المقاومة السلبية التي تحولت إلى فعل إيجابي بمجرد نضج الشروط لذلك
وقد لا نستبعد بأن " وصم " الثوار بأنهم عملاء لجهات ما ،ناتج عن كون هؤلاء " الكبار " لا تستقيم لهم قائمة بدون لعب هذا الدور حيث يعتمدون في ضمان استمرارية كراسيهم على "الدعم الخارجي " علما بأنهم يفتقدون للدعم الداخلي نتيجة لسياسات النهب والتفقير والاستبداد والولاء الذي يحصلون عليه هو نتيجة للخوف أو الطمع ليس إلا
والدليل القاطع هو أن حوارييهم سرعان ما ينفضون من حولهم مع بداية خفوت سلطتهم بل يتحولون لداعمين للثوار كما أثبتت الأحداث وبالتالي فهم يتصورون بأن " العمالة شرط ضروري لكل من يتنازع للحصول على السلطة ويسقطون هذه الصفة على كل معارضيهم بدون أي تمحص أو تدقيق ,,,,
وتجدر الإشارة بأن مسألة التجاذب على النفوذ الجيو استراتيجي من طرف العديد من القوى الكبرى أو الإقليمية معطى حاضر باستمرار سواء بالأنظمة الحالية الذين هم عملاء تقليديون ( قد تكون صلاحيتهم انتهت ) أو بما يمكن أن يأتي به الحراك من حكام جدد قد يستفيدون من هذا الدعم أو ذاك لتسهيل مهمة وصولهم للسلطة ولكنها ليست هي المحرك الأساسي للثورات
هم يسعون للتأثير حسب قوة نفوذهم وتجاوب بعض الجهات النافذة ضمانا لمصالحهم الاستراتيجية في هذا القطر أو ذاك لكن للشعب كلمته وقالها بكل الألسن في كل بقاع العالم
هذا ويمكن التأكيد بأنه لا وجود لأية قوة بإمكانها تحريك هذا الكم الهائل من الحشود في الشوارع وطوال شهور وبتواتر مستمر ّ اللهم إلا قوة الإحساس بالظلم والإيمان بمشروعية التغيير ،
لا شك بأن الشعوب خزان هائل من القدرات الواضحة منها والكامنة ،التي سرعان ما تكشف عن نفسها في الظرف المناسب ولا أحد بإمكانه التنبؤ الدقيق بإمكانيات شعب ما
في ظروف لم يعشها بعد ،
وتبقى مسؤولية التدخل الأجنبي في تحديد مسار الحراك ومن خلاله المس بسيادة القرار لدى هذا البلد أو ذاك على كاهل الحكام الطغاة أولا وأخيرا
حتى لو افترضنا بأن جهات ما ،تسعى لتفجير التناقضات الداخلية فمن هو المسؤول عن هذه التناقضات ؟
وكيف يتركون للأجنبي هذا الكم الكبير من النوافذ التي يتغلغلون منها لحرمة البيت ؟
إن الحاكم الذي لا يتوفق في الحفاظ على تماسك اللحمة الداخلية وضمان تعاضد كل فئات المجتمع أمام أي عدوان أو تدخل خارجي لا يستحق الحكم أصلا
وبالطبع فأن لحمة أي مجتمع لن تضبط بشكل قوي إلا بتوفر شروطها الرئيسية
ألا وهي : العدل في توزيع الخيرات والموارد المادية منها والمعنوية وضمان الكرامة
والحريات الفردية والجماعية وبدون ذلك ستبقى عروش الطغاة " فوق كف عفريت "
فالقمع وسيلة الجبناء و هو أسلوب منتهي الصلاحية في القرن الواحد والعشرين .
عائشة التاج
#عائشة_التاج (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟