أحمد خالد عاشور
الحوار المتمدن-العدد: 3518 - 2011 / 10 / 16 - 23:08
المحور:
الادب والفن
---------------------------------------
سافرت بِتلك الليلة إلي أبعدِ حدودي
ورحت أُلقّح أَزهار شقائقَ النُّعمان على غير هُدى
ذَهبت لتلك الزاويةِ التي لَطالما استيقظتُ هارباً إليها بفنجانيَ السحري
وكأنَّ قهوتَها تُصدر تلك السُمْفُونية
لِتحاكي أَرواحي التي تلاشَتْ بِسراب واقع الهروب
تَغَنَّيتُ بصوت امرأةٍ لا أعرِفها إلا صدفةً منذ سُويعات
شَحبتُ بِنظري لأسفلِ الزاوية
لأُعانق دُخاناً يصعد نحو رائحة القهوة ..
ثم صدر مني صوتي المزعج وهبَّ لي قائلاً
"من أنت يا هذا وأين ذهبت منك ؟"
تلفتُّ للأمام طالباً ذلك الهواء النادِر لكي ألقِّنَهُ درسي الصباحي في
الصمود بوجه التتار من أقاربي
تلصَّصْتُ على تلك المحاضرة كأنَّني ألقيها بدون قيودِ مدارس التنمية الذاتية
وبعد أن استردَدْت بِضعاً من ذاتيَ
توجهتُ لأقابلَ نفسي بمرآة اليوم..
التي لطالما حَلُمتُ بتكسيرها..
ارتشفتُ بِضعاً من كأس القهوة وتمنَّيتُ أن أُحاكي زوربا في تجربته
للأشياء التي يُحبَّها فأَكرهها يوماً
على مضضْ
ذُهلتُ وأنا أرى أنني ما زِلتُ أستعير ذلك القميص من مكانه الاعتيادي خلفَ بابيَ الموصد
مشطتُ شعري وكأنَّني أُحاكي كماناً غارقاً في الشفقْ
وحين اكتملتُ من تقليم ذاتي تعثرتُ بمفاتيحي التي لطالما أثـقـلت عليَّ مواسم الرحيل نحو ذلك المنزل
وأنا أمسك بحنظلةَ المرسومُ في أعلى الميدالية لأسترد وجه طفولتي
هَربتُ لذلك الشارع المقابل وتركتُ البابَ لِنَسيمٍ قاسٍ ليوصِدَهْ
وإذا بي أُصعق بصوت جاري العنيد وهو يُلقي علىَّ صباحاتُه
مصحوبةُ بمسيرة يومه الروتيني بنبرة تتميز من الفرحة والتعاسة
وملامحٌ تتناسب وتلك المازوشية
هربت منه بعباراتٍ صدرتْ من عيوني دونَ فاهي
وركضتُ لسيارةِ أجرةٍ انتظرتني لوهلةٍ وأخرى تقفُ أمامَها
وثالثة خلفها ليتبارون بحصادي بأصوات زماميرهم وحناجرهم التي تفوقها ألماً
وها أنا أقفُ بدورِ مَلـكٍ يحاول توزيع الأرْزاق على ثلاثتهم ،
لأَهُمَّ بعدها بالذهاب لأبْعدِهُم عني
لأنَني رَمقتُ سائِقيها وهم يُدَنْدنُونَ بصوتِ المسجل لكي يُعلِموا طالبات المدارس
وكلَّ الشارع العريض عن إعجابهم بمصطفى كامل ومطربٌ شعبي يغني "دزيتلك دزلي" في وجْه صباحٍ فيروزيٍّ تماماً
وصلت إليه وإذا به يرمُقَني بابتسامةٍ المنتصر المنتشي
قَبل أن يُسمعني عباراتٍ تتوَعَدُني بإغلاق بابِ سيارته المتهرئة بليونة ويُسر
تَلصصتُ بكل ازدراء وجلست خَلفَه مباشرة
ما إنْ وطأتُ برأسيَ ليميني لأرَى طفلة في عُمر انفطامها
تجلس فوق والدتها وتلاحقني بنظراتٍ مَزجت الاستغرابَ والاستهجانَ والفضول البريء
حاولت جاهدا أن أبتسمَ لها لكي أَهربَ من سطوةِ رِماحِها التي باتَتْ أقرب للرعب مِني
شدَّني السائقُ من ذلك المشهد حين تحرَّشت
سيارته بأحد المَطبات الصناعية على غفلة من أمرهِ
وأخذَ في الصفير بصوتٍ يتوعَّدُ فيه نَفسه وهو يُحاول أن يشرحَ لجميعُنا
كم أَنْفَق وكم يُنفقُ وكم سيُنْفِقُ على سيارته
وبدأَ بحديث جميع السائقين الاعتياديِّ عمَّا يُلاقوه من
ويلاتٍ وآهاتٍ في أسعارٍ ليست بأدنى اهتمام أيِ منّا
طرفتُ بعيني نحو تفاصيلٍ صديقَتي الجديدة بجانبي
ولا زالتْ الجميلة تحاولُ فكَّ لغزَ هُويَتي بنظراتِها
اجتهدتُ لأبتسمَ وأخيراً فَعلتُها
وأُفاجأُ بحديث أُمها عن مرَض ابنتها وعن يأْسها من زيارة الأطباء
تعللت لسيدتي بأنَّ الله لا ينسى عبداً
وحاولتُ تذكيرَ نفسي بأن الله لا ينسى عبداً
في هذه الأثناء حاولتُ أن أَدفع بيدي حول جيبي
لدفعِ أجرةَ السائق لأثنيه عن الاستمرار في حديثه عن سيارته وتكاليف إصلاحِها مع الراكب الذي يجلس بجانبه
صمتَ لوهلةٍ ثم أَكمل بحماسٍ شديدٍ بعد أن تراءى نظراتِ
شرطةِ المرور التي يوزّعُونها عليهم في كل صباحٍ مشرقِ ويتوعدونَهم فيها إذا ما أخطأ أحدهم الكِتاب
وصلْنا بعد فترةٍ إلى حيث نصلْ قبل أو بعدَ كلِّ يومٍ مرهق
وحين نَزلتُ ، تمنَّيتُ لو أنَّني فضَّلتُ مصطفى كامل على أسعارِ قِطع غيار السيارات
ذَهبتُ بعيداً وإذا بِي على حافةِ ذلك اليوم الاعتيادي جدا
أمام ذلك المبنى
أخطو فأبحث عني
أُوصِدُ نفسي في ميزان الواقع
أتعثرُ في ميادينَ الأملْ
فأُشاهدُ حياةً كما لم أتمنى أن تكون
لأُفاجأ بأن أحلامَ العجائب في بلادِ " أليس " لا يمكن أنْ تَدوم
لأنْ حلمٌ لا يلامسُ واقعاً ،
ينأى بصاحِبَهُ في دوَّامَات اليأسِ ،
ويُصبحُ بعد فترةٍ ليست بوجيزة ينشد في كلِّ صباحٍ عنوانٌ لمرحلتِه الجديدة ، قلما بحث عنه ،
عنوانٌ تراءى لهُ دوماً في صَفحتِه دونَ أنْ ينصِتَ لأنينه،
دونَ أنْ يجدفَ أبعادُه ،
دونَ أنْ يٌرَمِزَ تفاصيله
فيُحاول أن يُمجَده
وكأنّه يوأد أجملَ سنينَ عُمره معه
في مقبرة ذكرياتِه
ومازال يردد عُنوانَه الحَزين
.:. بؤسٌ لا أَكثرْ .:.
------------------------------------------
إسقاطْ يوميَّاتْ رجل ، أهرَتْ أنامِلَهُ الدروب
أحمد خالد عاشور
#أحمد_خالد_عاشور (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟