جورج حداد
الحوار المتمدن-العدد: 3435 - 2011 / 7 / 23 - 14:30
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ انفجار الازمة المالية والاقتصادية العالمية في 2008، والنظام الرأسمالي العالمي يتخبط اكثر فأكثر في مستنقع هذه الازمة المستعصية. ويعود انفجار الازمة الى اسباب رئيسية عديدة اهمها:
ـ1ـ النهب الفظيع الذي تتعرض لها بلدان الاطراف (اي غير المتروبولات الامبريالية) عبر القروض ومقص الاسعار وانظمة الضرائب وقوانين التجارة الدولية المفصلة على قياسات مصالح الدول الامبريالية. وهو ما يؤدي الى الافقار الفظيع لجميع شعوب بلدان الاطراف واضعاف قدرتها الشرائية والخلل غير القابل للاصلاح في الميزان التجاري بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة.
ـ2ـ تضخم "اقتصاد الظل" او "الاقتصاد الرمادي" (اقتصاد الجريمة المنظمة، والفساد، والتهريب، والتزوير وتجارة الرقيق، وتجارة المخدرات، الخ) وتفوقه على الاقتصاد الانتاجي الكلاسيكي. وما ينتج عن ذلك من الافقار المتزايد والمتسارع وإضعاف القدرة الشرائية للجماهير العمالية والشعبية الكادحة في جميع البلدان الرأسمالية.
ـ3ـ صراع الضواري فيما بين التكتلات المالية الاحتكارية في المتروبولات، للسيطرة على الاسواق المالية وشبكات وقنوات التجارة العالمية.
ـ4ـ الانفاق الاسطوري على اجهزة بيروقراطية الدول الامبريالية وخصوصا اجهزة القمع والتجسس والتسلح والجيوش الجرارة، والحروب الظالمة التي تشنها الدول الامبريالية بزعامة اميركا على البلدان الاخرى من اجل فرض هيمنتها الدولية. (تدعي ادارة اوباما ان الحرب على افغانستان والعراق كلفت الخزينة الاميركية 1،0 تريليون دولار. ولكن بعض الخبراء، بما في ذلك خبرا البنك الدولي يقدرون تلك النفقات بـ 3،7 تريليونات دولار).
كيف تعمل الان الادارة الامبريالية الاميركية والاوروبية لحل الازمة المالية والاقتصادية العالمية؟ ـ يتضح اكثر فأكثر انها تعمل لحل الازمة في الاتجاهين التاليين:
الاول ـ الافقار والمزيد من الافقار للبلدان الاطرافية، ونهبها واخضاعها كما في اليونان ولبنان، و"تنظيم" افناء شعوب بكاملها عن طريق المجاعات، كما في الصومال واثيوبيا، والامراض الوبائية، كما يجري في كل افريقيا، واستخدام الاسلحة المحرمة التي تجعل الاراضي غير صالحة للزراعة وتهديد الاجيال القادمة كلها، كما في العراق، والعزل والنبذ الكامل والموت البطيء، كما في افغانستان، والحصار والقتل اليومي، كما في غزة.
والثاني ـ تقليص الانفاق العام وفرص العمل والصناديق الاجتماعية في البلدان المتروبولية ذاتها. اي: "الاحتكاريون ينهبون ويكافأون، والجماهير العمالية والشعبية الكادحة تدفع الثمن".
ولنلق نظرة خاطفة على الطرق التي تعالج بها الادارات الامبريالية الازمة المالية والاقتصادية العالمية:
XXX
اعترف الرئيس الاميركي اوباما ان الميزانية الفيدرالية يمكن في وقت قريب ان تفتقد الاموال اللازمة لدفع معاشات التقاعد للمتقاعدين الاميركيين. وحذر اوباما انه اذا لم يتوصل البيت الابيض والكونغرس الى الاتفاق حول رفع سقف دين الدولة، فإن دفع معاشات التقاعد سوف يتوقف، كما اذاعت وكالة "فوكوس" الاميركية.
ان المتقاعدين، والمعاقين والمحاربين القدماء، الذين يحق لهم تلقي مرتبات، يمكن ان لا يحصلوا على الاموال الخاصة بهم بدءا من 3 اب القادم. "لا يمكنني ان اضمن انه سيتم اصدار الشيكات في 3 اب، اذا لم نتوصل الى الاتفاق على هذه المسألة. فالخزنة يمكن ان لا يبقى فيها اموال". هذا ما قاله اوباما في مقابلة مع تلفزيون CBS.
ومن جهة ثانية وافق مجلس النواب ذو الاغلبية الجمهورية على مشروع قانون يتوجب بموجبه تخفيض النفقات الفيدرالية بمبلغ 6 تريليونات دولار وان يتم ادخال تعديل في الدستور لاجل ايجاد ميزانية متوازنة، كما جاء في وكالة اسوشيتد برس. وقد أقر هذا التدبير في مجلس النواب الاميركي بأغلبية 234 صوتا "مع" مقابل 190 صوتا "ضد". ولكن هذا المشروع قانون هو في الحقيقة ذو قيمة رمزية، لانه من المؤكد ان يتم رفضه من مجلس الشيوخ، اما الرئيس اوباما فقد هدد بأن يضع فيتو على هذا القانون.
واعلن الديمقراطيون ان هذا القانون الذي يقتضي القيام بتقليص الوظائف وتحديد المصاريف سوف يلحق الضرر بملايين الاميركيين، الذين يعتمدون على الضمانات الاجتماعية، والبرنامج الصحي "مديكير" وغيره من برامج المساعدات الاجتماعية. وفي وقت سابق كان اوباما وعدد كبير من السيناتورات الجمهوريين قد عبروا عن تأييدهم للبرنامج الذي تمت الموافقة عليه من قبل الحزبين حول تقليص العجز في الميزانية، والذي يقتضي زيادة الضرائب بمقدار 1 تريليون دولار. وقد حيت اوساط الاعمال في وولستريت التسوية التي تمت حول رفع سقف دين الدولة.
وخلافا لليونان، التي هي قريبة من الاعلان عن العجز الجزئي عن الدفع، فإن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على عقد صفقات قروض بفوائد جيدة نسبيا. هذا ما اشار اليه الرئيس باراك اوباما امام نواب الكونغرس، كما نقلت وكالة رويترز. ولكنه اكد ان الوضعية يمكن ان تتبدل، اذا لم يوافق الكونغرس على رفع سقف الدين الخارجي لاميركا.
ودعا اوباما النواب الدمقراطيين والجمهوريين الى تطبيق خطة متوازنة، من اجل التوصل الى اتفاق حول المسألة. ويخضع موضوع سقف الدين الخارجي الى نقاشات جدية، اذ ان الجمهوريين يضعون شروطا صعبة امام اوباما، مثل تقليص النفقات الاجتماعية.
وفي تصريحه الاذاعي الاسبوعي قال اوباما "من الضروري وجود خطة متوازنة، وتنازلات متبادلة وارادة، من اجل القيام بخيارات غير شعبية من قبل كل من الاطراف، للتوصل الى الاتفاق. وهذا يعني ان يتم تقليص الانفاق على البرامج الداخلية، وعلى برامج الدفاع... وان يتم الغاء بعض التسهيلات الضرائبية على الفئات الاكثر غنى". وحذر اوباما الجمهوريين من انه يجب التوصل سريعا الى الاتفاق حول رفع سقف الدين، حتى لا تصل الولايات المتحدة الى لحظة الاعلان عن العجز عن الدفع.
ويذكر ان العهود الاميركية المتعاقبة منذ اواسط القرن الماضي الى اليوم عمدت الى رفع سقف الدين العام الاميركي 70 مرة، منها 7 مرات في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن. وسقف الدين العام الان هو محدد بقانون، ويبلغ 14،3 تريليون دولار، وهو ما يعادل 69% من الدخل القومي القائم. وفي اواسط ايار الماضي وصل الدين العام الى اقصى نقطة مسموح بها. ووزارة المالية لا تستطيع على الدوام ايجاد حلول موقتة، وقد دعت الكونغرس للتصويت على رفع السقف بمعدل 2،3 تريليون دولار جديدة.
XXX
هذا في عرين الرأسمالية العالمية من حيث انطلقت الازمة المالية والاقتصادية العالمية قبل اكثر من سنتين؛ اما في المقلب الآخر من المحيط الاطلسي فإن رئيس اللجنة الاوروبية جوزيه مانويل باروزو وصف الوضع بأنه صعب للغاية بسبب ازمة الديون الاوروبية، وحذر من انه في حال فشل القمة الاوروبية في ايجاد الحلول فإن ذلك سيجد انعكاساته الدولية؛ كما جاء في وكالة فرانس برس.
وفي مؤتمر صحفي عقده بمناسبة اجتماع القمة الاوروبية في بروكسل قال باروزو "لا ينبغي لاي كان ان يداخله الوهم ـ ان الوضع هو خطير جدا"، واكد انه ينبغي على القمة الاوروبية ان تجد الحلول لمنطقة اليورو. ودعا القادة الاوروبيين الى اتخاذ خطوات ملموسة من اجل ضمان الاستقرار في منطقة اليورو، كما جاء في وكالة الانباء البلغارية. ونقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية قوله انه ينبغي على الاقل ان يكون هناك وضوح في التدابير المتوقع اتخاذها لاجل تأمين الاستقرار في اليونان.
وابدى المستثمرون والخبراء الماليون تخوفهم من انه اذا لم تتم السيطرة على الازمة دفعة واحدة وفي الوقت المناسب، فإنها يمكن ان تنتقل الى بلدان اكبر، كايطاليا واسبانيا، ويمكن ان تتحول الى اكبر ازمة تشهدها منطقة اليورو منذ تأسيسها قبل 12 عاما.
وفي الوقت نفسه سجلت اسعار المواد الاساسية، كالذهب مثلا، ارتفاعات قياسية، وقوت الشعور بالخطر، والضياع والعجز. وقد خمد بسرعة التفاؤل الذي ابداه البعض، بعد الاطلاع على المناقشات التي جرت بين المستشارة الالمانية انجيلا ميركيل والرئيس الفرنسي ساركوزي، حول القرارات المرتقبة بخصوص ازمة الديون اليونانية.
" لا تتوقعوا عروضا عادية في اللقاء المتوقع، كل شيء يتعلق بعملية يمكن السيطرة عليها، ومن الضروري القيام بخطوات وتدابير اضافية، التي من شأنها حل المشكلة، والامساك بها من جذورها. وهذا يعني القيام بصفقة لتخفيض الدين ورفع قدرة المزاحمة"، كما قالت ميركيل.
وهذا التعليق الرصين والخالي من العواطف لميركيل، التي تقف على رأس الدولة الواهبة الاكبر في الاتحاد الاوروبي والموزعة الاكبر لاموال المساعدات، لم يفعل سوى صب المزيد من الزيت على نار مخاوف المستثمرين، مما اسهم في تراجع مواقع اليورو امام الدولار. اما التشاؤم حيال قدرة القادة الاوروبيين على ايجاد حل دائم لازمة الدين اليونانية، فقد تحول الى مزاج سائد في منطقة اليورو.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب لبناني مستقل
#جورج_حداد (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟