أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد جمعة - أولُ البيوتِ وأولُ الذاكرة قصة قصيرة














المزيد.....

أولُ البيوتِ وأولُ الذاكرة قصة قصيرة


خالد جمعة
شاعر ـ كاتب للأطفال

(Khaled Juma)


الحوار المتمدن-العدد: 3402 - 2011 / 6 / 20 - 18:29
المحور: الادب والفن
    


المدخلُ من زنبقٍ وماء، أولُ البيوتِ وأولُ الذاكرة، وأنا أحلمُ أحلمُ أحلمُ ثم أفيقُ على حلمٍ نابتٍ في حلمٍ كأوراقِ الشجرِ الكثيفِ جوارَ النافذة، والشارعُ المجاورُ بحيطان من كلمات الجيران الودودين، وجارتنا المتمدنة حديثاً والتي لا يمكنها النوم من زقزقة عصافيرِ أخي في أقفاصِها، تقفُ على الشبّاكِ دائماً لتنتقدَ شيئاً ما.

أختي التي لم تبلغ بضعة أشهر بعد، ممددة على السرير الوحيد في الغرفة بقماطِها الغريب، وأمي تجلس بوجه حزين وغاضب، وأنا ممدد بين النوم والغيبوبة.

ـ شو إسمو هادا الصغير؟
ـ هذي بنت اسمها تغريد
ـ تغريد البولبول

الجندي الذي يتحدث العربية مثل بقية الجنود، يتفلسف، يحاولُ أن يكونَ لطيفاً وهو يخبرُ أبي أنه يمنحنا فرصة حتى الساعة الثانية عشرة ظهرا، كي ننقل ما يمكننا نقله من البيت، استعداداً لهدمه...

أرى الجرّافةَ بوضوحٍ تحاصرُني فأهربُ خلفَ الجدارِ فتأكلُ الجدارَ وهي تضحكُ، فألجأُ إلى شجرة الذرة الصغيرة فتخرجُ الجرافة دخاناً أسود يلتصق بوجهي ويقتل الشجرة، أفرًّ أفرُّ والفراغُ يضيقُ أمامي كصندوق أحذية، وأقفُ كفأرٍ مذعورٍ أراقبُ الآلة الصفراء وهي تخمشُ البيتَ كقطعة بسكويتٍ صغيرة، البابَ، المطبخَ، غرفةَ جدي، غرفةَ أبي، غرفتي المشتركة مع أخويَّ، ساحةَ الدار، حجراً حجراً، أرى ولا أرى، أقتربُ قليلاً، هذه لعبتي التي فقدتُها منذ أيام في زاوية الغرفة، أريدُ الانطلاقَ كي أخلصها من زاوية الغرفةِ الباقية، يمسكُ بي جنديٌّ كقطٍّ مبلولٍ وأجرب ويلقي بي بعيداً بحركةٍ واحِدةْ فيما الآلةُ الصفراء تفرمُ لعبتي بين خطوطِ عجلاتِها، تلتصقُ اللعبةُ بمطاطِ العجلة الهائلة، وتدورُ معها صاعدةً وهابطةً ومُهانةً ومدماة، من لديه الوقت لينقذ لعبةً والبيتُ يُفرَمُ مثلَ قطعةِ لحمٍ تحت ساطورْ؟

لا لا، هذا حُلُمْ، علمتني أمي مرةً أن أقرصَ نفسي في الحلم كي أفيقَ إذا كانت تفاصيلُهُ مزعجة، ما هذا الحلمُ الغريبُ الذي يرفضُ أن يغادر، لا بقرصة، ولا بعضّةْ ولا حتى بالمسمار الذي جرحتُ بهِ نفسي؟

هناكَ أحلامٌ تدومُ طويلاً حتى نتخيَّلَ أننا لا يمكن أن نصحو منها، وتكملُ الآلةُ الصفراءُ مهمَّتَها، سائقُها دونَ ملامح، كأنّهُ قطعةٌ منها، يروحُ ويجيءُ بمهارةٍ ميكانيكية، يصلُ الحائطَ الذي يفصلُ بيتنا عن بيتِ عمي، حائطٌ قصيرٌ كانَ ينقلني عمي عبره حين أنام في بيتهم بينما ألعب مع إبنهم، بمجرّدِ ضربةٍ غير مخططة يسقطُ الحائطُ مع صفحةِ ذكريات.

أريدُ أن أبكي، لم يعد الأمرُ حُلماً، ما كانَ بيتاً أصبحَ بقعةً من الفراغِ المشوّه، فيما تبرزُ أحجارُ الأساساتِ كأيدٍ لأجسادٍ بقيتها تحت التراب، أنادي الله الذي قال لي أبي أنه يستجيبُ لدعاءِ الأطفال، أنادي جمال عبد الناصر، ولكنه مات قبل شهور، أنادي عمي الشهيد محمد، وعمي الشهيد عبد القادر، لكنهما لا يسمعان، أنادي كل من حفظت أسماءهم، أصرخُ أصرخُ أصرخُ، وصوتي لا يخرجُ، وذاكرتي تنمحي كشمسٍ تغطس في البحر، لم يعد فيها إسم ولا شكل ولا زمن ولا مكان، أنا فارغ كهاوية، لم أعد أتذكر اسمي، لم أعد أرى شيئا، ولم أعد أراني.

20حزيران 2011



#خالد_جمعة (هاشتاغ)       Khaled_Juma#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في مروري على الرمل
- ويحدث أن
- مجنون، أحب غزة ورقص في ساحاتها
- قليلٌ مما ستقولُهُ غزة عما قليل
- حكاياتٌ من بلادٍ ليستْ على الخارِطةْ
- حليمةُ تُعِدُّ الشاي
- أسرارٌ للمعْرِفَةْ أو مدينةٌ للتجربة
- مَنْ هذا؟
- حِيْنَ يَأْخُذُكِ النُّعَاسُ
- رجلٌ وامرأةٌ وصباحٌ لا يمكنُ تفسيرُهُ
- الأَرْنَبُ الَّذي لَمْ يُعْجِبْهُ اسْمُهُ قصة للأطفال
- كي لا تُحبَّكَ الغجريَّةُ
- برافو قناة الجزيرة
- أمُّهُ قبل الفجر تماما
- قلتُ: وحّد مزاجك
- أيها الكافر محمد بوعزيز
- أسيل وحيدا وحيدا
- أما أنا فسأشاهد فيلما لجاك نيكلسون ولن أتذكر الحرب مطلقا
- لأنَّكِ حبيبتي أنا من أنا
- وسأدّعي أنه النوم


المزيد.....




- RT ترصد كواليس صناعة السينما الروسية
- Babel Music XP : ملتقى لصناع الموسيقى في مرسيليا
- الإعلان عن نجوم أفلام السيرة الذاتية القادمة لفرقة -البيتلز- ...
- جو سميز: النظام الانتخابي الأميركي مسرحية وهمية
- نظرة على مسيرة النجم السينمائي فال كليمر الذي فارق الحياة مؤ ...
- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد جمعة - أولُ البيوتِ وأولُ الذاكرة قصة قصيرة