منذر مصري
الحوار المتمدن-العدد: 1005 - 2004 / 11 / 2 - 09:22
المحور:
الادب والفن
( هدايا البخيل ) عنوان القسم الثاني من كتابي. وهو برأيي واحد من أضعف أقسامه، إن لم يكن أضعفها إطلاقاً. لكنه أيضاً، أجملها إطلاقاً. ويتضمن تسع قصائد متوسطة الطول، أي أن الواحدة منها لا تزيد عن صفحتين، وهذا ما تفترق به عن بقية قصائد الكتاب الطويلة نسبياً. ويلاحظ أن أغلبها يتصف بشيءٍ يشبه أسلوب الكتابة الآلية، إلا أن الوحدة هنا هي المقطع، لا المفردة كما كان السرياليون يكتبون. وهذا ما يمكن الإطلاق عليه اسم ( وحدة المقطع ) الذي يذكر بأحد أكثر الأوصاف الشائعة عن الشعر العربي القديم وهو ( وحدة البيت ). غير أني يوماً، لم أشعر، وأنا أقرأ ذلك الشعر بأن هذا يضيره في شيء. كما لم أشعر، رغم وجود هذه الصفة، بانتفاء ما يسمى ( وحدة القصيدة ) أو الخيط المعرفي والحسي الرابط بين أبيات القصيدة العربية تلك الأيام. لكني أتوقع أن يجد قارئ قصائد ( هدايا البخيل )، كما وجد مرة الراحل عاصم الجندي عندما كتب عن مجموعتي السابقة ( مزهرية على هيئة قبضة يد )، إنقطاعات، أحياناً قاسية، بين الفقرات، من ناحية الأفكار والأسلوب وأحياناً الضمائر، وخاصة أني قد تقصدت شيئاً من هذا، وحرصت ألا أقيم صلات وصل بينها باستخدام أدوات العطف والتفسير أو الاستدراك . آملاً أن تستطيع بنفسها إقامة هذه الصلات والروابط بينها، في النص أولاً لتحقق له بدوره بعض وحدته، وفي حس القارئ وذهنه، ثانياً، على ذات النحو الحسي والذهني الذي أنساقت به إلي وكتبتها. إلا أن بعضها أيضاً مكتوب بالأسلوب السردي المعروف عني مثل ( وَلَكِن هَل يُوجَدُ عاجٌ أَسوَد ! ) وإلى حد ما ( أُقَطِّرُكِ ماءَ نِساء ) .
2- هَدايا البَخيل
ـــــــــــــــ
- ( أُقَطِّرُكِ ماءَ نِساء )
أُقَطِّرُكِ ماءَ نِساء
دَمعَتَين
الأُولى تَسقُطُ عَلى
غِطاءِ الطَّاوِلَة
الثَّانِيَة
في كُوبِ الحَليب .
/
أُخبِّئُكِ في دُرجٍ
أَنساكِ دَهراً
ثُمَّ وأَنا أَبحَثُ عَن شَيءٍ
ولا أَجِدُه
تَقَعُ عَلَيكِ
عَيناي .
/
أَقُصُّ بَقيَّةَ الأَشخاص
مِن صُورَتِكِ
وأُحيطُكِ
وَحدَكِ
بفَراغٍ واسِعٍ أَبيَضَ
ثُمَّ أُلصِقُكِ عَلى السَّقف
تَماماً
فَوقَ
وِسادَتي .
/
أَغرِسُكِ لِوَسَطِكِ في أَصيص
وعِندَما تُزهِرين
أَقطُفُكِ
مَع غَيرِ قَليلٍ مِنَ السَّاق
وأَضَعُكِ في مَزهَريَّة
أَعطَشُ
فأَشرَبُ
كُلَّ
مائكِ ..
ـــــــــــــ 6-4-1995
- ( بَعدَ أَن أَضحَكتُكِ الآنَ أُبكيكِ )
- إلى نَجيب عَوَض
في دُرجِ طاوِلَتي
أَقلامٌ كَثيرةٌ لا تَكتُب
ماذا أَفعَلُ بِها ؟
( ارمِها ...
الأَقلام
تَنسى
الأَوراق
تَذكُر ) .
/
أَيَّةُ أَذيَّةٍ إذَن
في كَونِكِ وَرَقَة
أَنا
كَقَصَبَة
جَفَّ فَمي .
/
لا شَيءَ يَعتَريني
سِواكِ
عَلى النَّافِذَة
يَخفُقُ
بَطني .
/
وهَكَذا يَتَدَرَّجُ
صاعِداً في الصُّعوبَة
المَوت
ثُمَّ العَيشُ
بِدُونِكِ
ثُمَّ
حُبُّكِ .
/
بَعدَ أَن أَضحَكتُكِ
الآن أُبكيكِ
كَمُهَرِّجٍ
حَقيقي ..
ــــــــــــ 18-4-1995
- ( السِّرُّ هُوَ أَن نَبقى جائعِين )
أَستَطيعُ أَن أَختارَ لِلوُصولِ إليكِ
طَريقاً طَويلاً
لِتَمكُثي في انتِظاري زَمَناً
لا قُدرَةَ لَكِ فيه
أَن تُسَرِّي عَن نفسِكِ بِأَيِّ شَيءٍ
ولأَنَّنِي أُحِبُّكَ
لا آتي .
/
أَرسُمُ قَلباً وَأُطلِقُ عَلَيهِ
مِن مَسافَةٍ قَريبَةٍ
سَهماً
فأُصيبُه
بِجُرحٍ سَطحي .
/
ماذا يُولِمُ
رُهبانُ الدَّير
عَلى مائدَةِ الأَحَد ؟
...
أَطباقٌ مِن حَشائشَ بَرِّيَّة
وحُبوبٍ مَسلوقَة .
/
تَطلُبينَ مِنِّي كُوباً مِنَ الحَليب
فَأُحضِرُ لَكِ
كُوباً مِنَ الماء
السِّرُّ هُوَ أَن
أُبقيكِ
جائعَة ..
ـــــــــــــ 29-4-1995
- ( مَعَكِ أَخافُ الوُضوح )
عِندَما زَعَمتُ قائلاً :
( أَستَطيعُ أن أُؤَمِّنَ لَكِ
أَيَّ نَوعٍ مِن العَتَمَةِ تَشائين )
طَلَبتِ مِنِّي أَن
أُطفِئَ الشَّارِع .
/
الضَّوءُ الَّذي يَتَخَلَّلُ السَّتائرَ المُسدَلَةُ
يَكفي
لِتَريني كَما أُحِبُّ دائماً
أَن تَريني
أَنظُرُ إلى لا شَيء
بتِلكَ النَّظرَةِ الغائمَة
الَّتي يُخفي بِها جَفناي
نِصفَي
بُؤبُؤي عَينَيّ .
/
الكَثيرُ مِنَ التَّفكيرِ بي
لَيسَ لِصالحي
لِذا حِرصاً مِنِّي عَلى
تَشتيتِ انتِباهِكِ
نَسَيتُ عَلى وِسادَتِك
مِشطيَ المُفَرَّم
ومِرآتيَ الصَّدَفيَّةَ
بِحَجمِ كَفِّ طِفل .
/
مَعَكِ
أَخافُ
الوُضوح ..
ــــــــــــ 13-5-1995
- ( أَلمُسُ خَدَّكِ بإصبَعٍ يَرتَجِف )
الكَذِبُ لَيسَ سَهلاً
لَكِنِّي أَكذِبُ بِسُهولَة
وحُجَّتي
أَنِّي أُريدُ أَن أَقولَ لَكِ
الحَقيقَة
بِطَريقَتي الخاصَّةِ في التَّعبير .
/
وأَيضاً لأَنَّهُ يُبَرِّئُني
أَن أَتَّهِمَ
جَمالَكِ
بأَنَّهُ سَبَبُ كُلِّ شَيء .
/
كَأَن يَخطُرَ لي وأَقول :
( لِتَعرِفي كَم أَنا
يائس
انظُري إلى المِرآة
كَم أَنتِ
جَميلَة ) .
/
دَوائرَ دَوائرَ
تَمَوَّجَتِ المِرآة
حينَ رَمَيتِ عَلَيها
نَظرَتَكِ .
/
كإصبَعٍ مُرتَجِفٍ
يَلمُسُ
صَفحَةَ خَدّ
وَجهُكِ
يَرُجُّ
عَلى
مَائي ..
ــــــــــــ 25-5-1995
- ( وَلَكِن هَل يُوجَدُ عاجٌ أَسوَد ! )
أَوراقٌ مَن مُفَكِّرَةِ الحائط
كَتَبتُ عَلَيها خَواطِري اليَوميَّةَ عَنكِ
ورَسائلُ مُسهَبَةٌ حَولَ كُلِّ شَيء
لا أَظُنُّكِ أَكمَلتِ قِراءَةَ واحِدَةٍ مِنها
وعِدَّةُ كُتُبٍ
أَمَلتُ يَوماً أَنَّكِ قَد تَجِدينَ فيها سَبَباً ما
تُحبِّينَني لأَجلِهِ
وأَشياءُ أُخرى لا تَستَحِقُّ الإهداء
ما كُنتُ أُصَدِّقُ
أَنَّكِ تَحتَفِظينَ بِها .
/
( إنَّها الأَشياءُ ذاتُ المَعنى )
قُلتِ : ( وَهَيَ الأَهَمّ )
مُفَسِّرَةً لِماذا لَم تُعيدي
النَّظَّاراتِ الشَّمسِيَّةَ والمُسَجِّلَة
والعِقدَ الهِندي مِنَ العاجِ الأَسوَد
عَلى أَنَّكِ حينَها
لَم يَصِل كُرهُكِ لي
لِهَذا الحَدّ .
/
لَكِنَّكِ
وبَعدَ وَقتٍ لَيسَ بِطَويل
أَعَدتِ النَّظَّاراتِ والعِقد
وزُجاجَةَ عِطرٍ نِصفَ فارِغَة
كُنتُ قَد نَسيتُ أَنِّي قَدَّمتُها لَكِ
والمُسَجِّلَةَ وَمَعها مَجموعَةُ شَرائط
بَعضُها
لَيسَ مِنِّي .
/
لَو كُنتُ أَعلَمُ
أَنَّكِ سَتُعيدينَ لي
كُلَّ هَداياي
لأَهدَيتُكِ أَشياءَ ثَمينَةً
بالفِعل ..
ــــــــــــ 11-6-1995
- ( طَريقٌ طَويلٌ قاحِل ... بِجانِبِكِ )
نَقيضُ كُلِّ ما كُنتُ أَدَّعيه
أُحِبُّ الأَشجار
عارَيَة
كَما
النِّساء .
/
لَم أَجِد مَكاناً لائِقاً
أَضَعُ عَلَيهِ حِذاءَكِ
سِوى
وَجهِ الطَّاوِلَة .
/
إلى مَتى أُرجِئُ اليَومَ إلَى
الغَد ؟
لأَنَّ البارِحَةَ
كُنتُ أَتَلَهَّى قائلاً :
( ما أَجمَلَهُ
طَريقاً طَويلاً قاحِلاً
بِجانِبِكِ )
وَعِندَما أَصِل
كُنتُ أَجِدُ عَدُوِّيَ الرَّبيع
قَد سَبَقَني .
/
عَلَيَّ أَن أَراكِ اليَومَ
غَداً أَكونُ
كَبِرتُ يَوماً آَخَر .
/
أَ لَستِ مَن حَكَمَ عَلَيَّ
أَن لا آتيَ أَبَداً
خَيرٌ مِن أَن أَصِلَ
مُتَأَخِّراً ..
ــــــــــــ 14-6-1995
- ( يَدُ الإخفاء )
كُلَّما وَضَعَ فَوقَ بُقعَةِ الظِّلِّ
يَدَهُ
قَفَزَ الظِّلُّ
وأَلبَسَها قُفَّازاً .
/
أَ يُّهُما تُفَضِّلُ ؟
أَن تَكونَ مَعَكَ
تُفَكِّرُ بِرَجُلٍ آخَرَ
أَم أَن تَكونَ مَع رَجُلٍ آخَر
تُفَكِّرُ بِكَ .
/
إنَّهُ يَتَظاهَر
بِأَنَّهُ يَتَظاهَر
بِأَنَّهُ
يَهتَمُّ بِها .
/
هُوَ لا يَكتُبُ عَنها
عَلَى الوَرَق
هُوَ يَرتَمي عَلَيها
عَلَى الوَرَق .
/
أَكثَرُ ما سَوفَ تُحِبِّينَهُ بِي
أَنَّهُ عِندَما
تَرفَعينَ عَنِّي
يَدَكِ
أَختَفي .
/
يُدُكِ
يَدُ
الإخفاء ..
ـــــــــــــ 2-7-1995
- ( هَدايايَ لا تُصيبُ مُناسَباتِكِ )
لا تُقَرِّعيني
مَهما آذَيتُكِ
أَ لَيسَ هُوَ حُبَّاً
أَن أَجعَلَ غِيابَكِ
قاسِياً
عَلَيكِ أَيضاً .
/
رَأَيتِ بِأُمِّ عَينَيكِ
ماذا فَعَلتُ بِزَنابِقِكِ !
رَميتُها
بِلا مُبالاة
في مِنفَضَةِ السَّجائر .
/
هَدايايَ طائشَة
أَبَداً لا تُصيبُ مُناسَباتِكِ
أَقولُ كَلِماتٍ لا رابِطَ بَينَها
وأَقومُ بِحَرَكاتيَ المُضحِكَةِ ذاتِها
وأَنا أُقَدِّمُ لَكِ هَدِيَّتي
في عِيدِ مِيلادِكِ
...
أَن أَترُكَكِ .
/
رَبَطتُ في خاتِمَةِ رِسالَتي
ثَلاثَ زَهراتٍ بَنَفسَجيَّة
حِكتُها عَلى شَكلِ
قَوسِ حاجِبِكِ .
/
كَرَمُكِ
يَقطُرُ مِن يَدَيكِ
هَدَايايَ
يُغلِّفُها
بُخلي ..
ــــــــــــ 16-7-1995
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع الحلقة ( 4 من 8 )
#منذر_مصري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟