أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد منصور - من قصص المعاناة الفلسطينية .. يوم في حياة موظف















المزيد.....

من قصص المعاناة الفلسطينية .. يوم في حياة موظف


خالد منصور
عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني


الحوار المتمدن-العدد: 1002 - 2004 / 10 / 30 - 03:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أنا خالد منصور، ابلغ من العمر 45 سنة ، فلسطيني من سكان مخيم الفارعة ، متزوج وأب لاربعة أطفال ، اعمل مديرا للإغاثة الزراعية الفلسطينية في محافظة نابلس ، ومقر عملي الرسمي يقع داخل مدينة نابلس ، الأمر الذي يتطلب سفري الدائم من مكان سكني في مخيم الفارعة إلى مكان عملي ومكتبي داخل المدينة ... طول الطريق الواصل بين سكني ومكتبي هو 17 كم ، وكانت بالعادة تستغرق 20 دقيقة سفرا بالسيارة .
لكن منذ شهر آب عام 2001 ، لم استطع استخدام سيارتي الخصوصية في الوصول إلى المدينة، وذلك بسبب الإغلاق التام لجميع الطرق والمداخل المؤدية للمدينة ، وذلك كنت اضطر لركوب السيارات العمومية ، التي استبدلت الشوارع الرئيسية المسفلتة بالطرق الجبلية الوعرة كي تتخطى الحواجز ، وتنجح بالدخول للمدينة ، وهو الأمر الذي يكلف الراكب مبالغ باهظة جدا ،أي انه يعني حوالي 10 أضعاف الأجور السابقة ، وبدل العشرين دقيقة اصبح الوصول إلى العمل يحتاج إلى حوالي ساعة ونصف ، وفي شهر أيار عام 2002، وبعد الاجتياح الشامل للمدينة ، شددت قوات الاحتلال من إجراءات الحصار والإغلاق ، واحكمت قبضتها ، بحيث منعت جميع السيارات من دخول المدينة ، الأمر الذي جعل المواطنون يسيرون على الأقدام لآلاف الأمتار عبر الطرق الوعرة ، كي يستطيعوا الوصول إلى أعمالهم أو لقضاء حاجاتهم ، وبدأت أنا يوميا اركب بالسيارة لمسافة تزيد عن 35كم ، ثم أسير على اقدامي ما يزيد على ثلاث كيلو مترات كي اصل إلى داخل المدينة ، وهذا يستغرق حوالي ثلاث ساعات وفي كثير من الأحيان تكون دوريات الجيش الإسرائيلي من مشاة ودبابات موجودة على مداخل المدينة ، ويحولوا دون دخول المواطنون إليها، أو انهم يقوموا باحتجازهم لساعات طويلة ، من رجال أو نساء أو شيوخ أو أطفال ، وحتى المرضى لم يكونوا ليسلموا من إجراءات الجيش ، ومن المعروف أن نابلس هي اكبر مركز تجاري في الضفة الغربية ، وترتبط بها حياة جميع سكان القرى المجاورة تجاريا وصحيا وتعليميا .
وسأسرد الآن ما حصل معي يوم الأحد -- 10112002 -- ::: --
في ذلك اليوم توجهت من مكان سكني الواقع في مخيم الفارعة ، إلى مكان عملي في مدينة نابلس ،وهو يوم لا يمكن لي أن أنساه - مع انه الآن يعتبر يوما عاديا ، وتعودت على مثله ككل أبناء شعبي - فالمعاناة أصبحت أمرا روتينيا ، وتوقع الأسوأ هو ما يشغل بال كل المواطنين .
خرجت من منزلي عند الساعة السابعة صباحا ، ووصلت إلى موقف سيارات المخيم ، وسألت السائقين كالعادة عن أي الطرق مفتوحة في هذا اليوم للدخول إلى نابلس ، فأجابوا أن كل الطرق في هذا اليوم نصف مغلقة ونصف مفتوحة ،أي أن دوريات الجيش متواجدة على المداخل ولكنها متحركة (تروح وتجئ) ، والدخول إلى المدينة محفوف بالمخاطر _وقد قررت أنا واربعة ركاب آخرين أخذ سيارة أجرة صغيرة ( أربعة ركاب ) كي نحاول دخول المدينة عبر طريق الباذان _الصيرفي ، وهي اقصر الطرق رغم أنها مدمرة كليا ، بسبب الحفر والخنادق التي أقامتها جرافات الجيش الإسرائيلي ، ( ولكن أصحاب السيارات يغامرون بسياراتهم لحاجاتهم للعمل , ولأن الأجرة مضاعفة ) ، وصلنا إلى قرب المدينة ، من جهة حي المساكن الشعبية ، ونزلنا من السيارة ، وبدأنا السير على الأقدام ، ولم نشاهد أي جندي إسرائيلي على مدخل المدينة ، رغم انهم كانوا يروننا وينظرون إلينا من على سطح إحدى عمارات الحي ، ولم يحاولوا منعنا ، فدخلنا الحي ولكننا لم نجد أي سيارة عمومي تأخذنا إلى مركز المدينة ، وواصلنا السير لمسافة اكثر من ثلاث كيلو مترات ، حتى وصلنا مخيم عسكر ، وكانت هناك سيارة جيب عسكرية إسرائيلية تغلق الطريق ، وتمنع سيارات الركاب ( العمومي ) من التنقل ، فتحاشينا المرور من جانب الدورية الإسرائيلية ، ثم ركبنا سيارة عمومي تنقلنا إلى منطقة عراق التايه ، عند الحد الفاصل الذي شطر به المحتلون مدينة نابلس إلى شطرين منفصلين كليا ، الشطر الشرقي حيث مخيمات عسكر وبلاطة وقرية بلاطة وقرية عسكر والمساكن الشعبية وحي الضاحية ، والشطر الغربي حيث باقي أحياء المدينة ، وعند عراق التايه نزلنا من السيارة ، لان هناك أكوام كبيرة من التراب وضعها الجيش لاتمام عملية الفصل بين الشطرين ، وسرنا على الأقدام مسافة حوالي 150 مترا ، ثم ركبنا بسيارة عمومي أخرى … وصلت إلى مكتبي الساعة التاسعة والنصف ، وكنت مرهقا جدا من السير واتصبب عرقا - رغم انخفاض درجة الحرارة نسبيا في هذا اليوم - .
ومنذ لحظة وصولي إلى مكتبي بدأت أفكر في أي طريق سأسلكها كي أعود إلى مسكني في مخيم الفارعة ، وقد نفذت كل مهماتي وواجباتي الوظيفية ، وما أكثرها حيث أن مؤسستي (الإغاثة الزراعية ) من اكبر المؤسسات التنموية ، وهي تنفذ مشاريع تغطي معظم التجمعات السكانية في المحافظة ، بل وفي معظم المناطق الفلسطينية ، وتحوز على ثقة كبيرة ومصداقية عالية ، سواء من قبل الجمهور الفلسطيني ، أو من قبل مؤسسات التمويل الأجنبية والعربية .
وغادرت المكتب حوالي الساعة الواحدة والنصف ، رغم أن الدوام الرسمي المعتاد في شهر رمضان يكون حتى الساعة الثانية بعد الظهر فقط ، ولكن بسبب حاجتي للوقت وخوفي من المفاجئات على الطرق فقد غادرت مبكرا ،واجريت الكثير من الاتصالات كي اهتدي إلى أي الطرق مفتوحة ، وقد علمت أن طريق ( الصيرفي ) مغلقة ويتواجد عليها الجيش ،وسألت عن طريق ( أل 17 ) المؤدية إلى عصيرة الشمالية وعلمت أنها مغلقة وكذلك طريق زواتا-اجنسنيا ، ولكن وعند وصولي إلى موقف سيارات بيت ايبا -- دير شرف قال لي بعض السائقين أن طريق دير شرف -- الناقورة وبيت ايبا -- الناقورة مفتوحتان ، فركبت بسيارة عمومي مع ستة ركاب من بينهم ثلاث نساء ، وسرنا باتجاه طريق بيت ايبا --الناقورة المسماة ( طريق المزبلة ) ، وعندما وصلت السيارة بنا إلى آخر نقطة تستطيع الوصول إليها ، نزلنا من السيارة ، وبدأنا السير على الأقدام في طريق ترابية وعرة ، بين أشجار الزيتون ، وكان أمامنا عدد آخر من المواطنون العائدين إلى قراهم ،المحملين بما اشتروه من المدينة لعائلاتهم ، وفجأة وإذا بعدد من الجنود الإسرائيليون يخرجون إلينا من بين أشجار ، ويشهرون سلاحهم في وجوهنا ، ويصرخون علينا بعنف وهستيريا ،ويأمرونا بالتوقف فتوقفنا ، واكتشفنا عندها أننا وقعنا بفخ وكمين نصبه لنا الجيش ، حيث جمع الجنود العشرات من المواطنون من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال ، وضمونا إلى المجموعة المحتجزة ، ثم فصلوا الرجال عن النساء ، وكان عدد الجنود ثلاثة ، يلبسون أحذية عسكرية حمراء ، واعمار اثنين منهم لا تزيد عن العشرينات من العمر ، أما الثالث فهو المسؤول عنهم (على كتفه شريطة ) فكان في منتصف العشرينات من العمر ، وكانت تقف على التلة التي لا تبعد اكثر من ثلاثين متر ، دبابة ضخمة على برجها مدفع كبير ورشاش ثقيل ، وكانت باستمرار تصدر أصواتا مزعجة جدا في محاولة لإرهابنا .
بدأت إجراءات الإهانة والإذلال ، حيث أمر الجنود جميع الرجال وحتى كبار السن برفع ملابسهم للأعلى حتى تبان ظهورهم وبطونهم ، والاستدارة حتى يتفحصهم الجنود ،وعند إكمال هذه العملية أمرونا بالجلوس على الأرض ، وكانت الساعة حوالي الثانية ظهرا ، وعلمت من بعض الرجال المحتجزين أن الجيش كان قد ألقى القبض عليهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر ، وجلسنا القرفصاء مجبرين على ارض مليئة بالأشواك والحجارة المسننة والأتربة ، وبدا الوقت يطول .. والجنود غير آبهين باحتجاجات المحتجزين .. ولم يكن بينهم من يفهم أو يتكلم باللغة العربية … وحتى لا اشعر بالملل من طول الوقت الذي لم يستطع أي من المحتجزين تقدير كم سيطول ، فقد قمت بتعداد المحتجزين مرة ومرات ، فكانوا 55 رجل ، و35 امرأة ، وثلاثة أطفال المحتجزين الصائمين ،وحتى الحمير تعبت ، وقد وقع أحدها على الأرض لانه لم يستطع الاستمرار بالوقوف محملا بالبضائع ،وعندها تقدم أحد الجنود وامر أصحاب الحمير بإنزال الحمولة عن ظهور الحمير ، واقتراب هذا الجندي من الحمار الذي وقع واخذ يربت على رأسه ويداعبه بحنية واضحة ، وأمعنت النظر في هذا الجندي ، فلاحظت الدرجة الكبيرة من الذي أبداه مع الحمير ..!! في حين انه لم يلتفت نهائيا إلى بكاء الأطفال ومناشدات أمهاتهم ، -والمضحك المبكي في الأمر ، كان أن هذا الجندي كاد يضرب أحد أصحاب الحمير ، لان صاحب الحمار ضرب حماره ( الشموص ) بعصا ، عقابا له على بعض تصرفاته ، ووصف الجندي صاحب الحمار بأنه لا يفهم وحمار اكثر من الحمار الحقيقي ( اتا خمور – باللغة العبرية ) - ، وكان التناقض الكبير والعجيب في تصرفات هذا الجندي واضح جدا ، فقد رفض السماح لامرأة وطفليها اللذين كان عمر أحدهما ثلاثة سنوات بينما لم يبغ الآخر السنة الواحدة ، - رفض طلبها ومناشدتها له بالسماح لها بإكمال سفرها إلى بلدتها رافة بالأطفال ، ولم يقبل إطلاق سراحها قطعيا ، ثم بدا الجنود يتفحصون كل أمتعة المواطنين بصورة استفزازية ، ويجبرونهم على نثر أمتعتهم على الأرض ، وكان الجنود يصرخون بوجه أي واحد منا إذا ما وقف منتصبا على رجليه – حتى ولو للحظة واحدة -- ، وكان معنا في الحجز شخص أجنبي ( وعلى ما اعتقد فقد كان كندي الجنسية ) ، أوقفه الجنود معنا ، إلا انهم وبعد ساعة ابلغوه بأنه حر وان بإمكانه مغادرة المكان ، إلا أن ذلك الشخص الأجنبي ، ولموقف إنساني عظيم ، رفض تركنا واصر على البقاء معنا حتى النهاية ، وحاولت بعض النسوة الاستفسار من الجنود عن الوقت الذي سيطلقون به سراحنا ، لكن الجنود تحدثوا بالإنجليزية وقالوا انهم هم أيضا لا يعرفون ، وبرروا سبب احتجازنا بأننا نخرق حظر التجول المفروض على المدينة ، وعندما قلنا لهم انه لا وجود ظاهر للجيش داخل المدينة ، وان الوضع بداخلها عادي ، قال الجنود إن حركة الناس هي خروج على الأوامر ، وسألناهم أيضا لماذا تسمحون لنا أو تتغاضون عن دخولنا للمدينة في الصباح ثم تقوموا بحجزنا عند المساء … لم يتفوه الجنود بحرف ، وبدأت درجة الحرارة بالانخفاض ، وكان الأطفال أكثرنا تأثرا ، وبدؤوا بالبكاء – ولم يتأثر الجنود بمظهرهم وهم يبكون - ، وعندها قام بعض الرجال بخلع جاكيتاتهم واعطوها للأطفال ، وقام الشخص الأجنبي أيضا بتقديم غطاء ( حرام ) للأطفال ، لكن .. وللحقيقة فان أحد الجنود استجاب لطلب واحدة من أمهات الأطفال وأعطاها بعض الماء لتسقي طفلها ..!! .
وبدأت الشمس بالغروب ، واقترب موعد آذان المغرب ، حيث يحتاج الصائمون للماء والطعام للإفطار ، ولكن الجنود لم يفكروا ولم يعيروا اهتماما بشهر رمضان ، ولا بالصائمين ، ولا بالأطفال ولا بالنساء ، ولا بأثر البرد القارس الذي سيلحق بالمحتجزين .
وعند سماع صوت المؤذن القادم من القرية المجاورة ، بدا المحتجزون الصائمون بالإفطار ، بتناول قليل من الماء المتوفر الذي قدمه لهم الشخص الكندي ، وافطروا على القليل من الخبز والبسكويت ، واشعل البعض سجائره ، وبعد ربع ساعة من الآذان أي في حوالي الساعة الخامسة ، جاء رجل كبير السن مشيا على الأقدام من قرية بيت ايبا المجاورة ، وكان يحمل على ظهره حوالي عشر زجاجات ماء ، ولما رآه الجنود قادما من بعيد صرخوا عليه بصوت عال كي يقف ، وصوبوا أسلحتهم إليه ، لكنه أصر على التقدم ، ورفع صوته باحتجاج واضح قائلا ( الله اكبر نحن بشر مسلمون .. نحن صائمون لله في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك ) ، وقال أيضا انه جاء ليقدم الماء للمحتجزين العطشى الجائعين ، وبدا بتوزيع زجاجات الماء على النساء والرجال غير آبه بصرخات الجنود ، ثم توجه للنسوة قائلا إن بيته مفتوح لهن إذا أردن قضاء الليلة في بيته مع زوجته وبناته بعد أن يفرج عنهن ويطلق سراحهن ، ثم غادر عائدا إلى بيته ، ولكي يتقي المحتجزون البرد فقد قاموا بإشعال النيران ببعض أغصان أشجار اللوز اليابسة التي جمعوها من مكان احتجازهم ، ولم يمانع الجنود بذلك ، رغم انهم ومع ازدياد حلكة الظلام ، طلبوا منا إغلاق أجهزة البلفونات التي بحوزتنا ، وكنت أحاول أن افهم نفسية هؤلاء الجنود .. فاقول مرة انهم أشخاص مثلنا .. وما هم إلا منفذين لأوامر تأتيهم من ضباطهم ، وان بداخلهم مشاعر إنسانية مثل باقي البشر ، ومرات أخرى وعندما كنت أراهم يمارسون أقصى أشكال القمع والتنكيل والإهانة والإذلال ، كنت اقول انهم أبدا ليسوا بشرا مثلنا ، وانهم وحوش مشربون بالحقد والكراهية والعنصرية ضد كل ما هو عربي – وإلا ما معنى حجزهم لمواطنين مسالمين أبرياء … أطفال ونساء وشيوخ … لعدة ساعات ؟! وما معنى الإرهاب والقمع والتنكيل والخنق والحصار ؟! هل يحاول الجيش الإسرائيلي إذلال الفلسطينيين وكسر روحهم المعنوية ، بهدف إخماد انتفاضتهم وتركيعهم وإجبارهم على التنازل عن حقهم في الحرية والاستقلال ؟ ألا يعتقد الإسرائيليون انهم إنما يزرعون في نفوس الفلسطينيين الحقد والكراهية ، بدل الحب والسلام والعدالة الإنسانية ؟ .
وقد حاولت أن افهم رد فعل المحتجزين على ممارسات جيش الاحتلال التعسفية ، فعرفت أن قلوبهم مليئة ومحتقنة بالغضب ، ثم سألتهم إن كانوا سيمتنعون عن دخول المدينة مرة أخرى ، بعد ما لاقوه من تنكيل كبير على أيدي الجنود ؟ فأجابوا جميعا بالنفي ، وانهم مصممون على العودة في اليوم التالي ، وخاصة منهم طلاب الجامعات والموظفين ، واستفاض معظمهم برواية قصص حياتهم اليومية ، وبالشرح قائلين أنها ليست المرة الأولى التي يتم فيها حجزهم وانهم قد تعودوا على هذا الأمر ، وهم مليئين بالإصرار على مواصلة تحدي إجراءات الخنق والحصار التي يفرضها المحتلون الإسرائيليون ، لان الاستسلام لهذه الإجراءات من قبل الفلسطينيين يعني فقط موتهم الأكيد .
وفي حوالي الساعة السادسة وفي عتمة الليل أطلق الجنود سراحنا ، وسمحوا لنا بالمرور ، وبدانا السير في الظلام بين الأشجار ، رغم أن ذلك يشكل خطرا حقيقيا على حياتنا ، فمن الممكن أن تكون هناك كمائن أخرى للجيش ، وكانت المسافة التي سنقطعها تتجاوز الأربع كيلومترات ، إلى أن وصلنا إلى قرية الناقورة ، وهناك وجدنا بعض السيارات ، وركبت أنا واثنين من أبناء مخيمنا وثلاث صبايا وشباب آخرين من طوباس في أحد السيارات ، وقد تردد السائق كثيرا بالتحرك والسير ، لانه يعلم بان حواجز أخرى للجيش الإسرائيلي تتواجد في هذا الوقت على كل مفارق الطرق في المنطقة ، لكن لم يكن أمامنا بديل ، فنحن نريد العودة إلى بيوتنا ، وسارت السيارة بنا إلى أن وصلت إلى مفترق طرق جبع – ياصيد – عصيرة الشمالية – بيت امرين ، وإذا بمجموعة جنود يخرجون إلينا من بين أشجار الزيتون ، مسرعين همجيين كالمجانين ، يصيحون بأصوات هستيرية ، وانقضوا على السائق واشبعوه ضربا بحجة انه لم يطفئ أنوار السيارة فورا كما طلبوا منه ، ثم صرخوا بنا نحن الركاب وأمرونا جميعا أن نخرج جميعا من السيارة نساء ورجال ، وان نرفع أيدينا للأعلى ، وكذلك ملابسنا ، ثم أوقفونا صفا واحدا نحن وركاب سيارة أخرى كان حظها العاثر أن تمر بنفس الطريق ، وعمل الجنود على تسليط أضواء مصابيح إنارة كانوا يحملونها بأيديهم إلى وجوهنا ، وامطرونا بوابل من الشتائم القذرة ، ثم أمرونا بالعودة إلى سياراتنا والتحرك بأقصى سرعة بعيدا عن المكان ، وبالفعل واصلنا سيرنا بسرعة كبيرة حتى لا يغير الجنود رأيهم ويقرروا احتجازنا ، وكل شيء جائز وممكن ..!! واخيرا وصلنا إلى مخيمنا وكانت الساعة عندها حوالي السابعة ، وكانت زوجتي وابنائي الأربعة واخوتي واهل حارتي بانتظاري على أحر من الجمر .

خالد منصور
مدير الإغاثة الزراعية الفلسطيني
في محافظة نابلس
15/10/2004



#خالد_منصور (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زيتنا احمر


المزيد.....




- خسائر وأضرار الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت ...
- 10 سنوات تضاف لعمرك الافتراضي بـ5 خطوات فقط!
- عواقب التوتر طويل الأمد
- ضربة ترامب للنفط الروسي ستؤدي إلى أزمة تجارية عالمية
- تصعيد ربيعي
- وانغ يي، لم يأتِ للتحضير لزيارة شي جين بينغ فحسب
- -نيويورك تايمز- ترفع عن بايدن مسؤولية هزيمة أوكرانيا وتحمّله ...
- كييف تتسبب بإفلاس الغرب وتخسر ??أراضيها بسرعة
- الولايات المتحدة تطلق حربَ الرسوم الجمركية
- -الوطن-: مقتل 9 سوريين وإصابة آخرين في قصف إسرائيلي استهدف ر ...


المزيد.....

- أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا ... / جيلاني الهمامي
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام / شريف عبد الرزاق
- الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف / هاشم نعمة
- كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟ / محمد علي مقلد
- أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية / محمد علي مقلد
- النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان / زياد الزبيدي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- الخروج للنهار (كتاب الموتى) / شريف الصيفي
- قراءة في الحال والأداء الوطني خلال العدوان الإسرائيلي وحرب ا ... / صلاح محمد عبد العاطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد منصور - من قصص المعاناة الفلسطينية .. يوم في حياة موظف