حسن مدن
الحوار المتمدن-العدد: 3298 - 2011 / 3 / 7 - 08:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الأحلام الكبرى صيغت دائما في شعارات . صحيح أن الفكرة هي دائما أعمق وأكبر وأوسع من الشعار، ولكن الشعار يختزل هذه الفكرة الحلم في كلمات . والمسافة بين الشعار والواقع هي دائما شاسعة، لأن الشعار قرين الحلم والمؤمل، أما الواقع فاسمه يشي بمحتواه، إنه واقع فحسب، أي أنه نقيض الحلم أو بديله .
في الشعار دائما شيء من "الفنتازيا"، شيء من المستحيل، لذلك لا يوجد كبير غرابة في أن كثيرا من الشعارات التي وضعتها البشرية نصب عينيها في مراحل وحقب زمنية مختلفة ما زالت ماثلة، حتى إن تجلت، أي الشعارات، في صيغ وصور جديدة.
ولكن عندما نقول: الشعار فإننا، بوعي أو من دون وعي، نعني السياسي . أما حين نقول: الحلم، فإننا نكاد ننسبه إلى المخيلة، كأننا نقول إن رفع الشعارات مهمة السياسيين أو المشتغلين بالسياسة، أما صياغة الأحلام والآمال الكبرى فهي مهمة الشعراء والفلاسفة والفنانين والمبدعين عامة . وإذا ظلت فكرة الحلم مصونة أو صلبة أو موضع تقدير حتى من قبل غير الحالمين، فإن فكرة الشعارات تدنست بأدران السياسة .
أحد الكتاب ميّز بين ما وصفه خطاب الرأي وخطاب الفكر، فإذ يعتبر الثاني "هو خطاب السؤال وخطاب الحركة والترحال"، فإن خطاب الرأي برأيه هو "خطاب الشعارات والعبارات المكرورة، خطاب التدوين والذاكرة" .
ولو بسّطنا هذه الفكرة بعض الشيء لوجدنا أن في أساس هذا الهجاء لخطاب الرأي هو ما لحق بالشعار نفسه من ابتذال وتسطيح وتفريغ من المحتوى، حين أضحت الشعارية بديلا للدراسة والتحليل والتمحيص والاستخلاص، فكان يكفي إطلاق الشعار الناري ليصبح صاحبه مطمئنا إلى سلامة ما يظنه سليما، لأن الشعار الذي يمكن أن يكون حاشدا للرأي العام حول قضية عادلة كبرى في منعطفات تاريخية، يمكن أن يتحول في فترات تاريخية مختلفة جذريا إلى أداة جمود، ويحول الجمهرة الواسعة من المؤيدين من أذهان متقدة إلى مجرد "إمعات" .
وفي ذاكرة البشرية ستبقى خالدة تلك الشعارات الأحلام النبيلة التي عبرت عن توق الإنسان إلى الانعتاق والحرية، الفرنسيون مثلاً ما زالوا يتذكرون شعارات: "ممنوع المنع"، و"كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل" .
في اللحظة التاريخية الراهنة التي يجتازها عالمنا العربي، التي تستحق عن جدارة وصف زمن الصحوة، بوسعنا جميعا أن نرفع شعار جمال عبد الناصر الشهير: "ارفع رأسك يا أخي"، قرينا للتوق إلى العزة والكرامة .
#حسن_مدن (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟