نوال السعداوى
الحوار المتمدن-العدد: 3269 - 2011 / 2 / 6 - 19:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عشت لأشهد وأشارك فى الثورة المصرية من 25 يناير 2011 حتى اللحظة التى أكتب فيها مقالى هذا صباح الأحد 6 فيراير 2011 , ملايين المصريين والمصريات مسلمين مسيحيين ومن كل الاتجاهات والعقائد , توحد الشعب المصرى تحت راية الثورة الشعبية التلقائية , ضد النظام القائم المستبد الفاسد , من قمته الى قدميه , من فرعون المقدس الأعلى " يتمسك بكرسى العرش وان أراق دماء الشعب كله " وحكومته الفاسدة و حزبه الحاكم الذى يؤجر البلطجية لقتل الشباب , وبرلمانه المزور المزيف نواب الأراضى والنساء والمخدرات والرشاوى , ونخبته " يسمونها النخبة المثقفة " التى باعت أقلامها وضميرها , أفسدت الثقافة والتعليم والتربية والأخلاق العامة والخاصة , وضللت الرأى العام الجماعى والفردى , من أجل مصالح آنية , ومناصب فى الحكم كبيرة أو صغيرة , انطلق الشباب النساء الرجال والأطفال تلقائيا من بيوتهم , يقودون أنفسهم بأنفسهم , يحمون أنفسهم بأنفسهم , بعد أن سقطت الشرطة ورجال الأمن , وسقطت النخبة المسيطرة على الاعلام والثقافة , ولجان الحكماء الواصلة الى قمة الثروة والسلطة , والقيادات الحزبية الانتهازية التى ساندت هذا النظام الحاكم سرا وعلنا على مدى نصف قرن , سقطت الانتهازية والقيم الأخلاقية المزدوجة المراوغة , التى أفسدت الدولة والأسرة والأفراد , وأشاعت الفوضى تحت اسم الأمن , والدكتاتورية تحت اسم الديموقراطية , والفقر والبطالة تحت اسم التنمية والرخاء , و البغاء والخيانة الزوجية تحت اسم الأاخلاق وحرية الاختيار , والمها نة والخضوع الذليل للاستعمار الأمريكى الاسرائيلى تحت اسم المعونة والشراكة والصداقة أو عملية السلام , وحبس أصحاب وصاحبات الأقلام الصادقة المفكرة المبدعة داخل الزنازين أو عزلهم وتشويه سمعتهم , أو طردهم الى المنفى خارج وداخل الوطن ,, ,, , ,
خرجت الملايين من المصريين والمصريات , الى الشوارع من كل المحافظات , من القرى والمدن , من أسوان الى الاسكندرية والسويس وبورسعيد وكل شبر من أرض الوطن , فى العاصمة القاهرة عسكرنا فى ميدان التحرير , احد عشر يوما ليل نهار حتى الآن , أصبح ميدان التحرير هو أرضنا , هو معسكرنا , نرابض فيه فوق الأسفلت وداخل الخيام كتلة واحدة صلبة من البشر رجال ونساء , لا نغادر مكاننا وان هجم علينا البوليس متنكرا فى ثياب مدنية , وان اقتحم الميدان ( كما حدث يوم الأربعاء 2 فيراير ) عصابات مأجورة من النظام , أخذ كل منهم رشوة , ( خمسين جنيها وفرخة كنتاكى للجندى الصغير ورشاوى أكبر تزيد بازدياد الرتبة ) , اقتحموا علينا الميدان راكبين الخيول والجمال مسلحين بكل أنواع الأسلحة حمراء وصفراء وبيضاء , كاد أحد الأحصنة يدوسنى وأنا واقفة فى الميدان مع الشباب , حملونى بعيدا عن قافلة الهجا نة الهمجية , رأيتهم بعينى , راكبى الخيول والجمال يبرطعون فى الميدان , يطلقون النيران فى كل مكان , وسط الغبار والدخان الذى غطى الميدان والمبانى من حوله , رأيت كرات النار تتطاير فى الجو , وشباب يسقط ودماء تراق , نشبت معركة شبه حربية بين مأجورى النظام وبين الشعب المصرى المسالم ينادى بالحرية والكرامة والعدالة , لكن لجنة الدفاع من الشباب الثورى استطاعت أن تنتصر على البلطجية , وأن تقبض على بعض الأحصنة والجمال , وعلى مائة من المأجورين , بكل بطاقاتهم الشخصية , منهم ضباط أمن دولة , أمن مركزى , أمناء شرطة , بعضهم ليس لهم عمل , بلطجية من عصابات الشوارع والسجون , بعضهم اعترف بأخذ 200 جنيه ووعد ب 5000 جنيه لو فرقوا الشباب فى الميدان وقضوا عليهم بالسنج والسيوف والمولوتوف ( قالوا عن شباب الثورة " العيال اللى عاملين الشغب " ) بلغة كبار رجال مبارك الذين أعطوهم الأوامر مع الأموال , , , ,,
الشباب أقاموا الخيام على أرض الميدان ليستريحوا بضع ساعات الليل , أمهات بأطفالهن الرضع افترشوا الأرض فى البرد تحت المطر , مئات البنات الشابات لم يتحرش بهن أحد , يسرن رافعات الرؤوس يشعرن بالحرية والكرامة والمساواة بينهن وزملائهن , الأقباط يشاركون فى الثورة جنبا الى جنب مع المسلمين , حوطنى بعض شباب الاخوان المسلمين قالوا لى " نختلف مع بعض كتاباتك لكننا نحترمك ونحبك لأنك لم تنافقى أى حكم أو قوة فى الداخل أو الخارج , طوال سيرى فى الميدان يقبل على الشباب نساء ورجال من كافة الاتجاهات , يأخذوننى بالأحضان يقولون " يا د. نوال نحن الأجيال الجديدة التى قرأت كتبك واستلهمت الابداع والتمرد والثورة من أفكارك المنشورة " ابتلعت الدموع , قلت لهم " هذا عيد لنا كلنا , عيد الحرية والكرامة والعدالة والابداع والتمرد والثورة " , قالت احدى الشابات اسمها رانيا رفعت " نحن نطالب بدستور جديد مدنى لا يفرق بين الشعب على أساس الدين أو الجنس أو العقيدة أو العرق أو غيرها , وقال شاب مسيحى اسمه بطرس داوود " نريد قانون أحوال شخصية مدنى موحد لجميع الشعب دون تفرقة على أساس الدين أو الجنس أو الملة أو الطائفة " وقال شاب اسمه طارق الدميرى " الشباب صنعوا الثورة وعلينا أن نختار حكومتنا الانتقالية ولجنة وطنية لتغيير الدستور , وقال شاب اسمه محمد أمين " نريد حل مجلس الشعب والشورى وعمل انتخابات نزيهة لاختيار رئيس جديد ومجالس شعبية جديدة , وقال شاب اسمه أحمد جلال " نحن ثورة شعبية تضع عقدا اجتماعيا جديدا , ليس مجرد مطالب , شعار ثورتنا " مساواة حرية عدالة اجتماعية , من صنع الثورة هو من يضع قواعد الحكم الجديد , يختار الحكومة الانتقالية , يختار اللجنة الوطنية التى تغير الدستور , يشكل لجنة حكماء الثورة , حتى لا يفرض علينا الانتهازيون ( أصحاب الثروة والسلطة ) لجان حكماء لم تشارك معنا فى الثورة , تأتى الآن الينا بالطائرات من أوروبا أو أمريكا , من المصريين الذين عاشوا حياتهم خارج الوطن أو داخله , يأتون الآن ليصبحوا قيادة الثورة , نحن نقول : الذين قاموا بالثورة هم الذين يقودون الثورة , من بيننا حكماء من الشباب عمرهم ثلاثين سنة أو أربعين أو خمسين سنة , عندنا كفاءات فى كل المجالات العلمية والسياسية والاقتصادية وغيرها , نحن من نشكل لجنة حكمائنا وحكومتنا الانتقالية , واللجنة الوطنية لتغيير الدستور والقوانين , وقال الشاب محمد سعيد " أشعر بالفخر لأول مرة فى حياتى لأنى مصرى راح اليأس والاكتئاب تحولت الهزيمة الى نصر , دفعنا ثمن الحرية بدم شهدائنا ولا توجد قوة تعيدنا الى الوراء أبدا , , , ,
تحول الميدان الى مدينة كاملة بمرافقها , والمستشفى الملحق بها يرقد فيه المصابين والجرحى , تطوع الأطباء والممرضات من جموع الشباب , تطوع الأهالى بالبطاطين والأدوية والقطن والشاش والأطعمة والماء , شىء يشبه الحلم والخيال , أعيش مع الشباب والشابات ليل نهار , تكونت لجان منهم تتولى كل الأعمال من كنس الميدان الى نقل المصابين الى المستشفى , الى توفير الطعام والأدوية , الى تولى الدفاع عن الميدان والرد على أكاذيب النظام فى الاعلام الى ترشيح أسماء الحكومة الانتقالية ولجنة الحكماء وغيرها , تلاشت جدران البيوت والمؤسسات والتابوهات التى فرقت بين المواطنين النساء الرجال المسلمين المسيحيين أو غيرهم , أصبحنا شعبا واحدا لا انقسامات على اساس الجنس او الدين او غيرهما , الكل يطالب برحيل مبارك ومحاكمته ورجاله فى الحزب والحكومة , على الدماء المراقة يوم الأربعاء 2 فيراير وكل الأيام منذ 25 يناير , والفساد والاستبداد على مدى ثلاثين عاما من الحكم , وللحديث بقية , نوال السعداوى ,
#نوال_السعداوى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟