محمد سعيد الصگار
الحوار المتمدن-العدد: 3266 - 2011 / 2 / 3 - 19:44
المحور:
الادب والفن
يبدو لي أن الأدباء حريصون أكثر من غيرهم على حماية أوراقهم؛ مسودات التآليف والكتب والقصائد والمراسلات، باعتبارها سجلا لإبداعاتهم من ناحية، ولافتراضهم بأنها ستكون ذات أهمية يوما، من ناحية أخرى. ولكن القليل منهم، ممن استبد بهم الغضب لسبب ما، عمد إلى حرق أوراقه الحمبمة، بوعي وإصرار؛ ولنا من أبي حيان التوحيدي العظيم الذي أحرق كتبه، احتجاجا على ما لقيه من عنت وفقر وسوء تقدير لإبداعه، نموذج صارخ لمحنة الأديب المبدع ومرارة ما يلقاه.
ولكن ليس كل من أحرق ما كتب يتمتع بشموخ الروح والإعتداد بما أنجز، فقام بإحراقه كآبي حيان. فهذا شاعر فقير لم ينتظر أن بلتفت إليه أحد، فأحرق كتبه، وقال:
هي كتبي، فليس تصلح من بعدي لغير العطار والإسكافي
هي إما مزاود للعــــــــــقاقير، وإما بطائن للخــــــــــــفاف
ومع ذلك، ظلت هذه الممارسة الموجعة تتكرر بنماذج وأزمان مختلفة؛ وهي تظل ظاهرة فردية تبعث على الأسى، ضمن زمن محدد؛ وقد عرفنا في أيامنا بعضا من ذلك، ولكننا لم نر من لا يكتفي بحرق أوراقه وحدها، ويسكت، بل يعمد إلى حرق أوراقه وذاكرته وأفكاره وتاريخه الذي يتكيء عليه ويبشر به، مثلما فعل الكاتب (التنويري) الدكتور جابر عصفور الذي رفد مكتبتنا العربية بالعديد من الكتب والمتابعات والنقود والتحليلات، وجاء عن طيب خاطر بكل ما ملك، ووضعه في جزمة قتلة شعبه، واستراح بما ضمن من تقاعد الوزراء، حين ارتضى أن يكون وزيرا لثقافة القتلة الذين يحصدون أرواح شبابنا في ميدان التحرير في قاهرة طه حسين ونصر ابو زيد، وما بينهما من أرباب الفكر والفداء.
ما ينهض به شباب مصر في هذه الأيام المصيرية، نيابة عن الأمة كلها، لا يستحق جابر عصفور أن ينتسب إليه، فهذا وعي جديد وتاريخ جديد وضمير جديد لن يجد جابر عصفور ومن هم على شاكلته من قطيع الوزراء أبعاده ومحتواه، لأنهم خارج حدود العلم بما ينوء به الشعب المصري من لوعة ومرارة، وصبر طال حتى انفجر.
هل يكفي أن نقول لهؤلاء الشياب الذين يكتبون تاريخا جديدا لضمير الأمة، ويرسمون خريطة جديدة لواقعها؛
(إننا معكم)؟
لا يكفي !
ولكننا معهم رغم ذلك !
#محمد_سعيد_الصگار (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟