رزكار نوري شاويس
كاتب
(Rizgar Nuri Shawais)
الحوار المتمدن-العدد: 3233 - 2011 / 1 / 1 - 13:59
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
رزكار نوري شاويس
من حق الامم ان تفاخر بحضاراتها خصوصا اذا كانت مبدعة و خلاقة و تمكنت من التواصل معها بالاضافة عليها و اغنائها في حركة لا تتوقف و الى نهاية الزمان .. اما الحضارات التى توقفت وانتهى بها المطاف الى ان تدفن في المتاحف انتيكاتا و تراثا و مخطوطات ياكلها العث , فقط للعرض و التباهي بامجاد و اساطير ضاعت تفاصيلها بين الحقيقة و الخيال ؛ فتسمى بالحضارات البائدة , اي المنتهية صلاحيتها و التى تفوقت عليها حضارات جديدة في حركة دائمة الى امام , تمتلك مقومات الخلق و الابداع التى تمنع عنها العجز و الشيخوخة و تتقبل و تستوعب باستمرار الاضافات المفيدة و الاكثر تطورا في تكوينها النشط و المتفاعل .. الحضارة ترتبط بالفكر و قدرات العقل الانساني على تحويل الحلم و الخيال الى واقع ملموس و ذو تاثير .. وان تحرر العقل الانساني من القيود التي تلجم حركته ( بقوانين الحرام و التحريم , و التكفير و الارتداد –مثلا -) هو العنصر الاساس لازدهار و تقدم اية حضارة .. لا يمكن الاستناد الى حضارة مضت عليها قرون و قرون كانت في بلداننا و توقفت كي نقول اننا متحضرون , فتحضر الانسان مرتبط بزمنه الذي فيه و مقدرته على التفاعل مع مقومات و اليات و ممارسات المرحلة الحضارية التي يمر بها .. و الحضارة و التحضر صارتا اليوم تمتلكان سمة العالمية , هي حضارة الانسانية كلها و بمعايرها تقاس درجات تحضر و تخلف الانسان افرادا و جماعات .. و الحضارة ترتبط بكل انجاز مفيد للمجتمع - كل انجاز يضيف ارتقاء على سلم الحضارة – و هي ايضا ترتبط بالثروات القومية و غنى المجتمعات و ان كان في سوء استغلالها ايضا ( مثلما نرى في العديد من مجتمعاتنا ) قدرة مدمرة على مسخ و تشويه مفهوم الحضارة و عكس مسار التقدم الحضاري الى وراء او تجميده في محطة ميتة .. و لانظمة الحكم ( وهي نتاج حضارات سابقة وانية ) علاقة و ثيقة بمسار
الحضارة فهي باتجاهاتها و انماطها ( من استبدادية قمعية الى جمهورية ديمقراطية حرة , او دكتاتورية فردية الى برلمانية تعددية .. ملكية وراثية مطلقة الحكم او ملكية دستورية .. انظمة دينية متزمتة او علمانية منفتحة .... الخ) اما ان تقف عائقا منيعا امام تواصل مسيرة التقدم الحضاري او تسمح لها بالحركة نوعا ما و منها ما تقدم كل مايتوافر من مقومات و محفزات لتنشيط حركة تقدمها ..
و الحضارة و التحضر لا يمكن اكتسابهما بتقليد مظاهرها وانما بالتفاعل و المشاركة في عملية صنعها فنكون منتجين لا مستهلكين لمايروق لنا منها ..!
فالحضارة تكوين شامل متراكم يرتبط بالعقل و الموهبة و تاريخه يبدأ مع اول اداة حجرية ابتكرها العقل البشري .. وهي لا تخص جانب محدد من النشاط الانساني المبدع و المنتج بل هو مجموع الابداعات الانسانية في العلوم باكتشافاتها و اختراعاتها و الفنون باذواقها و اتجاهاتها و مخاض العقل الانساني المنجب للاديان و مدارات الفكر و الفلسفة و الادب ...الخ الساعية الى تحقيق السعادة للانسان في اطار نظم و قوانين عادلة تمنع عنها ان تكون اسبابا للتعاسة و الالم .
الحضارة الاسلامية و التي سميت بـ ( بالحضارة العربية – الاسلامية ) كانت حضارة هجينة استمدت تكوينها من العديد من الحضارات السابقة لها من وادي الرافدين الى الفارسية و الهندية و الى الصينية و الفرعونية و الرومانية و اليونانية – الاغريقية .. و هي امتلكت بحق سمات عظيمة في اشكالها لكنها لم تتغلغل في عمق فكر المجتمعات التي عاصرت مظاهرها محفزة اياها على المزيد من الابداع و الاحساس بامتلاكها و بالتالي الاحتفاظ بها و الدفاع عنها .. كانت حضارة لم ينتفع بها الرعية بل اقتصر انتفاعها على الخلفاء و الولاة و السلاطين والحكام المستبدين , حرموا الامة من منافعها
و احلوها لنفسهم بقوة الدين و تسخير قيمه و شرائعه بما يتفق و مصالحهم و مظاهر عظمتهم لذا لم تمتلك القيمة التي تحث الرعية او الشعب على الدفاع عنها .. فكانت النتيجة ان سقطت هذه الحضارة تحت سنابك خيول المغول و التتار الهمجية و ليبني هؤلاء الهمج فيما بعد حضارة رائعةخاصة بهم تحمل اسمهم و هويتهم ...
قصة الحضارة الانسانية طويلة .. مشوقة في كثير من فصولها و مملة و محزنة مأساوية في فصول اخرى .. لكن لايمكن تجزئة تكويناتها و هي مسألة تحتاج الى فهم اكثر من الاشادة و الاشارة الى مظاهرها .. ومن دون هذا الفهم العميق لمسار الحضارة الانسانية بكل تفاصيل اشكالاتها بدءا من خطوتها الاولى و الى ما بلغته من اشواط لا يمكن ان نضيف عليها ما يمكن و صفه بالانجاز الحضاري الذي يجب ان يمتلك صفاتا ذاتية قوية و اصيلة تمنحها قوة الاندماج كتكوين اساسي ملهم لانجازات اخرى ضمن تكوينات الحضارة الانسانية الملهمة بالاساس ..
#رزكار_نوري_شاويس (هاشتاغ)
Rizgar_Nuri_Shawais#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟