صاحب الربيعي
الحوار المتمدن-العدد: 958 - 2004 / 9 / 16 - 09:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
النظريات الفكرية والآراء المتعلق بالشأن الاجتماعي يمكن الخوض فيها كثيراً على المستوى النظري، ولكن الأحكام قد لا تكون سليمة حينئذ. والاختبارات الصحيحة والعملية للنظريات الاجتماعية تكون أكثر دقة عند التطبيق والممارسة، فأن حققت نجاحاً على مستوى التطبيق وأعطت نتائج إيجابية على المستوى الاجتماعي جاز التعميم لها. وإن أخفقت توجب النظر إلى جوانب إخفاقها، واعتماد نظريات أخرى أثبتت الاختبارات التطبيقية صحة نتائجها.
وعلى مدى 70 عام من التطبيق والممارسة للفكر الشمولي في عدة بلدان من العالم كانت النتائج مخيبة للآمال وخلفت كوارث حقيقية على شعوبها، مما أدى لاحقاً لاعتماد النظم الديمقراطية للخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها.
وتتطلع القوى الحرة في العالم لإجراء إصلاحات في النظم الديمقراطية لتستجيب لمستجدات العصر وما أفرزتها من أزمات عالمية، وهناك من يجد أن النظم اللبيرالية قد تكون البديل خاصة في الشأن الاجتماعي لأنها تمتاز بمرونة وانفتاح أكثر من النظم الديمقراطية. والحلول والمعالجات للمشاكل الاجتماعية في النظم اللبيرالية تحظى باهتمام كبير من المعنيين بالشأن الاجتماعي كونها تمكنت من تقديم حلولاً منصف للجميع أطراف الصراع في المجتمع. ولعرض بعض أوجه الخلاف بين النظم الشمولية والديمقراطية واللبيرالية بالشأن الاجتماعي نتناول النقاط أدناه:
1-التناقض والصراع الاجتماعي: ينظر الفكر الشمولي إلى الصراعات الاجتماعية المفترضة، على أنها تناقضات اجتماعية لا يمكن حلها سوء بالعنف واستئصال الأعداء الطبقيين من أجل سيادة طبقة على سائر طبقات وفئات المجتمع، وفيما بعد يتم توظيف طاقات المجتمع لخدمة توجهاتها.
في حين أن الفكر الديمقراطي يرفض مبدأ التناقضات الاجتماعية ويجد انها صراعات اجتماعية مفترضة وطبيعية من أجل تفعيل القوى الاجتماعية لصالح العملية الديمقراطية. ويمكن الحد من أوجه الصراع الاجتماعي من خلال اللجوء لمبدأ الحوار والتوصل إلى قناعات مشتركة تحقق مصالح الأغلبية وبالتالي توظيف طاقات الجهات المتصارعة لصالح المجموع.
ويرى ((هابرماس)) الأفكار الشمولية تطرح مبدأ التناقضات الطبقية والنضال حتى الموت بين القوى المنتجة والعلاقات الاجتماعية للإنتاج، وتجدها الأفكار الديمقراطية صراعات وليس تناقضات اجتماعية. والصراعات الاجتماعية موجودة داخل أهداف كبرى للحداثة وهو ما يعني أن لا يمكن للتناقض الاجتماعي أن يتطابق تماماً مع الحداثة.
يرفض الفكر اللبيرالي اطروحات الفكر الشمولي في وصف الصراع الاجتماعي بكونه تناقض اجتماعي لا يحل إلا بالعنف والاستئصال للطرف النقيض. ويجد أن الصراع الاجتماعي يعمل على تقعيل القوى الاجتماعية، وحين يصل هذا الصراع إلى ذروته يمكن الاتفاق على حلول وسط بين الجهات المتصارعة وتوظيف طاقات الجانبين لصالح المجموع.
2-استلام السلطة السياسية: ينظر الفكر الشمولي إلى السلطة بأنها سلطة طبقة تمارس ديكتاتورتها ضد الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى من أجل توظيفها لخدمتها، وأن الحل الثوري وتسخير وسائل العنف لإخضاع المناوئين هو السبيل الوحيد لاستلام السلطة السياسية.
والسلطة في الفكر الديمقراطي تعني الاحتكام لصناديق الاقتراع ورأي الأغلبية من أفراد المجتمع، وأن سلطة الأغلبية لا تعني بالمطلق إلغاء رأي المعارضة بل أن للمعارضة دوراً مهم في الرقابة لأداء السلطة السياسية ومدى التزامها بالدستور ومصلحة المواطنين.
ويعتقد ((آلن تورين)) لا يمكن للديمقراطية أن تختزل إلى حلول وسط، وأنه لا مواطنة بدون إجماع.
في حين يجد الفكر اللبيرالي أن السلطة تأتي من الرغبة وتحقيق مصالح المواطن كونه أداة الانتخاب، وسلطة الأغلبية البرلمانية لا تعني الانفراد بالسلطة، وأنما إدارة السلطة لتحقيق الوعود الانتخابية للمواطن. ويتوجب على سلطة الأغلبية التشاور والتحاور مع أحزاب المعارضة وإشراكها في اتخاذ القرارات وعدم تهميشها لأن ذلك يؤدي لإقصاء ممثلي جزء (ليس بقليل) من أفراد المجتمع عن اتخاذ القرار. كما أنه يرفض بشكل قاطع أي استخدام للعنف لاستلام السلطة السياسية، ويدعو لمبدأ الحوار والحلول الوسط مع المعارضة بغية تعميق الإتلاف والوئام بين أفراد المجتمع.
3-الذات الإنسانية ومقوماتها: يسعى الفكر الشمولي لإلغاء الذات الإنسانية من خلال تعميمه مبدأ ( نكران الذات) لصالح الطبقة. ويجد أن مقومات الذات تؤدي إلى الأنانية وحب التملك والفردية، وهذا يناقض أساساً مبادئ الفكر الشمولي الساعية لصهر الذات في مرجل الشمولية.
ويجد الفكر الديمقراطي أن إحساس الفرد بذاته ومصالحه يفضي إلى تفعيل الطاقات الإبداعية لصالح تقدم المجتمع، لأن الدافع الذاتي له أثر كبير على الإبداع. ويحظى مبدأ تقويم الذات في الفكر الديمقراطي بأهمية كبيرة كونه مسعى نحو مشروع أكبر ألا وهو تقويم المجتمع. وتحرر الذوات الإنسانية وتقويمها تعني في المقام الأول تحرر المجتمع وتوظيف الطاقات الإبداعية لصالح المجموع.
ويرى ((روبرت ميرتون)) أن المجتمع العلمي يمكن وصفه بأنه مجتمعاً ديمقراطياً باعتبار السلطة الشخصية والمنافسة بين المدارس والمعاهد تتبع البحث والتدليل على الحقيقة، وهذا المفهوم يتعارض وتوجهات الفكر اللبيرالي الذي لا يؤمن بالإجماع ولكن بالحلول الوسط وبالتسامح واحترام الأقليات.
أما الفكر اللبيرالي فيجد أن الذات عنصر هام من عناصر التطور والتقدم الاجتماعي، وأن المسعى العام للعدالة والمساواة يتطلب تحرير الجزء أولاً ليتحرر الكل فيما بعد. لأن المجتمع مكون من مجموعة من الكيانات الفردية القائمة بذاتها، ولكل منها مساحة تتفاعل وتنشط من خلالها، فكلما كانت تلك المساحة حرة وآمنة زادت فعالية الذات. ومجموع تلك المساحات تشكل بالمحصلة المساحة المفترضة للحرية، فحرية الفرد أساس لحرية المجتمع.
4-الديمقراطية والمركزية: لا ينظر الفكر الشمولي للديمقراطية على أنها حرية التعبير واحترام الرأي الأخر وإنما يصفها ب (الديمقراطية المركزية) أي أن مبدأ الحوار والتعبير يجب أن لا يتجاوز مبادئ وآراء الفكر الشمولي. وديكتاتورية الطبقة هي سمة التعبير عن الرأي، وعند الاختلاف بوجهات النظر في الفكر الشمولي يتوجب على الأقلية الخضوع لرأي الأكثرية!. والخضوع يعني الاستسلام وتبني وجهة نظر الأكثرية دون اعتراض والعمل على تطبيق هذا الرأي في الممارسة الحياتية بالرغم من عدم الاقتناع به، ولا يجوز التبشير برأي الأقلية بتاتاً!.
والديمقراطية تعني في الفكر الديمقراطي التعددية واحترام الرأي المخالف وحرية التعبير والتبشير بالآراء المخالفة لأنها تعد إحدى أهم أسس الديمقراطية. ومن حق الأقلية رفض آراء الأغلبية وعدم العمل بها والتبشير بآرائهم المخالفة حتى لو تم التصويت بالأغلبية ضدها. وأن سلطة الأغلبية ليس لها الحق في ممارسة سلطتها لإلغاء وتهميش الآراء المخالفة لها، والدستور يضمن هذا الحق للمواطن.
إما الفكر اللبيرالي فيجد أن مساحة الحرية، يجب أن تكون غير محددة ومن حق أصحاب الآراء المخالفة والأقليات الاجتماعية التعبير عن وجهات نظرها بحرية. وترفض مبدأ صياغة القرارات بالأغلبية، وتجده غير منصف ولا يتسم بالعدالة والمساواة كونه يغفل آراء مجموعة من السكان.
ويميل الفكر اللبيرالي نحو اعتماد مبدأ الحلول الوسط بين الأكثرية والأقلية عند اختلاف وجهات النظر بينهما، ويعتقد أنه الحل الأمثل والأسلم للحفاظ على الوفاق الاجتماعي. وأن مبدأ الإلغاء والتهميش للأقلية بحجة صواب رأي الأغلبية مبدأ غير عادل ومنصف!.
ويرى ((مارسيل جوشيه)) المجتمع اللبيرالي ليس على الإطلاق قهري، ومن العبث توجيه هذا النقد له. في الوقت الذي يجد فيه ضحايا النظم الشمولية والمتسلطة ملجأهم الوحيد فيه، لأنه مجتمع مفتوح ومرن ويعمل على الاندماج ويرفض الاستبعاد والتهميش. في حين أن الفكر الشمولي مجتمع مراتبي وجامد أو قليل الحركة يشبه منزل قديم مملوء بأركان ومخابئ واقية. إن المجتمعات التقليدية لا تفصل الهامشية عن الدونية ولا الفقر عن الاستغلال. والمجتمعات اللبيرالية الحديثة بإلغائها شبه الكامل للقيود وعلامات الدونية ترفض الهامشية.
#صاحب_الربيعي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟