فاروق سلوم
الحوار المتمدن-العدد: 958 - 2004 / 9 / 16 - 09:05
المحور:
الادب والفن
ارى الفجر كل يوم يهبط على بغداد..كابيا مثل لون الرصاص..
توقظني العربات العسكرية ...اويوقظني انفجار جديد..
.. ومثلما يفعل كل العراقيين ادقق مافي خزانات الماء على السطح اول الفجر ..فأتامل المدينة تأتزر بدخان التلوث
والحرائق البعيدة..وعلي كل صباح ان اشغل المضخة الأرضية لتمتليء خزانات الماء..لكي لايعطش العيال..اتذكر العباس بن علي بن ابي طالب (ع)..اتذكر وجوه السبايا ..في التشابيه التي كنت ارقبها في صباي في ابي صخير في ( الحصوة) تلك الفسحة من الصحراء الشبيهة بارض كربلاء..حمراء رملية جافة ..مثل عطش البلاد طوال القرون..
..العربي يحس بالعطش حتى وهو وسط النهر ..فكيف اذا اصبح الماء نادرا هكذا كان الكاتب السوري شريف الراس يردد ساخرا يوم كان في بغداد ..
في اول الصباح تستيقظ المرأة ويدرج الأطفال ويشتغل البيت..في البريد الألكتروني علي الموسوي
من ناشفيلد يقول كلاما جميلا بالأنجليزية..وصباح مال الله من لندن يؤكد صداقة السنوات..وسليم مطر من جنيف الروائي البارع ورئيس تحرير مجلة ميزوبوتاميا ..يحدثني عن امكانية الكتابة عن نساء البلاد خلال الفترة العثمانية..والشاعرجمعة الحلفي يعد بسهرة في المنزل هذا المساء..فقد وصل بغداد بعد اغتراب طويل..
كنت قد قررت المشي لزيارة المكتبات هذا اليوم، فالنزول الى بغداد بالسيارة اصبح مستحيلا..واذكر ان الحاكم الأمريكي بريمر ..كان يرد على تهم سرقة المليارت العراقية : اننا صرفنا خمسمائة مليون دولار على بغداد..وسرعان ماأكتشفت خلال جولتي اليوم انه صادق حقا حين رأيت مئات الآلاف من الأطنان من كتل الأسمنت تحول بغداد الى مدينة مغلقة مدينة اسمنتية مستحيلة..
كنت قد ركبت احدى سيارات النقل التي يسمونها العراقيون ( كيّة )نسبة الى السيارات الكورية
التي تستعمل في الشارع الآن..وطوال الطريق كنت اتأمّل .. الوجوه ..الوجوه العراقية الغريبة
المحتقنة ..المسودّة .. المشغولة وهي تعكس لي دواخل شتى.. دواخل تمور بكل غريب ..وكان صديقي جيوفاني بدللينا / مخرج التلفزيون السويسري قد طلب مني قبل ايام ان اختارله موضوعا لفيلمه القادم عن بغداد ..واظن أنني وجدته في هذه الوجوه ..والوجوه التي صادفتها طوال اليوم..
..من ساحة الشهداء حتى شارع المتنبي..كنت ارى بغداد الستينات ..لكنها لم تكن بهذه الفوضى والخراب..
انا افهم كمية العنف والعدوان والتحدي الذي في الذات العراقية جراء التضييق والخنق والتكميم ..وعدم العدالة والفقر طوال خمسة وثلاثـين سنة من الدكتاتورية ..لكني كنت اتساءل كلما رأيت استمرار الخراب ..هل يكره العراقي بلده الى هذا الحد ؟ في بداية شارع المتنبي..
لم اشأ ان امر على مقهى الشاه بندر وهي تكتظ بالأدباء..فلم يعد لدي الأمل ان ثمة مايمكن ان
يقوله الأديب العراقي في أي حوار..لم يعد المثقف العراقي يألف الآخر..او يحبّه..لذلك لن يتحقق رأي عام ضاغط كما يتوقع الأحتلال من المثقفين العراقيين وكلما ظل هؤلاء مبددين ..ضاعت فرصهم وفرص الشعب ليقدم نخبه التي تنادي بالحداثة ..والتطلع والأستقلال !!كنت افكر ان اكتب هذه العبارة للصديق الشاعر فاروق يوسف في قريته السويدية الثلجية ..ردا على رسالة ساخنة حول وضع البلاد بعثها الي بالأمس..ولست ادري هل سأنجح في إيصال الفكرة اليه وهومنقطع في تجواله وبحثه وعزلتنه الثرية..خطوت الى الشارع الصاخب الذي لم يفقد بريقه ..هنا تهطل الحروف منذ زمن الكتابة 4500سنة قبل الميلاد..حتى آخر المكتبات التي باعها صفوة المثقفين العراقيين ..وهم يعرضون اغلى مالديهم ..الكتب ..المعرفة!!
في مكتبة عدنان رأيت كتبا شتى ..فقد كان الصديق عدنان قد عاد للتو من القاهرة ..افرحتني كتب الأصدقاء ..وأقتنيت الكتب التي حققها الصديق الشاعر جمال جمعة..وهوفي اغترابه البعيد
لندرتها ..نزهة الألباب ..الروض العاطر ونصوص ابي نؤاس المحرمة..قبضة من كتب الأيروتيكا العربية..كما وجدت مصادر قديمة وحديثة لمؤرخين ..وباحثين ..ورواد معرفة ..هي ذكريات لشجن فردي ..ورائحة لمكان ..ومعنى للغة طافحة عن الحاجة ..ماازال احتاجها رغم ماعوضته الأنترنيت من مرجعية وسرعة حرفية ..ثمة سحر وقشعريرة يمنحني اياها الكتاب..
حملت الكتب ومضيت صوب شارع الرشيد ..عند تمثال الرصافي ينغلق الشارع بألأسمنت حتى ساحة حافظ القاضي..المرور عصي لكن الناس تمضـي بأثقالها .. وبقدرها الى جحيم الحياة لتجعله ..منذ اول الصباح جحيما محتملا!!
في سيد سلطان علي كنت احتجت الى قطعة من الأدوات الأحتياطية لمولدتي الصغيرة ..ودلفت الى الشارع المكتظ بالمكائن والناس والعربات ..صورة لنبض البقاء وطاقته عند العراقيين..هناك من يبتسم ..وهناك من يستجيب للسؤال ..ثمة شهامة ولطف رغم الأسى والرصاص..ووسط السوق..
كان مازن جبار محسن اللاعب الدولي وابن اللاعب الدولي يجلس في ( جمبره ) وسط الزحمة الدبقة
وهو يحضر لي حاجتي ويطلب شايا من الوجاغ القريب ثم يقص لي كيف يتحول لاعب دولي مثله الى مصلح مولدات كهربائية صغيرة ليتدبر عيشة عائلتين تركهما اباه ومضى الى ربه ..واحدة في مدينة الثورة ..والأخرى في بغداد الجديدة ..ورغم ذلك كان مازن يبتسم ويقول ..انا اموت اذا ما شوف طوبة ..بعد العمل اتدرب اربع ساعات حتى في الظلام !!..كنت اجلس الى جانبه وسط الشارع وأتفيأ بظلال جمبره ذي العجلات ..واصغي الى دفق الحياة ..حيث يدرج العراقيون مثل النمل يستخرجون الجذور ..من الأعماق عندما ينعدم الغذاء..كنت احس بنملتي الخاصة تحكي بلغة النمل و تصوّت من الأختناق وسط تزاحم النمل الوطني وهو يسري بنظام وتدفق وصمت ..محتقن !! في شارع السيد سلطان علي..
وفي الباب الشرقي كانت بوابة مكتبة التحرير تشبه صاحبها الصديق بنّاي جار الله (ابو عزيز )..والحقيقة ان بناي الرجل العصامي هو صديق كل أ لأدباء والشعراء المثقفين والباحثين والأكاديميين والسياسيين العراقيين..
فمذ كان بناي ..وهاشم ( صاحب مكتبة النهضة فيما بعد ).. يعرض كتبه قرب عمارة الدامرجي في الباب الشرقي .. في الستينات حتي اليوم وهو في مكتبته العامرة ..قد مرت عليه صنوف العيون والبصاصين والرقباء وما وجدوا لديه شيئا ..لكن الثقاة والأصدقاء
والباحثين ..سيجدون كل شيء من الكتب الممنوعة والمحرمة ..والمتيسرة..حين يشاؤون
فقد كان ابا عزيز ـ وقد سمى ولده تيمنا بصديقه الكاتب عزيز السيد جاسم ـ مفتوح القلب للأصدقاء متسامحا مقاوما للمرض رغم مايعانيه من كليتيه..فهو يضحك مرحبا معلنا محبته التي تملأ المكان..ساحة التحرير المكان الخطر الآن ..حيث يقف نصب الحرية بثيابه الجديدة بعد حملة التنظيف الجديدة..ومن تحته تمر الأقدار والأحداث واللصوص واللوتية ..فيما يقف بناي ليصافحني بمحبة السنوات ..والجيرة مذ كان منزلنا في الأورفلية نقرأ من بناي الروايات الإنكليزية المبسطة ..وروايات البير كامو ..والثورة الجنسية ..وانجاز الوجودية الباهر ..يقف بناي ليدعوني الى استكانة جاي ..وهو في مكتبته ـ مكتبة التحرير ـ ليلبي حاجة العقل رغم ان كل شيء الى الجوار معني بقتل العقل ..وكــأني اضع عنوانا جديدا لنصب الحرية حين كتبت اول السطر..ساحة التحرير ..مقابل مكتبة بناي..
ــــــــــــــــــــــــ بغداد / ايلول / 2004
#فاروق_سلوم (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟