عبد جاسم الساعدي
الحوار المتمدن-العدد: 3021 - 2010 / 6 / 1 - 12:06
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
شارك عدد من الباحثين والمختصين والأكاديميين من جامعات عراقية، ببحوث ودراسات عن حال اللغة العربية اليوم في الدرس الجامعي والدرس العام، يومي التاسع عشر والعشرين من شهر ايار 2010، ففي اليوم الأول، كان في القاعة المركزية في ديوان الوزارة، واليوم الثاني في قاعة الإدريسي، كلية الآداب، جامعة بغداد.
يمثل انعقاد المؤتمر مبادرة طيبة ومهمة في باب الوعي بحجم المشكلة وإمكانات المشاركة العلمية لمواجهة التحديات المتعددة الأشكال التي تهدد سلامة اللغة في التوظيف والتواصل اليومي والحضور، وتراجع شبكة العلاقات الحيوية معها، في الكتاب والمنهج وطرائق التدريس ومستويات الإدراك واستيعاب خصائصها.
ويدرك المعنيون واهل الاختصاص والناشطون في أبواب اللغة وعلومها، بأنها كائن اجتماعي متحرك فلا ينظر الى اللغة وتطورها ونمو حضورها وفاعليتها، بمعزل عن عوامل رفدها وتنشيط مفرداتها وإحياء الكلمات المندثرة والخاملة والمهملة الا من خلال النشاطات الإنسانية والاجتماعية والثقافية وحيوية النص الإبداعي والحوار والكلمة والكتاب والفضاءات اليومية التي تتعامل بها، في قاعة الدرس والندوة والمؤتمر والملتقيات والعلاقات العامة.
نحاول قراءة ثلاثة بحوث، قدمت في جلسة اليوم الأول وهي:
"تعليم اللغة العربية بين الوهم وسوء الفهم" للأستاذ الدكتور نعمة رحيم العزاوي، و "إصلاح اللغة ومناهج دراستها" للأستاذ الدكتور زهير غازي زاهد، و" تحريك الثابت الدلالي في التواصلية التفاعلية" قراءة في تحولات السيميائية للأستاذ المساعد الدكتور عباس معن.
تشير القراءة الأولى لبعض البحوث وكأنها تقدم نصائح وتوصيات وملاحظات لمعالجة أزمة اللغة العربية وسبل تصحيح مسارها، مما يعني وجود أزمة مركبة ومعقدة في فهم إشكالية تراجع اللغة من المنظور النقدي والفهم الاجتماعي لوظيفة اللغة وعلاقتها بالمحيط والحياة والإبداع والسلوك الإنساني.
يستمد الدكتور العزاوي عناصر بحثه من تجربة القدماء واهتمامهم باللغة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، إنها رؤية علمية ودقيقة تعتمد على الطريقة "العفوية" في إكساب الناشئة الملكة اللغوية.
" وذهب الفارابي اللغوي المتوفى عام (339)هـ ، الى ان السماع المستمر للغة يفضي الى ارتساخ سننها وقوانينها في النفس، فقال: " يأخذ الناشئ هذه الأشياء عن السالف على الأحوال التي سمعها من السالف وينشأ عليها، ويتعودها الى ان تتمكن فيه".
ويحدد الأستاذ العزاوي عناصر الطريقة العفوية في اكتساب اللغة بثلاثة:
الأول ، ان نحيط المتعلم بمناخ لغوي سليم، لا يطرق سمعه فيه كلام محرف او ملحون، ولا يحاور معلمه وزملاءه الا بكلام فصيح.
الثاني، أن نكثر من ترويته النصوص ونعزز محفوظه من الشعر والنثر.
والثالث، الا نضع أمامه الا الكلام المشكول، او المضبوط ادق ضبط...
يلاحظ، ان الدكتور العزاوي، يتعامل مع سلامة اللغة وفصاحتها بأساليب القدماء، وكأنه يقترح علينا ان نضع المتدربين على اللغة في "بيوت زجاجية" تحتفظ بقدر معين من درجات الحرارة وحمايتها من التلوث البيئي واللغوي مثلما ينبغي حماية المتدربين على اللغة من الشوائب والدخيل عليها.
ان مؤدي البحث المذكور، يؤكد بان التعليم العام والجامعي في العراق، سيبقى في أزمة عميقة، تتضاعف فيها تراكمات أربعة عقود من الجهل والتخلف والأمية وغياب المنهج العلمي، ما لم تنهض قوى وكفاءات علمية وثقافية جديدة، تأخذ في اعتبارها واقع التعليم من خلال البحوث والدراسات الميدانية الجديدة ذات المناهج العلمية في النقد والتحليل والمقارنة، وان تتمتع بقسط كاف من حرية الحركة والرأي.
ويمكن الاستعانة بكفاءات عراقية لم تكن في يوم ما جزءا من التنظيرات والكتابات التي روجت للديكتاتورية وأضفت على "الديكتاتور" خصائص لم يتوقعها، يمكن ان نجدها في مناهج ومؤلفات دراسية وجامعية.
فتنظيم المؤتمرات والندوات والملتقيات يحتاج الى رؤية علمية تستمد أصولها وأفاق عناصرها من مرحلة الانتقال الى عراق اتٍ، تعتمد على الإنسان والمجتمع، وتنظر الى البحث العلمي بوصفه مشاركة في النقد والتحليل، بعيدا عن ضيق الأفق والمقولات الجاهزة التي اكل الدهر عليها وشرب. فالعملية التربوية في العراق لم تتضح هويتها ولا معالمها ولم تظهر حتى الان "هكذا نلاحظ" أبعاد فلسفية لها.
ولعل الحال يعود الى الركود العام في مستويات البحث العلمي والأكاديمي والدرس الجامعي وان المؤتمرات لم تتمتع بقدر كاف من العلمية والاختصاص واتخاذ القرارات.
ان التعليم في العراق لا ينبغي النظر اليه من زاوية خاصة، لانه يقع في صلب الحياة الاجتماعية والثقافية والمكونات الأخرى في الإبداع والقراءة والكتاب.
فالحاجة تقتضي وجود حركات إصلاحية، تسهم بمعالجة الأزمة وتداعياتها بحسب خطة عمل طويلة الأمد يمكن ان تستمر لخمس سنين، وبكفاءات عراقية في داخل العراق وخارجه، لأننا أمام تواطؤ ثقيل وخدر عام في مستويات الإدارة والمسؤولية والدرس الأكاديمي. والجامعة العراقية تخرج جحافل من إنصاف المتعلمين والمؤهلين علميا للخوض في ميادين الحياة والعمل، ويشكلون عبئا إضافيا على جحافل سابقة، ساقتهم ظروف غير طبيعية ليكونوا في صدارة الدرس والقاعة والإدارة.
ويأخذنا الدكتور زهير غازي زاهد في بحثه "إصلاح اللغة ومناهج دراستها" التى المصطلح والترجمة وتأليف المعجمات وقوانين سلامة اللغة العربية وقرارات الجامعة العربية واللجان الاستشارية وتوصيات مؤتمرات التعريب ومنها المؤتمر الثالث العام 1977 "تحرص أجهزة الإعلام على استعمال المقابلات العربية لكل لفظة أجنبية، وقد يكون من المفيد ان تخصص الإذاعات المرئية وبرامج خاصة لإشاعة هذه المصطلحات" و "وضع خطة قومية للترجمة وإنشاء المؤسسة العربية للتعريب والترجمة والتأليف والنشر والمعهد العالي للترجمة، ولكن ظلت هذه المشاريع أحلاما على الورق...".
يأخذ البعض على البحوث الأكاديمية فتورها وأساليبها التعليمية الإنشائية الخالية من الرؤية النقدية وهروبها الى الماضي، وعجزها عن مواجهة الأزمة وتفكيك عناصرها وتحليل وقائعها لان مثل هذه البحوث تفتقر الى المنهجية العلمية وتحافظ بقدر ما على السكونية والركود وخمول البحث. ولا تقدم شيئا ذا بال وأهمية يمكن ان يغني عناصر البحث.
ويذهب بنا بحث الدكتور مشتاق عباس معن: تحريك الثابت الدلالي للرمز في التواصلية التفاعلية "قراءة في تحولات السيميائية" الى فضاء اخر، يبحث في تأثير الثورات المعرفية في العالم ومفاهيم ومصطلحات علم النفس في الادراك الشعوري والادراك الحسي والمشاعر الوجدانية وعلم النفس الفرويدي.
فالباحث، يشتغل في صميم العلاقة بين الإعلام واللغة وفلسفة الصورة والتواصل البصري والسمعي وعلم الإشارة والدلالة والصوت، وما لذلك علاقة بتربية الذوق والبيئة والاستجابة والتلقي وتكوين رؤية وموقف نقدي.
تقدم البحوث الثلاثة السابقة وبحوث أخرى، جهودا طيبة في المعرفة والتحليل، الا إنها في واد آخر، غير الوادي الذي نعوم فيه يوميا، ونلحظ العثرات والتلوث البيئي واللغوي والتواطؤ الوظيفي والإداري والصمت الأكثر ضررا للحفاظ على امتيازات، لا تشجع على البحث الميداني والنقدي ولا تدخل في صلب المشكلة التعليمية، لأنها بحاجة الى منهجية ورؤية علمية وحركات إصلاحية بأبعاد إستراتيجية "يمكن ان تسهم بإصلاح التعليم العام والجامعي بحسب برامج عمل بكفاءات علمية وخطط تأخذ في اعتبارها العملية التربوية بكل مفاصلها على مستوى المنهج والكتاب وطرائق التدريس.
#عبد_جاسم_الساعدي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟