أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الرواية : مَهوى 7















المزيد.....

الرواية : مَهوى 7


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 2986 - 2010 / 4 / 25 - 17:45
المحور: الادب والفن
    


مُشوّشاً ، كانَ ذهني يَمورُ بشتى الأفكار والتخلقات ، عندما وَجَدتني أهرعُ إلى المصلى ، الصغير ، الكائن في الناحيَة القبْليّة من الدار ؛ حتى أنني سَلوْتُ سَترَ رأسي ، العاري ، بطاقيَة الصلاة ، المُنمنمة . لقد شئتُ أداءَ صلاة الفجر ، مُبكراً ، وفي الهنيهة التي تلي تناهي صوت المؤذن من الجامع ، المجاور . لم أرغبَ أن يُشاركني أحدٌ في توحّدي ، المُتبَتل ، الساعي إلى السكينة والهدوء . كما أنني ، خصوصاً ، كنتُ أتجنب لقاء المُضيف ؛ أقله هنا ، الآن ؛ في مكان للطهارَة وفي ساعة للدَينونة . إلى يمين مدخل هذا المصلى ، المُشيّد من الحجر الأبيض والمُلبّس بالمَرْمر ، كانَ يقومُ ثمة حوضٌ مُرَخم ، بيضويّ السمَة ، يسيلُ فيه ماءُ الوضوء ، الجاري من أقنيَة دقيقة ، موصولة ببحرَة الحَوش ، الكبرى . بعدَ فراغي من التوَضؤ ، أخذتُ مَحلاً مناسباً لصلاتي بمواجهة المحراب ، المَحدود الحجم ، المُتأنق بنقوشه الرائعة ذات الألوان المُثلثة ، المُتوافقة مع ألوان مداميك الجدران . على الأثر ، استقمتُ بجذعي لكي أباشر من ثمّ طقسَ السجود والركوع أمام الحضرَة الإلهية . في هذه الهنيهة ، فكرتُ ، يَتوحّدُ المؤمنون كلهم ، بما فيهم السلطان نفسه ، خليفة رسول الله ، في التعبير عن الخضوع للذات السبحانية العليا . نعم . إنّ الخلقَ درجاتٌ ، كما جاءَ في الذكر الحكيم . وعلى ذلك ، كان على المصلى أن يتبايَنَ ، أيضاً ، في درجات رخائه أو خوائه . لا غروَ إذاً أن ينتقلَ المؤمنُ ، المُعتبَرُ الوجاهة ، من البذخ الفاني في الأولى ، إلى البذخ الباقي في الآخرة . أما المؤمن ، الفقير ، فإنّ جزاءه ثمة ، في الحياة الثانية ، سيكونُ أكثرَ وفرة ولا ريب ؛ بانتقاله من الوضاعة إلى الرفعة . " ذلكَ هوَ درسُ القناعة ، البليغ ، الذي تلقنه للبشر ، في كل مكان وزمان ، الرسالة ُ النبوية " ، تمتمتُ في سرّي بإيمان . بيْدَ أنني ، في اللحظة التي أغلقتُ فيها داخلي على جملة الحكمة هذه ، إذا بدموعي تتبجّسُ ، وعلى حين فجأة ، من ينابيع القلب ، المُعينة ، فتفيضُ من عينيّ فتغمرُ وجنتيّ . عندئذ كانت صورة المملوك ذاك ، القبرصيّ ، مُرتسمَة أمام ناظري هناك ؛ في صَدْر المحراب ، وعلى شكل أيقونة النصارى ، الذين يمتّ هوَ لمَنبَتهم . وكنتُ في وارد الاستغفار من الله ، على إقران مُخيلتي إلحاداً بدين محمّد ، حينما سمعتُ صوتَ حركة ما ، مُتأتية من الخارج . وما عتمَ المُضيف أن ولجَ من باب المصلى بتثاقل ، في اللحظة ذاتها التي كنتُ أتناهضُ فيها على قدميّ ، خفيفاً مُحلقاً . أومأ برأسه ، فيما كان يتفحّصُ ملامحي بعينيه المُتفرّستين ، ليُكرمني بتحية مختتم الصلاة : " تقبّل الله ، يا آغا "
" منا ومنكم ، يا سيّدي الزعيم "
" لتبقَ اليوم ، أيضاً ، في ضيافتنا . بعدَ الغداء ، خذ لنفسكَ قيلولة مُريحة . فلدينا نوبَة للمجلس مساءً ، وربما يحضرُها آغا يقيني ؛ آمر الدالاتية ذاكَ . لقد بعثتُ له خبراً بذلك "

كأنني كنتُ أحدَ عناصر الأيقونة تلك ؛ المُرتسم فيها الغلامُ ، الروميُّ ، أبنُ العَشرَة أعوام ونيّف : هوَ ذا هنا ، قربَ قاعدة درَج السلاملك ، وكانَ عندئذ قد تلقى ركلة عنيفة على مؤخرته ، الغضة ، من لدن قائمة ذلك الثور ، البشريّ ، الذي يَخدمُ في الدار بسموّ وظيفته ـ كوصيف خاص للزعيم . إنّ ألماًً مُفاجئاً ، مُمضاً ، قد بدأ اللحظة يَغشى عينيّ الغلام الواسعَتيْن ، البنيّتيْن ، فيما يده تعاينُ أثرَ الضربة تلك ، المُوَقعة للتوّ على إليته : إنه تعبيرٌ رهيبٌ ، لا يُحسنه سوى الأطفال ؛ فلا يُمكن ، بالتالي ، وصفه بكلمات تذكرة هذا الرجلُ الراوي ، الفاني ؛ ولا أيضاً بصنعة فنوننا ، الإسلامية ، المُحرّمة تجسيد البشر . مع أنّ هذا المشهدَ جديرٌ، ولا غرو، بأنْ يُنقشَ على لوحة الفسيفساء العظيمة ، الهائلة الأبعاد ، المُتصدّرة صحنَ المسجد الأمويّ . نعم . ولكن ، ما بال هذه المرأة ، المكشوفة الوجه والمُكتسيَة ملبسَ الحداد ، تطلّ مُهتاجة خللَ نافذة حجرتها ، العلوية ، صارخة على الوصيف بمفردات فالتة من لسانها ، العثمانيّ ؟
" عندما دعيتُ إلى حضرة القادين ، الكبيرة ، فإنني تذكرتُ ، هَلعاً ، وصيّة أمّي الراحلة " ، قال لي المملوكُ القبرصيّ وأضافَ على الأثر " صَحَبَتني خادمةٌ ، شابّة ، إلى الحَرَمْلك ؛ إلى الحجرة الرئيسة ، التي كانت زوجة الزعيم تلك ، المُخيفة ، قد أطلت من نافذتها قبل هنيهة . وَجَدتها هناك إذاً ، في انتظاري . فما أن جُذبت إليها ، حتى انحنتْ نحوي لتلاطفني بلغة غريبة ، لا أكادُ ألمّ شيئاً منها . ومَدَتْ إليّ يدها ، من ثمّ ، بعلبة فضيّة ، صغيرة ، مفتوحة على كمّ وافر من السكاكر والملبّس . إذاك ، وقفتْ أمّي الميّتة ، طيفاً حائلاً ، بيني وبين المرأة ، الغريمة ، التي كانت ضرّتها في زمن ما ، وبمعنىً ما أيضاً . فما كانَ مني ، إلا أن أخذتُ بعضَ الأطايب من العلبة تلك ، المُفضضة ، فأودعتها في جيب قنبازي وكان في نيّتي أن أرميها خارجاً . عندئذ وقعَ شيءٌ غريبٌ ، والحقّ يُقال . فإنّ هذه السيّدة الصارمة ، الشديدة الأنفة ، بدأت تختلجُ بلوعة مفرداتها الغريبة ، وكأنما كانت تخاطبُ طيفَ والدتي ، المُترائي لها . ثمّ ما لبثتْ أن انحنتْ عليّ ثانية ً لكي تقوم ، هذه المرّة ، بتقبيلي في جبهتي وهيَ مُجهشة ، مُنتحبة بلغة عربية ، عَسرَة : " سامحني ، يا ولدي " . والآن ، بعد مضيّ عقد من الأعوام ، تقريباً ، على يوم الركلة ، المَوصوف ، فما فتأتُ أسائلُ نفسي بحيرة ؛ عما إذا كنتُ متأكداً من أنّ تلك ، كانت فعلاً مفرداتُ الجملة التي فاهَ بها يومئذ فمُ القادين ، الكبيرة " .
وكانت وصيّة الأمّ لأبنها ، ألا يضعَ في فمه ، بتاتاً ، أيّ شيء تعرضه عليه زوجة الزعيم . فلو أنّ الخشيَة هنا ، كما يُفترَض ، كانت من السمّ ، فإنّ كيْدَ الغريمة بلغَ ربما بغيته في زمن أسبق ؛ في موت مُتعاقب ، غامض نوعاً ، لكلّ من الضرّة ووليدها الرضيع . ولكن ينبغي التنبيه ، على كلّ حال ، إلا أنّ القادين كانت ثكلى عندئذ : كانَ قد ماتَ لها صبيّ ، مؤخراً ، فلحقَ بأثر أشقائه الآخرين ؛ الذين سبقوه إلى التربة .
عدتُ إلى الحجرة الصغيرة ، المنذورة لنوم ضيف الدار ، مُهتدياً في الغلس بنور المسْرجَة ، الخافت . كانَ القمَرُ ما يفتأ بعدُ في منفاه ؛ ثمة ، في قبّة الليل ، يحيطه عددٌ من الحجّاب النجوم . الفجرُ ، كان هناكَ أيضاً ، في أسْر الغياب ، يحلّ بهدوء ورويّة أغلالَ شفقه . كنتُ على يقين ، ولا غرو ، بخيْبَة سنة النوم ، المُراوغة ، قدّام شطح أفكاري . إذاك ، انتظرتُ الصباحَ برفقة عصافير حديقة الدار ، الملولة . نعم . كان ذهني من التخبّط ، أنني مددتُ يدي مُجدداً إلى المصباح ، الموضوع على المنضدة المُستدَقة ، المُجاورة لسرير نومي ، لكي أبث جذوة من النار في نخوته . ثمة كراسٌ ، كبيرُ الحجم نوعاً ، مُتناعسٌ فوق المنضدة تلك ، وقد أسندَ ذقنه بدواة مُترَعة بسائلها الأسود : " أهوَ الكناشُ ، المطلوبُ ، أخيراً ؟ " ، حدّثني وَهْمي بصوت لم يَسمعه أحد . على أنني تناهضتُ من رقادي ، على كلّ حال ، لأزعج رقادَ الكراس بيد مُتكاسلة ، ضجرَة ببطالتها . تناولتُ الريشة ، المغموسة في الدواة ، وصرتُ أخط بعض الكلمات في الجريدة تلك . عندئذ كنتُ أتهجى أولى أبيات القصيد ، المُختمر طويلاً طيّ ذاكرتي .
" الريشة ذكرٌ ؛ يُنقط مَدَدَ شهوته في صفحة فرج الجميلة ، الناصعة البياض " ، كتبتُ بخطي الكبير والواضح . وكنتُ بصدد إضافة المزيد ، عندما عادَ طيفُ المَعبودة ، يطوّف في الحجرة حولي . لا بدّ أن أحتالَ لإيجاد طريقة ما ، سرّية ، تصلني بياسمينة . هكذا كنتُ أفكرُ ، ودونما أن أنتبه لاستعمالي الفعل الذي يُحيلُ للوصال وليس للوصول . سيّان إذاً ؛ فإنّ الأولَ مدلولٌ للثاني ـ كما في حالتي ، على الأقل : لأنّ كلّ تحرّ لأثر القاتل ، سيصبحُ بمثابَة دفعة له ، شديدة ، بعيداً عن عيان من أعشقها الآنَ بكلّ كياني ؛ وكلّ تقصّ لأثر الكناش ، سيُفضي إلى حجرة تلكَ الحبيبة نفسها ، المُحتبَس في جدرانها أجزاء الذكر المَصنوع ، المَنحول عن أصله الحجريّ ، الآبد . على أنني ، في آخر الأمر ، كنتُ حريصاً على حياة ياسمينة . إذ كنتُ متيقناً من أنها في خطر جديّ ، وأنّ ثمة محاولة للتخلص منها ومن حملها معاً . أجل ، لا أبريء نفسي من المُشاركة في التواطؤ على حياة الجنين . مع أنني أبرّر ذلك بشعور غير أنانيّ ؛ بشعور شخص مهنته تداورُ بين الطبابة والعطارة .
" داعي خلوَتي بالحلوَة ، يُجيز لي الاستعانة بمربيتها ، حتى لو كانَ مطلوبُ رشوتها ذهباً " ، قلتُ في سرّي بتصميم . على أنّ ما كنتُ أجهله ، حتى ذلك الوقت ، أنّ العناية السبحانية ، العليا ، إن شاءتْ ، فإنها تذلل الصعابَ أمام المؤمن وبحيلة لا تتفقُ لعقله البشريّ ، المَحدود : كذلك يُعامَلُ غرورنا ، نحن الفانين ، حينما نتكبّرُ ونتجبّرُ على مخلوقات الله الأخرى ، المُستضعَفة ، بحجّة أنّ عقلها قاصرٌ .

وإذاً ما أنْ بدأت جوقة العصافير ، المتهافتة ثمة على أشجار الحديقة ، في نشيدها الجمعيّ ، المَلحون ، حتى رحتُ أسحَبُ سدائفَ النافذة ، القائمَة قرب منضدة الكتابة . إنه الفجر ، أخيراً . وقد بَرَحَ فيّ الحنين ، حقاً . حينما كنتُ في سبيلي إلى المَنظرَة ، تجلت دارة كبير الأعيان لناظري وكأنني ضيفُ اللحظة . كلّ من الموجودات ، المتناسقة في قسمَيْ المنزل ، كان إذاك منوّراً بوضوح وشفافية ، في آن ؛ من القرميد الأخضر ، الزاهي ، لسقف الحَرَمْلك ، السَموق ، في الأعلى ؛ وإلى الرخام المُعشق بالأبيض والأسود لباحة الحَوش السماوية ، الفسيحة . وكنتُ اللحظة أجتازُ الباحة ، مُسيّراً ـ كالمُسَرنم ـ بخطيْ الجدول ، المُتوازييْن ، المُنبثقيْن من الجانب القبليّ للبحرَة ، الكبرى ، والمُنتهي سَيْرهما في أقصى ناحيَة من صَدْر الجنينة .على أنني بوصولي لمكاني ذاك ، الأثير ، رأيتني أتجاهلُ مَنظرته ، الغافية بعد ، لأختارَ لجلوسي أحد المقاعد العريضة ، المصنوعة بأفرع وأغصان دقيقة لشجيرات ، راحلة . هنا ، بمقابل الجدول ، الناضب المياه ، والمُشيّدة حوافه من قطع موزاييك زرق ، فاتحة وكحلية ، كنتُ الآنَ أتملى ما حولي من مناظر العيون . رأيتني قابعٌ في ظلال شجرة زيتون مُباركة ، هرمَة ، كانت مُتطاولة بأغصانها وأوراقها الخضر ، الغامقة ، من الجذع الثخين ، المُزدوج ، الراسخ في الحوض الكبير ، المُتسع ، القائم خلفي مباشرة ً . ثمة في المكان المُواجه لموقفي ، كان جذعٌ مزدوجٌ ، أكثر رقة ، لشجرة توت ، باسقة ، يترامى بدوره نحوَ الأفريز الحجريّ للحوض الآخر ، المُستزرعة جوانبه بالشمشير الزكيّ العَبَق ، الطاغي على مشام ما حوله من خمائل تاج النار وأشتال الورد الجوري وفم السمكة . تعريشات الدالية ، الصاعدة بأغصانها إلى حدود المشربيات تلك ، الداخلية ، للقسم الأعلى من الدار ، كانت تهزأ من النخيلات ، القصيرة القامَة ، ذات السعف الشبيهة بذيل طائر منفوش الريش . من جهتها ، فتعريشات المجنونة راحَتْ آنئذ تضرَمُ بأوار أوراقها ، المَسْحورة ، في مُنقلبها من الأخضر إلى الزهريّ والأبيض والنهديّ والأصفر . ولكنني مجنونٌ ، ولا ريب ، بعارشة الياسمين ، المعانقة للمضلعات الخشبية تلك ، لمشربية حبيبتي .
" لا أشكّ بأنّ الصقليّ قد أتخمَ روعَ رفيقه ، بمزاعمَ كوني شخصاً على جانب من الخطورة ؛ طالما أنه سمعَ الدالي باش يدعوني بسعادة القبجي ـ كذا " ، كذلك كنتُ أسرّ لنفسي . إنه سببٌ مرجوح ، على رأيي ، لما أبداهُ المملوك القبرصيّ من إذعان ، حينما كان يُجيب بكل طواعية وصبر لأسئلة فضولي ، العديدة ، المُخترقة حتى سيرته الشخصية وتاريخ عائلته . ولكن ، فربّ خوف ، مَشروع ، يتداخل في سرّ المملوك ويُضافر من أوهامه : فهوَ على يقين ، ربما ، بأنه على مرمى من الشبهَة ، فيما يتعلق بمقتل ذاك الوصيف ؛ الذي تمنى ألا يرحمه الخالقُ وألا يحزنَ عليه مخلوقٌ . نعم . كنتُ أفكرُ بأمر الخصي الروميّ ، المبخوس الحظ ، حينما أرتفعتْ جلبَة ٌ ، جليّة ، من قسم الحرملك ذاك ، المُتطامن إلى الحديقة ، من جهة جداره الغربيّ ، المُصَمّت .

" سيّدنا يَدعوكَ إلى السلاملك ؛ إنّ السيّدة ، الصغيرة ، في حالة سيئة "
خاطبني إذاكَ خادمٌ عجوز ، يبدو من هيئته أنه البستانيّ . هُرعت على الفور لمقابلة المُضيف ، في مكانه المَعلوم ، فيما كانَ خفقُ فؤادي يَشي بالخاطر ذاك ، المُرعب ؛ الذي تمثلته قبل قليل في ذهني . رأيتُ الزعيم في حركة دائبة ، من رواح ومجيء ، بين مدخل ومنتهى القاعة هذه ، الكبرى ، وكان قلقٌ بيّن منطبعٌ على ملامحه ، المُتجَهّمَة . وقال لي بنبْرَة جزعَة يتماهى فيها التأنيب : " البنتُ تنزف دماً ، ويبدو من صفرة وجهها أنها باتتْ مُسْهدَة الليلَ بطوله "
" إنه تأثير الصفة ، ولا ريب . ولكن ، أيمكنني مُعاينتها عن قرب ؟ "
" أجل ، لقد طلبتكَ لهذا الغرَض " ، قالها المُضيف وهوَ يُشيح نظره نحوَ الجهة العليا من داره . فما هيَ إلا هنيهة ، إلا وكنتُ هناك ، في جهة الحرملك نفسها ، أستأذنُ في الدخول إلى الحجرة ، الحبيبة . رأيتها ثمة ، مستلقية على سريرها ، مؤتزرة بملاءة سوداء اللون ، تشمل هيئتها جميعاً . وكانت بالهندام نفسه ، المُحتشم ، وصيفة صغيرة السنّ ، تقبع قرب رأس مخدومتها . في واقع الحال ، كنتُ متوقعاً هكذا نزف ، وعلى ذلك ، كنتُ مُحتاطاً بدواء له . بيْدَ أنّ الأمر ، ما كانَ بسبب صفتي تلك ـ كما زعمتُ لوالد ياسمينة : إنها وعلى أغلب تقدير ، قد تعرضت للتسمّم بعجينة الخميرة ؛ وهوَ ما أدى تالياً إلى النزف . ولكنّ حالتها هذه ، لم تقلقني كثيراً . ومن النافل القول ، بأنّ الأمرَ ما كانَ يُجيز الشبهة لعارض سم آخر ، قاتل . إنّ المريضة ، وبهدف إسقاط الجنين الذي ينمو في رحمها ، شاءتْ اللجوءَ إلى تحاميل الخميرة ، الضارّة ، المُسبّبة للتسمم والنزف .
" أرجو المعذرة ، يا سيدتي . يجب أن أختلي معك هنا ، في آخر المطاف " ، قلتُ لها فيما أرمقُ الخادمة بنظرة متواطئة ويدي على كيس دراهمي . عندئذ تزحزحتْ ياسمينة من رقادها ، فالتفتت إليّ بعينيها المكحولتيْن ، الرائعتين . ثمّ قالت أخيراً : " أشكرُ اهتمامك فيّ ، أيها الآغا الحكيم . إنّ هذه الفتاة صديقتي ، قبل كل شيء ؛ فأنا لا أخفي عليها سراً " .
يا ربّ السموات العلى . إنّ الحبيبة تفضي الآنَ ، وعلى الملأ ، بكنه المأزق ، المجهول بعدُ للآخرين ؛ وفوق ذلك ، تدعو الخادمة بالصديقة المُخلصة : فما هوَ " سرّها " ذاكَ ، يا ترى ؟



#دلور_ميقري (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرواية : مَهوى 6
- الرواية : مَهوى 5
- الرواية : مَهوى 4
- الرواية : مَهوى 3
- الرواية 2
- الرواية : مَهوى
- الأولى والآخرة : مَرقى 13
- الأولى والآخرة : مَرقى 12
- الأولى والآخرة : مَرقى 11
- الأولى والآخرة : مَرقى 10
- الأولى والآخرة : مَرقى 9
- الأولى والآخرة : مَرقى 8
- الأولى والآخرة : مَرقى 7
- الأولى والآخرة : مَرقى 6
- الأولى والآخرة : مَرقى 5
- الأولى والآخرة : مَرقى 4
- الأولى والآخرة : مَرقى 3
- الأولى والآخرة : مَرقى 2
- الأولى والآخرة : مَرقى
- الأولى والآخرة : توضيحٌ حولَ خطة التحقيق


المزيد.....




- الناجي الوحيد من الهجوم على فريق المسعفين، يروي لبي بي سي تف ...
- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- تصادم مذنب بشراع جاك
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
- تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة ...
- ياسمين صبري توقف مقاضاة محمد رمضان وتقبل اعتذاره
- ثبت تردد قناة MBC دراما مصر الان.. أحلى أفلام ومسلسلات عيد ا ...
- لمحبي الأفلام المصرية..ثبت تردد قناة روتانا سينما على النايل ...
- ظهور بيت أبيض جديد في الولايات المتحدة (صور)


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الرواية : مَهوى 7