أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض خليل - حالة شاذة : قصة قصيرة














المزيد.....

حالة شاذة : قصة قصيرة


رياض خليل

الحوار المتمدن-العدد: 901 - 2004 / 7 / 21 - 02:54
المحور: الادب والفن
    


...وجودي في هذا المكان حالة شاذة..‏
أنا الآن أطل على المدينة... على معظم المدينة... عبر نافذة واسعة، إطارها من الألمنيوم الملون، كذلك زجاجها ملوّن بسمرة خفيفة ورشيقة.‏
الطاولة التي أجلس إليها.. تكاد تلتصق بالنافذة.. عليها غطاء أبيض، مرتب.. ونظيف...على الغطاء صحنان مسطحان أبيضان... ومتقابلان.‏
وعلى كل منهما منديل أبيض، يوجد أيضاً كأسان فارغان، ونفاضة سجائر كريستالية فاخرة وثمينة..‏
عفواً...نسيت ذكر أهم شيء، إنه السيد (م) الذي يجلس برفق على الكرسي، عند الطرف المقابل من الطاولة، والسيد (م) هو صاحب الدعوة إلى هذا المكان المرتفع.. الهارب من "ألف ليلة وليلة". علاقتنا لا تزال طرية.. طازجة.. وغير واضحة.‏
هو من طبقة النجوم، وأنا رقم من الجمهور العائم.‏
كنت مبهوراً بفخامة المطعم المرتفع جداً، والذي يسمح برؤية الفضاء المشرع.‏
لاحظ السيد (م) انبهاري...سألني متودداً:‏
- إن شاء الله أعجبك المكان؟‏
اختلّ الهدوء... بدخول عصابة آدمية، سرعان ما تبين أنها تتألف من نجمةٍ، تجرّ وراءها نجيمة، وثلاثة ذكور، الذكور يرتدون ثياباً محتشمة.‏
السيد (م) حيّا العصابة، وهو ينهض قليلاً.. بعضهم رفع يده بالتحية، والبعض اكتفى بهز الرأس، جلس السيد (م) التفت إليّ، ولم يتخلص من ابتسامته بعد، قال:‏
- إنها النجمة.. الكبيرة.. تعرفني.. وتحترمني..‏
هنا أحسست بأن السيد (م) ليس خارقاً تماماً...شخص يقترب من طاولتنا. يضع عليها أطباقاً متخمة بأصناف الطعام.. الشهيّ بمنظره.. ورائحته.‏
لم أبدأ إلا بعد أن بدأ السيد (م)، التقطت أسلوبه في التعامل مع جمهرة الأطباق، وحاولت تقليدها، جاءت محاولتي متعثرة قليلاً، شجعني السيد (م) بالقول:‏
- خذ راحتك...‏
أصوات العصابة ترتفع وتهبط كأمواج البحر، السيد (م) يلتفت إليهم بين الفينة والأخرى .. ويبتسم، أما أنا فكنت آكل، وأتأمّل وأقارن.‏
بيتي يبحث عن الشمس، يقف في مصراع حيّ مهرَّب، هواؤه فاسد.. وراكد. الصراصير بأنواعها تستعمر مطبخه، وتتعدى بغاراتها على أحشائه الأخرى، بيتي معتل ومستعبد، بينما هذا المكان كالنسر.‏
غداً سأحدث زملائي في العمل.. لا أستطيع السكوت على العجائب التي أراها. بأدق التفاصيل سأشرح.. وأصف، بل سأرسم صورة مجسّمة لكل ما رأيته وسمعته وأكلته، صوت زميلي في العمل يقتحم أذني لا أعرف كيف استطاع الصعود عبر الهواء الحرّ إلى هذا العلو الشاهق حيث أجلس...صوته قرع أذني المواجهة للنافذة:‏
- ما هو الثمن؟!‏
ارتبكت.. ثم قلت لنفسي: حتى الآن لم يحرجني السيد (م) بطلب يخالف القانون والأنظمة، أوراقه كلها سليمة نظامية.. ثم إنه ألح بدعوته لي..لم أقبل حالاً..‏
أجفلت، فأجفلت موجودات المطعم، بسبب ضحكة مبعثرة، خدشت الهواء والهدوء، النجيمة هي التي رشتها. الذكور الثلاثة جاملوها بضحكات لزجة، بينما عاتبتها النجمة بصوتها الخشن:‏
- عيب.. اخفضي صوتك..‏
علّق السيد (م)، بعد أن لا حظ استغرابي:‏
- إنهم نجوم!‏
عقّبتُ مبرراً:‏
- بعض النسوان عندنا يفعلن كذلك.‏
تذكرت الدجاجة البلدية: أم صبحي.. كيف توقوق، وهي تلاحق أطفالها، الذين يعبثون كالجراء، لاحظت الفرق بينها وبين تلك الجاموسة... صاحبة الصوت المسترجل، أقصد النجمة، الحقّ أن صوت أم صبحي أحلى.‏
بدأت أشعر أنني لست عديم القيمة، وأن موجودات المطعم أقل شأناً مما توهمت في البداية.‏
شخص يرفع الأطباق.. وقد بقي منها ما يشبع عائلة كبيرة..‏
تمنيت لو كانت أم صبحي وجراؤها معنا، إذن لأكلوا وشبعوا دون أن يضطروا للحس الأطباق.‏
عاد الشخص ليقدم لنا الفواكه الممتازة، كانت حبّات التفاح اللامعة مغرية، فوجدت العذر لآدم وحواء، أخذت حبّة كبيرة جذابة، فوجئتُ بها مدوّدة.‏
لاحظها مضيفي.. السيد (م) علل:‏
- إنها حالة شاذّة...‏
وعقبتُ مبرراً:‏
- عندنا يأكلونها، حتى ولو كان فيها ديناصور.‏
ضحك مضيفي ملء خاصرتيه لذلك التشبيه، وقد انتبهت محتويات المطعم لضحكته الجامحة بشيء من الفضول، قلت لنفسي: عندنا بعض الرجال يفعلون هكذا! وأحسست أن السيد (م) ليس خارقاً (م) ولا مختلفا جداً عنّا، وللأمانة أعترف أنه كان طيّباً معي، وأميل إلى اعتبار دعوته لي نوعاً من كرم الأخلاق.. والأريحية... لأنه لم يحرجني بطلب منافٍ لشرفي الوظيفي حتى الآن.‏
شيء ما يتحرك تحت طرف الصحن، يظهر ويختفي.. كاللص تماماً شيء صغير... بنّي قاتم... طوله أقلّ من سنتيمتر.. ولكنه سريع الحركة... يطلّ ثم يلوذ بأسفل الصحن...راقبته... تأكدت من هويته. إنني أعرفه، شخصيته مألوفة جداً لي، لدي خبرة طويلة به... و... من غير تخطيط... صرخت بقوة.. وثقة:‏
صرصور... صرصور... أنا واثق.. متأكد.. إنه صرصور.‏
مضيفي السيد (م) وضع أصابع كفه المضموم بعضها إلى بعض عضها قبالة فمه. أخذ يبعدها ويقربها بسرعة من شفتيه، وهو يرجوني بصوت مخفوض:‏
- اسكت.. اسكت.. فضحتنا يا رجل..‏
قلت: ولكنها الحقيقة.‏
قال: مستحيل.. أنت تتوهم.‏
قلت بصوت مرتفع: انظر إليه...إنه صرصور...سلني أنا...أنا أخطئ في أي شيء عدا هذا...‏
قاطعني: يا صديقي إنها حالة شاذة... أرجوك أصمت.‏
قلت: أقنعتني...هذا معقول...ممكن...ولكن عندنا هذه الحالة ليست شاذة..‏
التمَّ بعض الخدم...تحلقوا حول طاولتنا...بحيث عُزلنا عن باقي تضاريس المطعم. أحدهم وضع فمه في أذن مضيفي...غطاها بشفتيه الغليظتين. خادم آخر في يده منديل، يده ترتعش...وهي تقترب من الصرصور، يقبض عليه، ثم يزفر، ويمسح وجهه المتعرّق بمنديل آخر.‏
سكان المطعم وموجوداته تهامست، مستفسرة، وظل الجواب حبة أسبرين مهدئة ملفوفة بعبارة "حالة شاذة" التي ظلت تتردد كالصدى في الفضاء المحصور للمطعم الممتاز.‏




#رياض_خليل (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل الذي فقد وزنه : قصة قصيرة
- الشارع العجوز : قصة قصيرة
- العين المعدنية البيضاء : قصة قصيرة
- مدن الذباب : شعر
- خرافة : قصة قصيرة
- الحائط : قصة قصيرة
- الطيف : قصة قصيرة
- قصائد قصيرة -3
- أفكار حول القصة القصيرة
- (2 ) قصائد قصيرة
- دعدوش : قصة قصيرة
- أنا والآخر : مقال
- الانتصار : شعر
- لم أكن أتألم
- الأمير: شعر :
- - 1 - قصائد قصيرة
- سرقة: شعر
- قصيدةشعرية
- خلل فني طارئ : قصة قصيرة
- روبوت : قصة قصيرة


المزيد.....




- ما قصة فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟
- وفاة الممثل الأمريكي فال كيلمر عن عمر يناهز 65 عاماً
- فيلم -نجوم الساحل-.. محاولة ضعيفة لاستنساخ -الحريفة-
- تصوير 4 أفلام عن أعضاء فرقة The Beatles البريطانية الشهيرة ...
- ياسمين صبري توقف مقاضاة محمد رمضان وتقبل اعتذاره
- ثبت تردد قناة MBC دراما مصر الان.. أحلى أفلام ومسلسلات عيد ا ...
- لمحبي الأفلام المصرية..ثبت تردد قناة روتانا سينما على النايل ...
- ظهور بيت أبيض جديد في الولايات المتحدة (صور)
- رحيل الممثل الأمريكي فال كيلمر المعروف بأدواره في -توب غن- و ...
- فيديو سقوط نوال الزغبي على المسرح وفستانها وإطلالتها يثير تف ...


المزيد.....

- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد
- اللغة الشعرية في رواية كابتشينو ل السيد حافظ - 110 / وردة عطابي - إشراق عماري
- تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين / محمد دوير


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض خليل - حالة شاذة : قصة قصيرة