فلورنس غزلان
الحوار المتمدن-العدد: 2955 - 2010 / 3 / 25 - 04:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اجتاحت شوارع باريس وساحاتها الهامة البارحة عشرات الآلاف من المتظاهرين والمضربين في حقلي العمال والعليم، والتي دعت إليها كل النقابات ، وباعتقادي أن ماحمل هؤلاء وشجعهم على الخروج وشحن القدرة على مواجهة سياسة سيد الأليزيه " ساركوزي " ، هو النجاح الكاسح الذي حققه تجمع اليسار ممثلا بتحالف كلا من " الحزب الاشتراكي، حزب الخضر، وجبهة اليسار " في الجولة الثانية من الاستحقاق الانتخابي، خاصة وأن نجاح اليسار قام على أهم الدوسيات وأكثرها حساسية وتقف وراءها كل النقابات الفرنسية بكل انتماءاتها والمتعلقة بإصلاح مخططات التوظيف في حقل التعليم والعمال وإعادة النظر في تقليص الكثير من الوظائف وفي سن التقاعد ، الذي رفعته حكومة ساركوزي للخامسة والستين من العمر ، الأمر الذي ترفضه النقابات ويرفضه معظم أبناء الشعب الفرنسي..وفي ايجاد فرص جديدة للقضاء على النسبة المرتفعة لعطالة العمل بين فئات الشباب خاصة.
لقد عودنا هذا الشعب أنه لاينام على ضيم ولا يغمض العين على ظلم أو انتقاص لحق من حقوقه، وأنه لايخاف سلطة انتخبوها ونصبوها بأيديهم حين تخرق متطلباتهم وتغامر بمستقبلهم ولقمة عيشهم، فهم من فسح المجال لانطلاق ساركوزي نحو القمة، لكنهم كفيلين بإعادته إلى مكانه الطبيعي بينهم...حين يخلف بما وعد ويخطيء في حساباته ويضع مخططات غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، سواء من خلال من وضعوها أو من خلال من وافقوا ووقعوا عليها...لذا كان الفشل مصير اليمين ...إنما أدى لقيام نار قال عنها يوماً ساركوزي نفسه في عام 2007 أنها" تدهورت وانهزمت ولن تعود لما كانت عليه " ...وكان يقصد " الجبهة الوطنية " بزعامة جان ماري لوبين اليميني المتطرف، والتي صعدت لتصبح في هذه الانتخابات القوة الثالثة وتحصل على نسبة 17.9% ــ حسب تقرير وزير الداخلية الصادر عن استحقاقات الدورة الثانية ليوم الأحد 21 من الجاري ( عن اللوموند ولو باريسيان ) ــ وهنا مربط الفرس كما يقولون..أي هنا يكمن الخطر على مستقبل فرنسا، وجاء على لسان صحيفة الفيغارو مامفاده أن " نجاح اليمين المتطرف أحد المعالم الهامة للاستحقاقات ومؤشر على التطور الذي ستشهده الساحة السياسية ـــ والمقصود هنا الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة ــ "!، وهذا يعيدنا لذاكرة غير بعيدة ، حين استطاعت الجبهة الوطنية في انتخابات الرئاسة 5 مايو عام 2002 أن تصل للمرتبة الثانية بعد تشرذم اليسار وهزالة طرحه وخاصة الاشتراكيين بقايدة جوسبان آنذاك، مما دفع الشعب الفرنسي اليقظ الملدوغ من يمين متطرف وتاريخ حمل له مجازرا وأدى لاحتلال بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية إلى أن يصطف بكل قوته يسارا ويميناً " معتدلا" إلى جانب شيراك وينقذ فرنسا من مخالب السيد لوبين..ويحصل شيراك على معجزة تاريخية ويُنتخب حينها لأكثر من ثمانين بالمئة من أصوات الفرنسيين في دورة ثانية كرئيس لفرنسا...
بقدر ما فرح العمال وفرح أمثالي من الأصول الغريبة وكل طبقة العمال والفلاحين وصغار الكسبة لانتصار يساري يحمل أملاً في التخلص من أوضاعهم المزرية وتدني القدرة الشرائية وغلاء الأسعار إلى جانب سقف البطالة المريع بعد الأزمة المالية العالمية ، التي طالت كل الشرائح الإجتماعية وكل مفاصل الاقتصاد الفرنسي وألقت بظلالها على الحياة اليومية وزرعت في عيون الفرنسي خوفاً من الغد، بل وسحبت ثقة المواطن بحكومة ساركوزي، فلو قارنا انتخابات المناطق عام 2004 وقد تضامن اليسار فيها كذلك، لكنه لم يحصل إلا على أكثرية نسبية وصلت إلى 50,34% بينما حصدت في نهاية الدورة الثانية هذا العام على أكثرية 54,08% ..وفي المقابل حصل اليمين " اتحاد الحركات الشعبية" على 35,37% هذا العام مقابل 36,84% عام 2004 ومع هذا جاء ساركوزي وانتصر في الرئاسيات الأخيرة!، إنما السؤال الذي يطرح نفسه بحدة عن السبب الذي دفع بساركوزي إلى الاسراع في عقد اجتماع هام مع رئيس وزرائه السيد فرانسوا فييون ومع نواب حزبه في البرلمان، ثم اتخاذ إجراءات اسعافية أدت لتغيير في حقائب وزارية هامة بحكومته..طالت أهم البارزين والمحسوبين على( الساركوزية)..وسحب الثقة من " اكزافييه داركوس " وزير العمل ومنح حقيبته لِِ" ايريك ويرث" ! واضطراره لتعيين أشخاص محسوبين على غريمه شيراك ومن المقربين له أي " فرانسوا باريون" وتسليمه حقيبة المالية والموازنة العامة!...ومن ثم طال التعديل وزارة الإدارة العامة وتم تعيين " جورج ترون" سكرتير دولة للإدارة العامة والمحسوب على عدوه اللدود مسيو دوفيلبان!، ولم يكتفِ بذلك ، بل قام بتعيين السيد " مارك فيليب دوبريس" بدلاً من مارتان إيرش كوزير للشباب ويعتبر مارك فيليب من المحسوبين على رئيس الوزراء السابق " جان بيير رافاران"!..هذه الحقائب التي انقلبت على رأس حامليها ممن فشلوا في مناطقهم النيابية وأدت إلى سحب بساط الوزارة من تحتهم...تعني أن ساركوزي يحاول خلط الأوراق وكسب ثقة آخرين من غير الموالين كلياُ له واحتوائهم، كما فعل حين فرب منه يساريين من أوساط الحزب الاشتراكي " وزير الخارجية السيد كوشنير ووزير الثقافة السيد فريدريك ميتران، وجاك لانغ الوزير اليساري السابق للثقافة "..ولم يتم تغيير هؤلاء...لكن الأوساط السياسية تقول ، أن السيد كوشنير لن تطول مدة إقامته أكثر من بضعة أشهر!...حيال هذه التغييرات يحتار المرء ويسأل كيف يمكن لأعضاء في حزب واحد أن يختلفوا ويُكَّونوا تكتلات داخل نفس الحزب!، وهذا بالضبط ماجعل ساركوزي يدني إليه بعض المحسوبين على خصومه داخل حزبه، لكن ألدهم السيد دوفيلبان ــ الذي أرسله ساركوزي للمحاكم بقضية " كليرستريم"، قام بتشكيل "حركة لخدمة الفرنسيين"، والذي أبدى استطلاع قامت به
سيه إس إيه ) لصالح صحيفة فرانس سوار أظهر أن 16% من الفرنسيين يرغبون بأن يمثل دوفيلبان حزب( او أم بيه)
في الرئاسيات القادمة عام 2012 وفي المقابل 14% فقط رأوا في ساركوزي ممثلهم للحزب في انتخابات 2012!!، كل هؤلاء الرؤساء السابقين للوزارة يختلفون مع ساركوزي حول دوسية الضرائب على المحروقات ، وضريبة الدخل، والهوية الوطنية!، ومع أنه حاول استمالة" جوبيه " ممثل منطقة بوردو، ورافاران...لكنهما اكتفيا بالمراقبة والانتظار والنقد...
هذه القراءة فيما أوردته الصحف الفرنسية بقدر ماتمنحنا بعض الأمل في تقدم اليسار تدخل التوجس لقلوبنا جميعاً حين ننظر لما آلت إليه حال الأحزاب اليسارية على مستوى أوربا ، ففي هولندا خسر اليسار وصعد اليمين ، وفي ألمانيا جاء بميركل ممثلة اليمين، وفي ايطاليا تقدم برلسكوني رغم كل مايثار حوله وما أثير من أقاويل تمس الاقتصاد والأخلاق والتلاعب في المال العام...ولم تنجُ من هذا التصنيف سوى اسبانيا...لكن الأوضاع الراهنة تشير إلى صعود واضح لليمين بعد فشل اليسار في حل المشكلات الاقتصاية الحادة التي طالت البلاد بعد الهزة المالية العالمية، وبعد التفجيرات الإرهابية سواء القادمة من القاعدة أم من حركات الباسك..وأما انكلترا فحكومة عمالها تتأرجح وتقف على مفترق طرق ولم تحسم بعد أمرها فيما يخص الإتحاد الأوربي، وكل هذا وذاك يتعلق بشكل كبير بالأزمة المالية وبالعملة الموحدة " اليورو" ومدى جدواها وصلاحياتها في الوقت الراهن!، خاصة بعد أزمة اليونان وانهيار اقتصادها أمام مديونيتها للسوق الأوربية وعدم وفائها بالتزاماتها..ولأن الكثير من الأصوات الاقتصادية تنتقد النسبة المرتفعة للفوائد ــ مقارنة بفوائد صندوق النقد الدولي ــ الملقاة على عاتق الأعضاء في هذه السوق مع التفاوت في قوة الاقتصاد بين دولة وأخرى، وخاصة بعد أن طرح مدير هذا الصندوق السيد" دومينيك ستراوس" ، على اليونان قرضاً بفوائد لاتتجاوز 1,5 % بينما فوائد السوق الأوربية تفوق الخمسة بالمئة، ويعتقد أنه سيلعب دوراً هاماً في الانتخابات الرئاسية القادمة باعتباره ابن الحزب الاشتراكي الفرنسي والخبير باقتصاده والاقتصاد العالمي، وتصدر بين فترة وأخرى أصوات ترشحه أو تقول بأنه ينوي ترشيح نفسه لرئاسيات 2012 !.
بعد هذا الملخص السريع لما جرى على الساحة الفرنسية، هل نعتقد أن العقد القادم سيكون يسارياً في فرنسا؟ وهل يمكنها حينها أن تغير من ميزان القوى السياسية الأوربية؟ ...هذا يعتمد على مدى استيعاب اليسار لدرس الفشل عام 2007 وتوحيد صفوفهم في مواجهة خصم عنيد وقوي لايستهان بقدرته، وكي لايفسح المجال مجدداً لصعود اليمين المتطرف اللوبيني ــ إن جاز التعبيرــ وبنفس الوقت يضع برنامجاً مدروساً بعناية يهتم بشؤون المطالب الملحة من قوة الشراء، إلى عطالة العمل، إلى سن التقاعد، إلى إعادة النظر بالحقائب الوظيفية التي قلصها ساركوزي في المدارس والمعاهد والمستشفيات.
ــ باريس 24/03/2010
#فلورنس_غزلان (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟