كريم عامر
الحوار المتمدن-العدد: 883 - 2004 / 7 / 3 - 05:18
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
العلاقة التى تربطنا -نحن البشر -بالحقيقة علاقة تنافر وابتعاد وهروب ...فالبشر دائما وعلى مر العصور يهربون من حقيقتهم بتزييفها أو تغطيتها أو حتى تزيينها
وابسط مثال يوضح ذالك هو هروبنا من حقيقة اننا ولدنا عراة بتغطية اجسادنا بالملابس لاخفاء حقيقتنا كمحاولة منا للهروب منها
ولاضافة المذيد من الزيف على هذة الحقيقة ...اختلقنا -نحن البشر -القصص والحكايات التى نريد بها أن نثبت لأنفسنا أننل لم نخلق عراة وأن السبب الكامن وراء عرى اجسادنا هو المعصية التى ارتكبها البشرى الأول "ادم" وقرينتة "حواء "للأوامر العليا الالهية التى تسببت فى عقابهم بازالة الستر الالهى الذى كان يستر سوءاتهم
هذة الحكاية التى اختلقها العقل البشرى لتزييف الحقيقة هى مثال واضح وجلى لمحاولاتنا -نحن البشر -الدؤوبة لاخفاء الحقيقة
وعلى الرغم من ذالك الهروب الواضح فى سلوكياتنا وتصرفاتنا وتعاملاتنا مع الاخر ....نرى أن الكثيرين منا يدعون انهم يبحثون عن الحقيقة ...والبعض الاخر يدعى انة قد توصل بالفعل الى الحقيقة ثم يبدأ بسرد بعض التفسيرات والنظريات والتحليلات التى يدعى انها هى الخلاصة الحقيقية للحقيقة ...وما هى الاخرافات من نسج خيالة المريض يحاول بها ان يهرب من حقيقة الجهل الذى هو الحقيقة التى مهما حاولنا ارتداء ثياب العلم والمعرفة والثقافة لتغطيتها فستظل هى الحقيقة التى نخجل منها ونتهرب من الاعتراف بها
وقد اشتق الانسان من كلمة الحقيقة عدة مفردات محاولا بذالك التغطية والتورية على الكلمة الأساسية "الحقيقة "لسبب ربما يجهلة الكثيرون وهو أن الذكر المسيطر على المجتمع البشرى قد أبى أن تكون الكلمة المعبرة عن واقعة كلمة مؤنثة فى الوقت الذى كان ميزان القوة يميل بشدة ناحية الذكر على حساب الأنثى ...فحاول الانسان الهروب من هذة الحقيقة باستبدالها بمرادف اخر لها مشتق منها هو "الحق "...ونجح بذالك فى اخفاء الحقيقة بستار من الوهم سماة الحق ليعبر بذالك عن حق عن سطوة وسيطرة الذكر صاحب الحق على الأنثى التى هى الحقيقة والأصل ....وهرب بذالك من الحقيقة التى طالما حاول الفرار منها ...وهى أن الأنثى هى الأصل
وقد اختلف الكثيرين عندما حاولوا مناقشة المعنى المأخوذ من كلمة "الحق " فنجد مثلا السوفسطائى ثراسيماخوس فى محاورات افلاطون يقول "اننى أعلن أن القوة هى الحق وأن العدالة هى مايحقق مصلحة الجانب القوى "بينما رفض الاخرون هذا التصور لاستنادة الى تعصب ذكورى يعتمد على القوة فى تحقيق اهدافة ....واوضحوا أن الحق هو مايحقق المصلحة العليا للجميع وليس لجانب واحد فقط
ويتضح من هذا مدى التخبط الذى عاشة البشر عندما حاولوا تزييف الحقيقة لاظهار أنها تقف فى جانب مصالحهم النفعية البحتة الأمر الذى يعد هروبا أكبر من الحقيقة التى ساوت بين جميع البشر عندما جائت بهم على شاكلة واحدة دون تمييزواحد عن اخر بلباس او علم
الهروب من الحقيقة هو الذى يدفع الطغاة الى تبرير تصرفاتهم الهمجية التى يتعاملون بها مع رعاياهم تحت عدة مبررات كل واحدة منها تمثل محاولة مستميتة للهروب من حقيقة كونهم طغاة
فعندما ننظر الى شخصية ديكتاتورية دموية كشخصية صدام حسين نجد هذة المحاولة للهروب من الحقيقة متأصلة فى فكرة ....فهو يبرر المذابح التى ارتكبها بحق ابناء شعبة على انها محاولة لترسيخ الأمن والنظام ....ويبرر غزوة لدولة الكويت ان للعراق حقا فيها بوصفها قرية تابعة للعراق ....ويبرر تصرفاتة الأخرى بمبررات وحجج أخرى يحاول بها الهروب من حقيقة كونة حاكما ظالما غاصبا مستبدا
وعلى الجانب الاخر ....نجد ديكتاتور من نوع اخر يحاول ايضا الهروب من الحقيقة وهو الرئيس الأمريكى " بوش" ....فنجدة يبرر غزوة الهمجى للعراق على أنة محاولة لازالة اسلحة الدمار الشامل العراقية ....وبعد أن ثبت بعد الغزو عدم وجود اسلحة من هذا النوع على ارض العراق ....بحث عن مبررات أخرى يغطى بها فضائحة الدموية وخططة الاستعمارية لدول الخليج العربى النفطية محاولا الهروب من حقيقة اطماعة المادية بالاستحواذ على نفط الابار الخليجية
الهروب من الحقيقة هو الذى يدفع البعض الى تبنى مفاهيم وايديولوجيات وأخلاقيات يدرجها تحت مسمى "الدين " لكى يبرر بها تصرفاتة البربرية الهمجية تجاة الاخرين للهروب من الحقيقة التى تطاردة دائما بأن الناس على تنوعهم واختلافهم لافضل لأحد منهم على أحد
فعندما ننظر الى الطريقة الهمجية التى تعامل بها الأنثى من قبل المجتمع الذكورى ....نجد العديد من المبررات التى يحاول بها المجتمع الهروب من حقيقة أن الأنثى لا تختلف عن الذكر فى شىء يوجب معاملتها بتلك الوحشية
الهروب من الحقيقة هو الذى يجعلنا نستخد أساليب الخداع اللغوى مثل الكناية والتورية والمجاز عندما نحاول التعبير عن الحقيقة بأسلوب لغوى ملتو ومخادع بواسطة العدول عن اللفظ الحقيقى الى اخر دال علية ...كمحاولة منا للهروب من الحقيقة بالخداع اللغوى وغموض العبارة
فالهروب من الحقيقة هو الذى يدفعنا الى أن نتصرف بهذة الطرق ونضع لذالك مبررات نحاول بها الافلات من الحقيقة ..والا ..اليس اقدام البعض على قتل نفسة فيما يعرف بالانتحار نوع من الهروب من حقيقة وجودة بهذة الحياة
اليس السعى الدؤوب من قبل الانسان للعناية بنفسة والحفاظ على صحتة من التدهور والاصابة بالامراض يعتبر نوعا من الهروب من حقيقة الموت المحتمل ؟
اليس اقدام الانسان على القراءة والتعلم يعتبر نوعا من الهروب من حقيقة الجهل التى تكون سمتة عند مجيئة الى هذة الدنيا لأول مرة ؟
وأخيرا ...اليس كتابتى لهذا المقال عن الهروب من الحقيقة يعتبر محاولة منى للهروب من حقيقة مفادها أننى أهرب من الحقيقة ؟
من كل ماسبق يتضح لنا أن الهروب من الحقيقة قد أصبح السمة المميزة لحياتنا والسلوك المسيطر على تصرفاتنا ....فما من تصرف او عمل يقوم بة الانسان الا وهو يخفى وراءة نوعا من الهروب من الحقيقة
... وفى النهاية ............اليس من الجدير بنا أن نتسائل بيننا وبين انفسنا .......لماذا نهرب من الحقيقة ؟
#كريم_عامر (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟