نضال نعيسة
كاتب وإعلامي سوري ومقدم برامج سابق خارج سوريا(سوريا ممنوع من العمل)..
(Nedal Naisseh)
الحوار المتمدن-العدد: 2882 - 2010 / 1 / 8 - 13:49
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
لا ندري كيف ستقود الولايات المتحدة العالم، ومن ضمنه الحرب المزمنة على الإرهاب، وهي على هذا القدر من الضحالة والسذاجة والإهمال واللامبالاة والتواضع المهني الذي بات ظاهرة تميز عملها وأداءها، فناهيكم عن الإخفاق التاريخي المشهود والمحرج، حتى الآن، في القبض على رؤوس القاعدة كابن لادن والظواهري، توالت اليوم جملة من الإخفاقات النوعية المتتابعة، ومن ذات المحتوى، وتكمن رمزيتها، في درجة الإحراج الكبير لهذا الجهاز الأمني الإخطبوطي الرهيب أكثر من مجرد الاهتمام بنتائج العملية فهي ومهما كانت شدتها فقد لا تبلع هجمات، هذه، الحادي عشر من سبتمبر، إذ لا يمكن بحال فصل سلسلة من العمليات والمحاولات الإرهابية عن بعدها وشرطها القاعدي القوي، وظهوره في أكثر من مرة بشكل صارخ وفاضخ، ويطغى على أي بعد، ولسان حال القاعديين يقول:"ها نحن ما زلنا هنا، فماذا أنتم فاعلون؟"
ومن المؤشرات الأولى لتلك الإخفاقات هي توفر عناصر التسيب واللامبالاة والإهمال في مختلف العمليات الأخيرة الأكثر دوياً كعملية الميجور الطبيب نضال مالك حسن، أولاً، في قاعدة، فورت هود، والتي استهدفت مجموعة من القوات والجنود الأمريكيين التي كانت تتأهب لذهاب إلى أفغانستان، للانضمام إلى القوة الإضافية التي وافق أوباما على إرسالها، "على مضض"، إلى هناك، ناكثاً بأول تعهداته انتخابي، وأدت تلك العملية إلى مقتل ثلاثة عشر جندياً وضابطاً أمريكياً، وجرح آخرين، قبل أن تتمكن إحدى الشرطيات من إصابته، ومنعه من إتمام تلك المجزرة المروعة.، فالميول الطالبانية والمتطرفة والسلوك الديني والسلفي لضابط ذي رتبة عالية في الجيش الأمريكي، ومداومته على الذهاب إلى مسجد دار الهجرة وتجنيده على يد الشيخ الأمريكي اليمني الأصل أنور العولقي، وشجبه وإدانته بشدة وفي محاضرات ولقاءات علنية وحوارات بينية للتدخل الأمريكي في العراق واقتفاء وتتبع مراسلات مع ذات الشيخ اليمني، ومن دون أن يسترعي ذلك اهتمام، أو يثير ذلك حفيظة وكالة الاستخبارات العسكرية أو المركزية ولا حتى الـ F.B.I الـ Federal Bureau Of Investigationمكتب التحقيقات الفيدرالي، أو حتى أن تتحرك لديهم "الحاسة" الأمنية، وكأن الأمر لا يعني هؤلاء ذلك، ومن دون أن يتم الربط بينها وبين احتمال أن تتخذ طابعاً عملياً عنفياً وإرهابياً. إنها واحدة من الإخفاقات الساذجة في التحليل والتعامل من المعطيات والظواهر المتاحة والمعلومات التي لا تحتاج إلى جواسيس وتتبع وعملاء. ففي وضع الميجور حسن تتوفر أبسط آليات استنتاج التصور، واستنباط وربما استقراء الفعل والقرار، المعمول بها-الآليات- في مختلف النظم الأمنية، ولا تحتاج إلى "معلمين" وجنرالات، وأساتذة كبار.
وعلى نفس الشاكلة والمنوال، فقد تجاهلت هذه الأجهزة الأمنية الأمريكية بلاغاً أمنياً ، وبما يشبه الشكوى والتحذير والإنذار، مقدماً من المصرفي والوزير السابق، ووالد الطالب النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب حول ميول ابنه الإرهابية والمتطرفة، وعلاقاته مع سلفيين، وانخراطه في نشاطات وسلوكيات مشبوهة، وذهابه لليمن حيث نشاط القاعدة بلا حدود، وظاهر للعيان، مع غياب وضعف ملحوظ لسلطة الفيلد مارشال علي عبد الله الصالح، ومع ذلك فقد تعاملت الاستخبارات الأمريكية بشيء من اللامبالاة مع تلك المعلومات، وقامت بمنح عمر الفاروق تأشيرة دخول، توجه بها على متن الـ KLM إلى ديترويت، ولولا قلة خبرة هذا الإرهابي، وربما، الصدفة وحدها وليس فطنة وشجاعة أو أداء رجال أمن الطائرة ، لكان العالم ما زال يعيش اليوم انعكاسات، وتداعيات كارثة بشرية مرعبة أخرى، كانت أودت بحياة ثلاثمائة شخص عشية عيد الميلاد، ومن بينهم عائلات بأكملها، بما فيها من نساء وأطفال، كانوا بطريقهم لقضاء الكريسماس، ليحيل هذا الإرهابي، بذلك، الأفراح والمناسبات العائلية الجميلة، ولم شمل الأحباب، وأيام والأعياد، إلى كوارث ونكبات كوزموبوليتانية، وعلى مستوى الأمم والشعوب والقارات، وليس، فقط، على مستوى الأسر والأفراد وحسب. صحيح أن عنصر المفاجأة تم تحقيقه على يد أساطين وخبراء القاعدة، وربما لأول مرة في تجنيد طالب نيجيري وإفريقي، ، وليس شرق أوسطي ومن بلدان "الضلال السياسي والحضاري"، نقول هذا العنصر ليس غائباً البتة، لكن هناك أيضاً تجاهل وإهمال لمعلومات هي في حوزة الوكالة، وجرى التعامل معها بمنتهى اللامبالاة. ( وللعلم، فمن العمليات النوعية و"البدع الإرهابية" الكبرى، المحيـّرة، وغير المسبوقة، هي تلك العملية التي استهدفت نائب وزير الداخلية السعودية، حيث حشر الإرهابي المادة المتفجرة في منطقة حساسة من جسده، لا تخطر على بال، فماذا يا ترى في جعبة القاعدة من "إبداعات"؟). ألا يبدو أن عمل الأجهزة الأمنية قد بات صعباً ومرهقاً جداً، في ضوء كل هذا التحايل القاعدي، وهذا مجرد سؤال بريء، وليس بتبرير على أي إخفاق، على أية حال؟
والاختراق الأمني الأكبر تجلى في التفجير الانتحاري "الفضيحة" الذي حدث، في قاعدة "تشابمان" العسكرية الأمريكية السرية بولاية خوست جنوب شرق أفغانستان يوم الأربعاء 30-12-2009، وهي قاعدة تستخدم كمركز عمليات متقدم واستطلاع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وفي قلب هذا المركز الاستخباراتي العسكري الأمريكي، وراح ضحيته سبعة من كبار ضباط الاستخبارات الأمريكية، وبينهم امرأة برتبة كبيرة، على ما تناقلته التقارير والأنباء، إضافة لستة آخرين من الجرحى، على يد عميل "ثلاثي" الولاء، الــ Triple Agent وليس العميل المزدوج، لاستخبارات، عربية، وأمريكية، إضافة للقاعدة، على حد سواء وهو الطبيب الأردني، همام محمد البلوي، الملقب بأبي دجانة الخراساني، الذي ضلل وعلى مدى عام كامل، وأوقع المخابرات الأردنية والمخابرات الأمريكية في شركه وأغوائهم، في عملية اعتبرت هي الأسوأ بالنسبة لتاريخ الاستخبارات الأمريكية بعد حادثة مقتل ثمانية عملاء للوكالة بتفجير في بيروت، والذي قيل، بأن الانتحاري همام قد دخل إلى مقر تلك الاستخبارات، مع الضابط الأردني الشريف النقيب علي بن زيد، الذي قتل في العملية، أيضاً، ودون أن يخضع للتفتيش حيث كان يرتدي سترة ملغـّمة، وبوصفه-همام- عميلاً سرياً موثوق الجانب وصيداً ثميناً، وذهبياً، وبصحبة ضابط استخبارات عربي موثوق، وسيقوم بعملية نوعية من خلال إرشاد الفريق ألاستخباراتي إلى مكان وجود أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، ذلك الطعم الدسم، والمغري، الذي يسيل له لعاب جنرالات البنتاغون منذ زمن طويل، كما لعاب جميع رجال وكالات الاستخبارات، وفوق رأسه جائزة الخمسة والعشرين مليون دولار. وها هنا أيضاً تم تجاهل كل السيرة الذاتية لهمام وميوله وتنشئته السلفية الطويلة المعروفة للجميع ولا تحتاج لتلك العبقرية والجهد الاستخباري الكبير، لاتخاذ موقف وإجراء يتسم بالحذر والحيطة، وليس الانجرار والاندفاع وهذا التسرع البعيد من دون وضع تلك الخلفية في الاعتبار.
هل يمكن التساؤل بعد هذا الأداء المتواضع، فيما إذا كان بالإمكان الاعتماد على جهاز المخابرات المركزية الأمريكية في الحرب على الإرهاب، ومع هذه الاختراقات النوعية والأمريكية، التي لا ترتكبها شركات أمنية عادية، وأجهزة مبتدئة وفي دول فاشلة، فما بالك بالـ C.I.A ولاسيما، بعد فشل ذاك الجهاز المخزي والمخجل، في منع وإحباط واحدة من أكبر العمليات الإرهابية التي جرت في التاريخ، ونعني بها 11 سبتمبر، التي مازالت ماثلة بقوة في الذهن، حيث كان التخطيط والإعداد والتجنيد والتنفيذ، يجري تحت سمع وبصر ذاك الجهاز الأسطوري والجهنمي، وعلى مدى عدة أشهر وربما سنوات، لكنه كان في الحقيقة والواقع، "إذن من طين وأخرى من عجين"؟
#نضال_نعيسة (هاشتاغ)
Nedal_Naisseh#
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟