|
أسير العبارة (رواية)- 15
عبدالحميد البرنس
الحوار المتمدن-العدد: 2879 - 2010 / 1 / 5 - 19:32
المحور:
الادب والفن
هذا صباح مختلف من صباحات أكتوبر. ظللت أسفل مياه الدش مسافة، أغالب ثقل رأسي، متذكرا طرفا من ملاسنات الليلة الماضية، بعد أن تناهى إلى مسامعي لأول مرة، صوتُ "أماندا"، وأنا في زيارة لشقة عادل سحلب، بين سياسيين سابقين قام بعضهم في القاهرة قبل سنوات تبدو بعيدة ونائية بتفصيل بعض البدل، وقد بدا له آنذاك أن النظام في طريقه إلى زوال قريب، لعله كان يطمح في تقلد منصب رفيع، ويبدو لي الآن أن للمنفى مكافآت مختلفة غير تلك التي تروقني. أكاد أشتم رائحة العشب الخريفي في احتضاره. ما أفدح أن يغرق وزير محتمل داخل وظيفة هامشية مثل غسيل الأطباق في مطعم بينه وبين نهاية الأرض قيد خطوة واحدة. كان بخار الماء الدافيء يغطي مرآة الحمام، حين شرعت في تجفيف نفسي، وهناك، على سطح ذاكرتي، بدأت تطفو، لسبب ما، أجزاء من حوارات الليلة الماضية.
- "هل تعرف مها الخاتم"؟. كانوا داخل شقة عادل سحلب. تلك الليلة المشهودة. خليط من منفيين وفدوا إلى كندا من شتى بقاع العالم. حتى الصين كانت حاضرة هناك في شخص كلما حفظت اسمه نسيته. لم تكن لديه علامة مميزة. إن شئت كان مثل ماء الوضوء. لا لون، لا طعم، لا رائحة له. لم يشارك في تلك الحوارات بشيء. لم يغن مع المنفيين لحظات أن استبد بهم وجد ورغبة فصدحت حناجرهم بترانيم خافتة أقرب إلى دندنة بحّارة متعبين على مشارف العاصفة. لم يكن يتعاطى أي نوع من الخمر. لم يلق قصيدة كما فعل آخرون. كان مهموما فقط وحتى النهاية بملء الكؤوس الفارغة وتوزيعها على المنفيين بدقة خط إنتاج في مصنع ياباني كبير. حسوت كأسي الأولى، الثانية، الثالثة. لم أعد أحسب. كانوا يرفعون الكؤوس في الهواء قائلين "في صحة القادمين الجدد إلى كندا، يحيا الوطن". كان هناك "الويسكي"، "الفودكا"، "الشيفاز"، "المارتيني"، وما لا يعلمه سوى الشيطان. كنت أخلط كأسي ببعض الماء، فإذا بصوت عادل سحلب، كخطيب سياسي سابق، يتناهى من وسط ذلك اللغط، منشدا أبيات الحسن بن هانئ الحكمي الدمشقي: أثْـنِ على الـخَمْـرِ بآلائِهـا وَسَمِّهـا أحـسَـنَ أسْمـائِهَا لا تـجْعَـلِ الماءَ لَها قاهـراً وَلا تُسَلّطْهـا على مَـائِهَا كان حضور الصيني، ساقي الأرواح العطشى، يتمدد لحظة أن تفرغ كأس هنا أوهناك، بعدها ينحسر تماما، وكأن لا وجود له. حين استقر بي المقام في المدينة قليلا، علمت أن الصيني يشارك عادل سحلب سكنى الشقة، يتقاسمان النفقات مناصفة، وقد ظل عادل سحلب يذكرني باسم صاحبه في كل مرة بلا جدوى. كان اسم الصيني قد استقر في نفسي مرة وإلى الأبد. حكى لي عادل سحلب أن الصيني ظل يقوم بدور الساقي منذ فترة في أعقاب وعد قطعه له يوناني يدير سلسلة من النوادي الليلية بالعمل في وظيفة ساقي بعد قضاء فترة تطوع تمتد إلى ستة أشهر. كان شرط اليوناني أن يكتسب الصيني خلال هذه الفترة ما أسماه "عقلية محترف في كندا". قال له لا تكثر من الشراب فإذا توقفت عنه تماما تكون قد أوفيت بنصف الشروط الواجب توفرها في محترف. "لا تتحدث كثيرا". عملائك غالبا ما تدفعهم الوحدة القاتلة للحضور. كن مستمعا جيدا. كنت أفكر عند هذه النقطة أن الصيني أبعد ما يكون من إنسان يمتلك حسا عاليا للدخول مع محدِّثه في وحدة شعورية. كان يمتلك وجه دبلوماسي على مائدة مفاوضات شائكة. أكد لي عادل سحلب أن الصيني ظل يتقمص دور الساقي داخل الشقة حتى خلال الأيام التي لا يحضرها المنفيون الآخرون. كانت تلك سانحة طيبة بالنسبة لعادل سحلب كخطيب سياسي سابق. كان يتحدث والصيني يملأ الكأسات ويضعها أمامه كمحترف.
- "هل تعرف مها الخاتم"؟.
في صباح قاهري بعيد، من تلك الصباحات الصيفية الحانية، رأيتها تحمل في يدها أوراقا، وهي تعبر بوابة مكتب الأمم المتحدة، فجأة شعرت كما لو أنني أرى الحياة نفسها. عينان واسعتان، سوداوان، عميقتان، يشوبهما حياء غامض، تتوغل فيهما فتشعر وكأنك تتأمل سطح بحيرة هادئة في أوقات السحر. قمحية، ضامرة الخصر، ممتلئة الفخذين في تناسق ورشاقة، طويلة، صدرها مرتفع قليلا، عنقودا عنب وقت الحصاد. شعرها طويل، أسود فاحم، لكأنه يذوب في الهواء من نعومة، نسجتْ على جانبيه ضفيرتين، نيليتين، كانتا تسيران كغريمتين من أعلى وجهها المستدير في اتجاهين مختلفين، لكنهما تلتقيان عند مؤخرة رأسها في عناق حميم، قبل أن تتوحدا وتسقطا برفق إلى أعلى ردفيها بقليل. تلك، كانت مها الخاتم حين رأيتها لأول مرة. حين ألقى عادل سحلب ذلك السؤال، صمت أولئك القادمون من القاهرة فجأة، وبدا وكأن من تبقى أصابته العدوى فأخذ يتطلع إلى عادل سحلب بشيء من الفضول، كانت تلك التساؤلات لا تزال عالقة في ذهني حول قصة علاقتهما معا، تلك العلاقة التي أضحت بمثابة فاكهة لا تنفد في حياة أولئك المنفيين على مقاهي القاهرة، وقد أضيف إليها الكثير وحذف منها الكثير. كان أكثر ما يدهشني من تلك الحكايات أن الكثير من الرواة لم يسبق لهم رؤية (على الأقل) أحد بطليها. لكن ما الذي دعاه في تلك الليلة إلى أن يطرح أمرا خاصا في مجلس عام؟.
كان يوما عاديا من أيام شهر سبتمبر. كنت أسير في شارع "سرجنت" صحبة ياسر كوكو. "أماندا" كانت في زيارة لصديقتها القديمة "جيسكا". لم يكن لدي ما أفعله إلى حين عودتها آخر المساء. كان عمر قد أخبرني أنه فهم من "جيسكا" عبر لغة جسدية شائكة مليئة بالإشارات ومصحوبة برسومات توضيحية على أوراق دعاية كانت تصله مثل غالبية الناس بواسطة البريد أن "أماندا" لا تحبني وأنها هاربة من أناس لهم مسدسات وأنه بمجرد أن تعود الأمور إلى مجاريها ستتركني بلا أسف. كان من الصعوبة بمكان تصديق مثل تلك الرواية. بالنسبة لي، بدا الأمر برمته أشبه ما يكون بسيناريو فلم هندي سيئ الطبخ تماما. كنت أدرك ما يدور بينهما عند كل لقاء. "جيسكا" تطرق الباب ثملة أوتكاد. عمر يعرف طرقاتها المتسارعة جيدا. يتركها على كنبة في الصالة كانت قد جاءته مثل بقية المنفيين كدعم ضمن أثاث بسيط آخر من وزارة الهجرة. كان يعود من المطبخ بكمية من طعام تم طهيه بيد تدربت على العيش في الغربة طويلا. كانت تلتهم اللقم بعينين غائمتين وشهية لا تصدق. أثناء ذلك، كان ينظر إليها مثلما ينظر أعرابي إلى دابته وهي تعلف على أبواب رحلة وشيكة. ضحكت وقتها كما لم أضحك من قبل. أخيرا، سألته: "وكيف أوضحت لك "جيسكا"، وأنت لا تفقه حرفا واحدا من الانجليزية، أن "أماتدا" مطاردة من قبل رجال يحملون مسدسات"؟. قال "بسيطة، بعد أن فرغت منها، أمسكت بقلم، وأخذت ترسم على طرف جريدة، أشارت إلى الصورة و قالت لي هذه "أماندا"، ثم وقفت وجرت داخل الغرفة في حركة تمثيل، ثم عادت ثانية ورسمت رجالا وراء رسمة "أماندا"، ثم قامت وجرت داخل الشقة في وضع مهاجم، وكانت تستخدم يدها مثل المسدس، وهي تقول: تشي شن طآآآآخ تشي، بعدها أشارت نحوي بإصبعها قائلة أنت وليم (يعني أنا حامد)، ثم أشارت بإصبعها إلى نفسها وهي تقول أنا "أماندا"، ثم حضنتني وهي تقوم بتمثيل دور الخوف. كان هناك دلائل من الحزن بدأت تظهر على وجه عمر، حين وجدني أتلقى تحذيره بتلك الضحكة، نهض بُعيد ذلك بتثاقل لم أعهده فيه، قال وهو يودعني عند باب شقتي: "أسأل الله، من قلبي، ألا تكون (يا حامد) قد ضممت إلى صدرك حيّة، جلد ناعم وأسنان سامة". شيئا فشيئا بدأت الأيام تكشف لي أن رواية عمر للأحداث على سذاجتها ولا واقعيتها كانت تنطوي على قدر لا غبار عليه من الحقيقة. كان شعور بالأسى غريب يرتسم على وجه "أماندا" من حين لآخر. في البدء، قلت إنه "الغروب"، لا ضوء، لا ظلام، فقط العتمة تغلف ملامح الأشياء، لكأن الفناء على وشك أن يتهدد بقاء هذا العالم. لكن الأمر أخذ يتكرر في أوقات أخرى أبعد ما يكون منها ذلك الشعور المقبض الثقيل.
#عبدالحميد_البرنس (هاشتاغ)
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أسير العبارة (رواية)- 16
-
أسير العبارة (رواية)- 14
-
أسير العبارة (رواية)- 2
-
أسير العبارة (رواية)- 3
-
أسير العبارة (رواية)-4
-
أسير العبارة (رواية)- 5
-
أسير العبارة (رواية)- 6
-
أسير العبارة (رواية)- 7
-
أسير العبارة (رواية)- 8
-
أسير العبارة (رواية)- 9
-
أسير العبارة (رواية)- 10
-
أسير العبارة (رواية)- 11
-
أسير العبارة (رواية)- 12
-
أسير العبارة (رواية)- 13
-
أسير العبارة (رواية)- 1
-
مرثية للطيب صالح
-
إني لأجد ريح نهلة
-
وداع في صباح باهت بعيد
-
ملف داخل كومبيوتر محمول
-
لغة
المزيد.....
-
-البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو- في دور السينما مطلع 2025
-
مهرجان مراكش يكرم المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ
-
أفلام تتناول المثلية الجنسية تطغى على النقاش في مهرجان مراكش
...
-
الروائي إبراهيم فرغلي: الذكاء الاصطناعي وسيلة محدودي الموهبة
...
-
المخرج الصربي أمير كوستوريتسا: أشعر أنني روسي
-
بوتين يعلق على فيلم -شعب المسيح في عصرنا-
-
من المسرح إلى -أم كلثوم-.. رحلة منى زكي بين المغامرة والتجدي
...
-
مهرجان العراق الدولي للأطفال.. رسالة أمل واستثمار في المستقب
...
-
بوراك أوزجيفيت في موسكو لتصوير مسلسل روسي
-
تبادل معارض للفن في فترة حكم السلالات الإمبراطورية بين روسيا
...
المزيد.....
-
تجربة الميج 21 الأولي لفاطمة ياسين
/ محمد دوير
-
مذكرات -آل پاتشينو- عن -العرّاب-
/ جلال نعيم
-
التجريب والتأسيس في مسرح السيد حافظ
/ عبد الكريم برشيد
-
مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة
/ د. أمل درويش
-
التلاحم الدلالي والبلاغي في معلقة امريء القيس والأرض اليباب
...
/ حسين علوان حسين
-
التجريب في الرواية والمسرح عند السيد حافظ في عيون كتاب ونقا
...
/ نواف يونس وآخرون
-
دلالة المفارقات الموضوعاتية في أعمال السيد حافظ الروائية - و
...
/ نادية سعدوني
-
المرأة بين التسلط والقهر في مسرح الطفل للسيد حافظ وآخرين
/ د. راندا حلمى السعيد
-
سراب مختلف ألوانه
/ خالد علي سليفاني
-
جماليات الكتابة المسرحية الموجهة للطفل في مسرحية سندس للسيد
...
/ أمال قندوز - فاطنة بوكركب
المزيد.....
|