منى غريب
الحوار المتمدن-العدد: 2763 - 2009 / 9 / 8 - 21:11
المحور:
الادب والفن
تعد مسرحية "الزمن الرديء" للكاتب السوري ثائر الناشف ، الصادرة هذا العام عن دار شمس في القاهرة ، واحدة من الإصدارات القليلة المختصة بأدب المسرح ، والذي خفت وهجه وقل إنتاجه ، سواء على خشبة المسرح أو في النصوص ، نظراً لسيطرة الفنون الأدبية الأخرى ، وطغيان النيوميديا بوجهيها المرئي التلفزيوني أو السينمائي .
ومما لا شك فيه أن المسرح العربي دخل في مرحلة موت سريري ، ولا نبالغ إن قلنا إنه الآن يلفظ أنفاسه الأخيرة بانتظار أن يشيع إلى مثواه الأخير ، فالإسعافات الأولية جارية على قدم وساق ، وما مهرجان المسرح العربي بنسخته الأولى في القاهرة، إلا دليلاً ساطعاً سطوع الشمس في رابعات النهار على تقهقر أدب المسرح العربي في عالمنا العربي .
ولا ننسى أن أدب المسرح كان له قصب السبق الكبير في بذر النهضة الأوروبية الحديثة ، التي أرست من خلال هذا الأدب الراقي وغيره من الآداب لمذاهبها الأدبية الكلاسيكية منها أو الرومانسية والتي انتقلت بذورها فيما بعد إلى ساحتنا الأدبية عن طريق حركة الترجمة والمسرح والصحافة ، وذلك في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين .
إن العصر الذهبي لأدب المسرح العربي يكاد أن يكون على وجه الدقة في منتصف خمسينات القرن الماضي ، رغم أنه لم يرق كثيراً إلى مستوى المسرح الغربي المتحرر من كل قيود السلطة السياسية ، فإن مسرحنا العربي، بقي وللأسف الشديد أسيراً لواقع السلطة ونظرياتها الأيديولوجية ، الأمر الذي أحدث تأثيراً كبيراً في صناعة المسرح الحر القادر على طرح قضايا المجتمع بجرأة غير مسبوقة ، بما يؤشر إلى ارتباط هذا الأدب ارتباطاً عضوياً مباشراً بحرية الرأي والتعبير ، فكلما توفر المناخ الملائم للأديب أو الكاتب ، استطاع من خلاله أن يحدث ذلك الأثر التراكمي الذي من شأنه ، نقل المجتمع من حالة إلى حالة أفضل ، أو على الأقل توصيف همومه وقضاياه بفنية المسرح المعهودة لدى المشاهد أو القارئ ، بلونها التراجيدي أو الكوميدي أو بالمزج بين اللونين .
إذن ، ما يلزمنا اليوم لإنقاذ أدبنا المسرحي ، هامش الحرية الذي حاول الكاتب
ثائر الناشف ، البحث عنه وإيجاده في شخوص المسرحية ، خصوصاً في شخصية بطلها " مالك " ولوعن طريق عمله كفنان كاريكاتيري لا يخشى أحداً في رسوماته الناقدة التي سببت له الكثير من المشاكل السياسية في عدد من البلاد العربية ، وهو ما حاولت أن ترمي إليه المسرحية في فصولها الخمسة ، ألا وهو تكسير القوالب الاجتماعية منها والسياسية بغرض إيجاد واقع جديد يتحمل فيه الجميع لمسؤولياتهم بقدر من المساواة والعدالة .
وتطرح المسرحية في مئةٍ وثمانية وعشرين صفحة ، عبر خمسة فصول جملة من القضايا السياسية والاجتماعية التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية ضمن قالب أدبي واقعي وتراجيدي لا يجنح إلى الخيال .
واللافت أن الكاتب لجأ إلى اختيار إمارتي الشارقة ودبي في دولة الإمارات العربية المتحدة كمكان لمسرحيته ، استطاع من خلال تجربته القصيرة في هذا البلد نسج أحداثها ورسم شخوصها ، حيث تنوعت الشخصيات بتنوع الهويات القُطريّة العربية ، وحملت كل شخصية في داخلها همومها التي لا تنفصل عن هموم بلدها الأم إلى جانب هموم المكان الذي تقيم فيه طواعية بحثاً عن الرزق الحلال الذي تعذر كسبه في بلدها الأصل ، لتشكل هذه الشخصيات بمجموعها لوحة فنية متكاملة الأبعاد والألوان ، تماماً كلوحات بطلها "مالك" ، فكل جزء من هذه اللوحة يكشف عن التآخي والتعاضد الحقيقي القائم بين القلوب التي شتتها الحروب والهموم وجمعها العمل تحت سقف واحد ، وليس ذلك الموجود شفاهة في لغة الشعارات .
يمكن القول إن مسرحية الزمن الرديء ، استطاعت إلى حد كبير تقديم رؤية نقدية جديدة لحال الواقع العربي الرديء ، عندما تجرأت في سبر أغواره ورصد تناقضاته وصولاً إلى كسر محرماته ، وقد ظهر ذلك جلياً من خلال الجدل الدائر بين شخصيات المسرحية وموقفها من الحرب الأخيرة على العراق وقضية الصراع العربي الإسرائيلي ، من دون أن يغيب عن ذهن الكاتب التقاط صورة أفضل للمستقبل العربي ، الذي خاض بعيداً في إظهار سلبياته في كل مجالات الحياة بلا استثناء ، على الرغم من تفاؤله المفرط بحلول السلام بين الشعوب والأديان الإبراهيمية الثلاث ، من خلال اعتماده على شخصية يعقوب وإلياس وإسماعيل ، إلا أن ما حاول الكاتب أن يطرحه في المسرحية ، يبقى أولاً وآخراً في سياق التأسيس والتأكيد على حتمية الوحدة الموجودة في شخوص المسرحية فقط ، والتي تعدت بإيقاعها السريع حدود البلد الذي تنتمي إليه ، في ما يشبه تحطيمها لواقع الحدود السياسية وعدم اعترافها بتلك الحدود والخطوط الوهمية المصطنعة ، غير أن هذا الحلم يبقى بعيد المنال ، وهو ما استدركه الكاتب في نهاية المسرحية .
وبطبيعة الحال ، لم تخلُ المسرحية بدورها من الدراما العاطفية التي حاول فيها الكاتب " ثائر الناشف" الإشارة إلى عمق الرابطة الجينية بين العرق والدم ، والتي انتهت في فصلها الأخير إلى نهاية دموية مريعة لبطليها ، "مالك " و" سلام " ، وهي محاولة عسيرة في الإصرار على حتمية الرابطة المؤسسة لحلم الوحدة بين الشعوب العربية ، بغض النظر عن عادات وتقاليد كل مجتمع ، علماً أن موت شخصية "سلام" كان بفعل تلك العادات السائدة في قيم المجتمع الخليجي الذي تنتمي إليه ، ومحاولاتها المريرة مع شخصية صديقتها "هلا" الخروج عن تلك العادات ، ولكن بدلاً من ذلك الخروج الذي أراده الكاتب لها ، تأكيداً منه على أهمية حرية المرأة في تحديد مسار حياتها الخاص ، فإن خروجها كان أشبه بالخروج عن حياة مجتمعها الرافض بحكم العرف الاجتماعي .
ولأن زماننا الذي نحياه كل ما فيه رديء ، فإن جميع محاولات إصلاحه محتوم عليها بالفشل ، يظهر ذلك بوضوح من خلال دفع الكاتب لشخصية "مالك" التي أثارت الزوابع برسومها الناقدة ، ربما كان السبب في ضيق أفق العقل العربي الذي لم يتسع لها ، فإن الكاتب يحاول مرة أخرى ، البحث عن الحرية في واقع يرفضها أصلاً بحثاً عن لقمة العيش التي يغترب لأجلها عن أهله وناسه ، مثلما ظهر ذلك في شخصية "هاني" ، المهندس الذي هرب من ويلات الحرب في العراق تاركاً وراءه زوجة وطفلة من قسوة الزمن الذي يعيش .
ومن نافل القول ، إن الكاتب استطاع أن يطرح في "الزمن الرديء" ، رزمة من القضايا والهموم التي يعاني منها المجتمع العربي ككل ، في إطار سردي يتسم بالعفوية والتلقائية ورشاقة الحوار ، فكان أقرب ما يكون إلى الواقع المعاش ، لكنه تغاضى عن إيجاد الحلول للقضايا التي أثارتها المسرحية ، ربما كانت هذه مسؤولية الباحث الاجتماعي التي لا تقل عن مسؤولية الكاتب أو الأديب ، فالواضح أن الكاتب رهن الحلول في يد كل شخصية وما يماثلها في الواقع ، لتصنع الحل الذي ترتضي لنفسها ، ولكي لا تعيد الدوران في دوامة زمنها الرديء .
#منى_غريب (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟