سعد هجرس
الحوار المتمدن-العدد: 2754 - 2009 / 8 / 30 - 09:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
رأينا فى المقال السابق أن نشأة الاسكان العشوائى فى مصر المعاصرة ترجع الى النصف الأخير من القرن التاسع عشر حيث أظهر تعداد عام 1898 وجود 30969 ساكناً فى شياخات الجبانات . بينما يمكن اطلاق تسمية حقبة "تهيئة الظروف المناسبة للعشوائيات" على الفترة من 1952 الى عام 1967 .
و اليوم .. نواصل رحلتنا مع الدكتورة جليلة القاضي التى وضعت هذه القضية الخطيرة تحت منظار البحث الاكاديمي و نالت بها درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بفرنسا،و اصدرتها اخيرا فى الكتاب بالغ الاهمية "التحضر العشوائى" الصادر عن دار العين للنشر .
و إذا كنا قد رأينا أن ضباط 23 يوليو قد اهتموا بالتخطيط العمرانى و أسندوه الى " أهل الخبرة" عام 1953، و رغم إنجازاتهم الايجابية بهذا الصدد ، الا أنهم لم يلتزموا بالخطة التى اعدها الخبراء لسببين : السبب الاول يتعلق بحسابات الامن السياسي للنظام و السبب الثانى يتعلق بالعدوان الاستعمارى على مدن قناة السويس.
و على الرغم من التواجد المادى حتى لو كان محدوداً نسبيا للاحياء العشوائية فى تلك الفترة الا ان تلك الظاهرة لم يتم تناولها من قبل الباحثين ،أما السلطات المحلية قد اتسم سلوكها بالتجاهل التام
و كان التدخل الوحيد عام 1966 باصدار القرار الجمهورى رقم 29 الذى اعترف بكل التقاسيم المخالفة ، سواء تلك التى نشأت على الارض الزراعية أو الصحراوية ، كما نص على ادخال المرافق على حساب الملاك .. و كان سبب هذا القرار الذى اتخذه الرئيس جمال عبد الناصر المصادمات العديدة التى نشأت بين المواطنين الذين استولوا على اراضي الدولة لانشاء منطقة سكنية على تلال المقطم شرق القاهرة.
و قد أطلق على تلك المنطقة " منشأة ناصر" لهذا السبب . و هو قرار سياسي تصفه جليلة القاضي بانه قرار فردى لا يخضع لنظم اتخاذ القرار المتعارف عليها و لا ينتمى للتخطيط العمرانى من قريب أو بعيد بل يناقضه. فما كان مطلوبا بالتحديد هو تلافي الاحتقان الاجتماعى فى فترة من أحرج الفترات التى مرت بمصر.
و مع ذلك فأن هذه التجاوزات كانت مجرد مرحلة تمهيدية لعصر العشوائيات الذى انتعش فى المرحلة من 1976 الى 1993، و نمت خلاله تجمعات عشوائية كالفطر على الاراضى الخصبة اساسا و ايضا على الاراضي الصحراوية المملوكة للدولة .
فزاد عدد سكان المناطق العشوائية التابعة لاقليم القاهرة الكبرى من 1,600,000 عام 1976 ( اى 20%من سكان الأقليم ) الى 6,880,000، و تعزو الباحثة هذا النمو الهائل خلال تلك الفترة الى التحولات التالية.
- انسحاب الدولة بشكل تام من قطاع انتاج المساكن المدعمة لذوى الدخول المحدودة و بعض شرائح الطبقة الوسطي
- اعادة هيكلة القطاع الخاص الرأسمالى الذى تحول من الانتاج السلعى الصغير فى الاسكان ( عمارات أو فيلات) الى الانتاج الرأسمالى الموسع ( احياء متكاملة و عمارات برجية تحتوى على اسكان ادارى و خدمات).
- انتقال اشكال الانتاج السلعى الصغير من المراكز الى الاطراف
و قد تمت تلك المتغيرات داخل واقع اجتماعى و اقتصادى و سياسي مر بتحولات جذرية ،على رأسها سياسة الانفتاح الاقتصادي التى أدت الى اثراء فاحش لبعض الشرائح الاجتماعية .. و الى هجرة العمالة المصرية الى الدول العربية المصدرة للنفط، و بالتالى إلى اعادة توزيع السكان داخل الحضر نتيجة للتضخم الذى اصاب كل أوجه الانتاج و الاستهلاك .. و أدى اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي و ترقب الاستثمارات العربية و الاجنبية الى ارتفاع مفاجىء و صاروخي لاسعار اراضي البناء داخل الكثافة العمرانية مما اثر بدوره على اسعار الاراضي فى الاطراف ..
و المفارقة العجيبة انه فى الوقت الذى تقاعست فيه الدولة عن انشاء الهياكل المؤسسية
اللازمة لتحقيق الفكرة الاساسية لتنمية تعمير الصحارى لمحدودى الدخل لمواجهة تحضر الاراضي الزراعية ، فانها اثبتت همة لا مثيل لها فى تجهيز سواحل مصر، بدءا بالساحل الشمالى، بالبنية الاساسية و طرح الاراضي للبيع للقادرين من اجل انشاء قرى سياحية موسمية اهدرت فيها مليارات الجنيهات ( 40 مليار جنيه فى هذه الفترة ) .
اما المدن الجديدة و النائية التى انشئت فى الصحراء فى تلك الفترة فلم تستقطب سوى القادرين .
و يمثل عام 1993 نقطة فاصلة حيث يشير الى بداية ارساء " منهج جديد" فى التعامل مع العشوائيات . فقد اصبحت تلك المشكلة اساسا " مشكلة امن دولة " ..
و فى احسن الاحوال تطورت السياسات الحكومية من الحلول الامنية الى سياسة اعادة تهيئة المناطق العشوائية. و تقول جليلة القاضي ان بعض هذ التجارب كللت بالنجاح الا ان اثرها ظل محدودا للغاية و لم يتم تعميمه .. و السبب هو ان اعادة تهيئة المناطق العشوائية يشبه محاولة تزيين امراة عجوز و قبيحة .
ورغم الحديث عن العشوائيات فأننا نبقى اسري لـ " تراجيديا العمران" فى مصر ، حيث ان معطيات الوضع الحالى للعمران فى مصر لا تبشر بأى حل جذرى لقضية العشوائيات .. و قد رفض الكثير من الخبراء منهج الحكومة فى معالجة هذة القضية ترصد الباحثة على راسهم الدكتور ميلاد حنا من حزب التجمع و محمود اباظة رئيس حزب الوفد ، اللذان طالبا بالا يقتصر التدخل على الحلول ذات الطابع التخطيطي الذى يخفي التوجه الامنى، و طرحوا حلولا اكثر فاعليه.. تضمن تحسين الظروف الاجمتاعية و الاقتصادية للسكان من خلال خلق فرص للعمل و خلق مراكز للتدريب المهنى للشباب و اشراكهم فى عملية اعادة التأهيل لكى تتم تنمية ارتباطهم بالمكان .
الا ان مثل هذا التفكير المنطقي لم يكن منهج متخذى القرار ، الذى يعتمد على التجاهل اولا ثم اعطاء المسكنات ذات الاثر المحدود.و التى تكون اثارها الجانبية السيئة ربما اقوي من تأثيرها الحميد مع تفاقم الحالة
و ترى جليلة القاضي ان حل مشكلة التحضر العشوائي فى القاهرة الكبري او فى المدن الاخرى لا يكمن فى تحسين البنية الاساسية و خدمات المناطق العشوائية التى تهدد الان الامن الاجتماعى و القومى بعد ان قضت من قبل على الامن الزراعى بالتهامها لالاف الافدنة من اجود الاراضي الزراعية الخصبة فى الدلتا و الوادى بحيث اصبح هناك تخوف ان تنتفي الوظيفة الزراعية تماما من الدلتا و الوادى بحلول عام 2030
و اذا كان زلزال الدقيقة الواحدة كان بمثابة فرصة لازالة بعض المساكن الايلة للسقوط، و تفريغ الاحياء القديمة من جزء من سكانها ,, فان الباحثة تتساءل : الا يدفعنا الزلزال الاجتماعى الاشد أثرا و تدميراً ،و الذى توجد بؤرته فى المناطق العشوائية ، الى نقل سكان تلك المناطق الى مجتمعات جديدة رسمية و مقننة يشعرون فيها بأدميتهم و مساواتهم بأقرانهم من سكان الاحياء الاخرى، و بذلك نسترد الاراضي الزراعية المستولى عليها و نعيد اليها خضرتها .
سيقال أن هذه المساكن تمثل ثروة عقارية ،و لكنها ثروة آيلة للسقوط لاقيمة معمارية او تاريخية لها حتى نقوم بالارتقاء بها و صيانتها، فحالتها تستدعى الازالة. و لنتذكر أن مايسمى بالثروة العقارية تتم ازالته و احلاله كل يوم فى القاهرة و المدن الاخرى ، و على سبيل المثال تمت ازالة 80% من فيلات و عقارات مدينة المهندسين منخفضة الكثافة خلال خمسة عشر عاما، على الرغم من جودة بنائها و حسن تنسيقها ، و تم احلال عمارات برجية ذات كثافة عالية مكانها كلفت الدولة عشرات الملايين من الجنيهات لتقوية البنية الاساسية .
ان الحل السهل و السريع هو الارتقاء و التحسين ، أما الحل الصعب فهو استيطان الصحراء و استغلال ما هو قائم فيها . و اتباع المنهج الذى وضع فى نهاية السبيعنات و لم ينفذ : اى تعظيم دور المواطن و تحجيم دور الدولة ، و اذا لم نبدأ من الان فسنظل ندور فى الدائرة المغلقة، دائرة التخلف و التطرف و الارهاب و اهدار الموارد و على رأسها الموارد غير المتجددة ، أى الارض الزراعية.
لكن يبدو ان النخبة اختارت من هذه السيناريوهات هروبها الجماعى هى فقط الى الصحراء لبناء قاهرتها الجديدة .. و ترك المعمور الفيضي للعامة ليتحول الطمى الى طوب و اسمنت و اسفلت، و لتغرق البلاد كلها فى براثن العشوائيات.
#سعد_هجرس (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟