آرام كربيت
الحوار المتمدن-العدد: 2714 - 2009 / 7 / 21 - 09:11
المحور:
الادب والفن
ما زال يوم الأحد يرخي بظلاله على المكان. أحست إيكا بالضجروالسأم من اليوم الأول لإجازتها السنوية. سأم لم تألفه من قبل. من أين تبدأ, من البيت, الحديقة أم تأخذ كتابها وتستلقي تحت أشعة الشمس الدافئة أم تركب سيارتها وترحل, تتوه في الشوارع والطرق دون هدف محدد. موجة هائلة من الأفكارتدفقت عليها تطلب منها أن لا تتزعزع من مكانها, أن تبقى في المدينة لربما اتصل ياسرأودياميلا. وقت والدها مملوء كالعادة, يأخذ الثياب إلى المغسلة, يجففها, يكويها, يطويها, يتحمم أويأخذ دراجته الهوائية القديمة ويجول بها. أربعة أشهروهويجول على سرج الدراجة, لا يهدء له بال ولا يركن إلى الراحة وكل يوم يزداد نشاطاً أكثرمن قبل.
ـ تعرفي يا عزيزتي الصغيرة؟ سأتصل هذا الصباح بشركة التأمين وأشياء أخرى ثم أخذ بعضي وأسافر. لقد تأخرت سوزان بما يكفي لهذا أريد أن أذهب إلى عندها, أم أنك بحاجة أن أبقى إلى جانبك؟
ـ بالتأكيد أنا بحاجة إلى ذلك يا بابا, لازم تبقى, صرحت إيكا ذلك وأخرجت الكلمات بصعوبة من أعماقها . إلا أن هدوءها وآرائها الموضوعية طغى على إجاباتها.
أستطيع أن أتدبرشؤون حياتي. سافر أنت وعما قريب سأرى ياسر, بعدها سأسافرأنا أيضاً إلى ليليث في كوتلاند مع قططي الصغيرة. الشقة شاغرة من أول أيلول, لهذا يمكنكم أن تتحملون بقائي إلى نهاية شهرآب.
تستطيع إيكا أن تتدبرأمورها, تعتمد على نفسها, أنها امرأة بالغة.
ـ بابا, هل أجهزالطعام؟ طرحت السؤال ودون أن تنتظر إجابة منه راحت تخرج بعض الأشياء الخفيفة الموجودة في البراد. وجبة خفيفة مرة ثانية, خبزحارمحمص, جبن, قطعة بطيخ أنانس. بعد قليل ستصنع طبق من العجة. هيكي ما برح جالساً في مكانه يشرب القهوة. جاء الغذاء متأخرإلى حد ما, أوقبل الأوان. اليوم حالة استثنائية, أنه يوم الأحد, إجازة.
في حالة مفاجئة لم يخطرعلى بالهم انبهق صوت من الدرج المؤدي إلى القبو. جفلت إيكا من الخوف وقفزت في الهواء فطارت مقلاة البيض المخفوق من يدها. لا يمكن للقطط أن تصدرمثل هذا الصوت, لم يأت من الشارع, كما لم يكن هناك حالة ضوضاء وضجيج.
ـ من ذلك الشيطان الذي ... , قال هيكي ثم خطا خطوتان ناحية ستارة النافذة. من ذلك الممرغ بالقباحة يخبأ نفسه وراء باب القبو. عليك أن تتحرك وتخرج من هناك. قبل أن ينهي كلامه فتح الباب على حين غرة وخرج ياسرمقترباً منهم, نصف رقبته مغطاة بمعطف شتوي.
ـ أين إيكا؟ طرح ياسرالسؤال عندما وقف وجهاً لوجه أمام رجل غريب في المطبخ. هل دخل إلى البيت الخطأ في أواخرالليل؟
ـ هذا هو أنا. بحق السماء ماذا كنت تفعل في القبو؟ هل كنت هناك طوال الليل؟
عندما رأى إيكا بجانب الرجل الضخم أدرك من هوهذا الرجل, وبنفس الطريقة عرف هيكي من الذي خرج من القبو.
ـ هل أنتَ أبو إيكا؟ هل عدت؟ أنت الأن في المنزل؟
ـ مرحبا, أنا الذي سأل قبل قليل, ماذا تفعل هنا يا ياسر؟ كيف نزلت إلى القبو؟
ـ لم يكن مغلقاً.
تنهد هيكي ثم هزرأسه.
ـ استعدي للمشاكل يا صغيرتي تينا.
ـ كأن المشاكل لم تكن موجودة في السابق, أجابت وراحت تنظرإلى ياسرمرة أخرى. بدأ مثل المتوحش في معطف هيكي الشتوي الكبير. شعره منفوش وموزع في كل الإتجاهات, مرتبكاً أكثرمن المألوف, الهاتف الجوال في يده, رافعه إلى الأعلى كنوع من البرهان والإثبات.
ـ دياميلا اتصلت بي, أيقظتني من النوم. أنهم في الطريق إلى هناك يا إيكا, إلى تلك المدينة البعيدة. لقد رحلوا. لقد أخذهم ذلك الشيطان إلى هناك, إلى بيته.
ـ لكن من غير المسموح له أن يفعل هذا!
ـ نعم, دياميلا قالت أن ذلك الشيطان جلب معه ورقة موقعة من عند الوالدة. هذا ما قالته لي عندما كنت في البيت في المرة الأخيرة. أنهم في الطريق إلى ترولهيتان. اتصلت من مرحاض الاستراحة التي توقفوا فيها لأنها تخاف أن تتكلم معي بوجود ذلك الشيطان. لقد رحلوا ولا أعرف إلى أين أذهب وليس لدي مفاتيح البيت, ولست متأكداً إذا كان لدى أمي نسخة منهم أم لا...
ثم صمت, ترنح في مكانه من الإنهاك والتعب وبان على وجهه الشحوب والذبول. إيكا وهيكي ركضوا لمساعدته, ساندوه كي يصل إلى الكرسي بعد أن خلعوا المعطف الشتوي من على جسده. جلبوا له ماءً فشرب كأسين كبيرين بسرعة وبيد مرتعشة سكب على نفسه كأس ثالثة مثل أي طفل صغيرلا يقوى على رعاية نفسه.
ـ أهدأ يا ياسر, سنتدبرالأمر. بالرغم من كل ما حدث, مرحبا بك, اسمي هيكي, مد والد إيكا يده الضخمة مرحباً به. فعل ياسربالمثل ومد له يده المرتعشة.
جلسوا في المطبخ يأكلون الطعام الذي جهزته إيكا, عجة, خبزمحمص, جبن, معكرونة ممزوجة بالصلصة بكمية كبيرة لأن ياسرفي سن المراهقة ولديه قابلية مفتوحة للأكل بشراهة.
بين اللقمة والأخرى راح ياسريسترسل في سرد الأحداث التي مربها في المساء والليل, زيارته للبيت, مكالمته التلفونية مع دياميلا, غضب عمه سعيد وانفجاره في وجهه, هروبه من البيت ولجوءه إلى الساحة, لقاءه الصبية أنتي وفرريد, الليلة التي قضاها في بيت رووف, المسافة التي قطعها مشياً على الأقدام للوصول إلى بيتهم. ما أن انتهى ياسرمن حديثه حتى كانت الأطباق جميعها قد فرغت من الطعام. جلس هيكي وإيكا جانباً, في يد كل واحد منهما كوب القهوة, ينظرأحدهم إلى الآخر.
ـ أستطيع أن أبقى بضعة أيام أخرى, لست على عجلة من أمري, قال هيكي هذا الكلام بعد فترة صمت طويلة.
ـ شكراً يا بابا.
ـ أنتِ غاضبة مني يا إيكا, أليس كذلك؟ طرح ياسرهذا السؤال وشعوربالذنب يلازمه, يسيطرعليه. لقد كذبت عليك؟
ـ على أية حال, معظم ما تحدثت عنه كان صحيحاً. دياميلا فتاة جميلة ورائعة وهي بحاجة إليك, عمك سعيد يمكن أن يكون خطيراً وعنيفاً حتى لوكان على حق, زملائك الذين تمشي معهم يعيشون حياة بائسة وتعيسة, أنت بحاجة إلى مساعدة قبل الإقدام على أي حماقة. جميع هذه الأشياء التي قلتها صحيحة. ما هو الشيئ الغيرصحيح؟
ـ قلت أن هؤلاء الصبية غيرموجودين, لأنه بخلاف ذلك لم يكن بوسعي أن التقي برووف.
ـ هل تعتقد أنني حمقاء, لا أعرف؟ طوال الوقت كنت متأكدة أن القصة التي رويتها صحيحة وحقيقية. لكن ماذا أفعل؟ أخذت بعضك وأقفلت راجعاً. هذا ما يفعله المرء؟ لم تكن هناك عملية سطوفعلية. كيف كان لقاءك مع رووف؟ مريح, لطيف؟ ختمت إيكا كلامها بشيئ من القسوة لأن ياسريستحق عقوبة خفيفة.
ـ لا, اللعنة على إبليس! كان قذراً, مقرفاً, مقززاً, استفرغت هناك. إنه شكاك جداً خاصة في بداية اللقاء. سأل عن كل شيئ, مكان أقامتي وغيرها. كان شخصاً مرعباً وفظيعاً.
ـ هل تظن أن رووف من أطلق النارعلى والدك؟ تعرفت عليه؟
فكرياسرقليلاً. هل كان رووف فعلاً؟ هل يعرفه حقيقة؟ أم مجرد ظن, لأنه يرتدي نفس لون وشكل السروال الذي كان يرتديه ذلك الصبي الذي كان يقود الدراجة النارية؟ هل كان هوأم يبدو أكبرسناً؟ هل يمكن أن يكون شاهداً ضد رووف؟
ـ ربما. لا أعرف. تكلم فرريد شيئاً عن السلاح مما أثار حفيضة رووف وأخرجه عن طوره. لقد غضب غضباً هائلاً. لكن لا أعرف, ربما لا يزال مشغولاً ولا يستطيع أن يصرح عن حقيقة إطلاق النار, في هذه الحالة يتوجب علي أن التقي به عدة مرات, هل تريدين ذلك؟
ـ أريد؟ أم تريد؟
ـ هذا مضنٍ. أنهم ينادوني باسم ياسي لأنهم يعتقدون أنني سويدي... قالوا أشياء سيئة جداً عن الأجانب, الرأس الأسود. أنهم ليسوا عنصريين إلى ذلك الحد, لكنهم قريبون من ذلك, يلبسون زيهم, يحلقون شعرهم, ينتعلون الجزم نفسها, يقولون أنهم فخورون لكونهم من أصل سويدي, وأشياء من هذا القبيل. لكن ماذا يعني هذا؟ أنا أيضاً سويدي. أنا أيضاً فخورلكوني سويدياً, وأحب حياتي هنا, في السويد. هل وحدهم من يحق له أن يشعربذلك, أم؟
خيم الصمت على المكان من جديد. أحضر ياسرالمزيد من الماء وعندما هم بالجلوس طرح سؤالاً على هيكي.
ـ هل أنت مثلنا, أنا وإيكا, تقطن في الأرض المحرمة؟
ـ لا, هذا الشيئ يخص تينا, ليس أنا, أجاب هيكي مع ضحكة واسعة على محياه. في الحقيقة أنا من فنلندا, في هذه الأوقات أعيش في السويد. لقد جلت العالم, زرت بلدان كثيرة وطاب لي المقام في أماكن عدة من هذا الكوكب الذي نعيش عليه. أما إذا كنت تسألني فيما إذا كان بأمكاني أن أعيش في استراليا دون متاعب بالرغم من أنني لا أطيق المدن الكبيرة المكتظة بالسكان, أقول لك, نعم, أستطيع. أستطيع أن أعيش في تلك الاصقاع من العالم, أعيش بشكل جيد, وستكون تلك الأرض, ذلك المكان وطني وبيتي. المكان ليس مهماً لي, ببساطة: أنا مواطن عالمي.
يتبع ـ
#آرام_كربيت (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟