عارف علي العمري
الحوار المتمدن-العدد: 2651 - 2009 / 5 / 19 - 08:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عندما تتقاطـَعُ مَصالحُ الدوَل ذات العيار الثقيل تبحَثُ عن ساحة حَرب لتصفية حساباتها بعيداً عن المواجَهة العسكرية، فتبرم الحيَل، وتعُدُّ العُدة، وينتظرُ الجانبان التوقيتَ المناسب، ويَرْقـُبان بحَذَر مكانَ الصراع القادم ليدخلا حَلبة الصراع تحتَ أقنعة ظاهرُها الرحمة، وباطنـُها الخـُبثُ والمكر، وهو ما يجري اليومَ في اليمن.
الشرعيةُ في مُواجهة الإنفصال
> لم تكن الوَحدةُ مطلباً عَفوياً في يوم من الأيام، وإنما كانت مطلباً جوهرياً لشعب اليمن باختلاف مشاربه وأطيافه المتعددة منذ زمن بعيد، فقادةُ الحزب الإشتراكي ورُؤساءُ الشطر الجنوبي من الرئيس الراحل سالم رُبَيِّع علي وحتى حيدر أبو بكر العطاس، وعلي سالم البيض سَعَوا إلى وَحدة الشطرَين، وكذلك زعماءُ الشطر الشمالي -سابقاً- بدْءً بالزعيم الناصري إبراهيم الحَمْدي، ومُروراً بأحمدَ الغشمي، وانتهاءً بالرئيس علي عبدالله صالح، وأصبحت الوَحدةُ بعد تحقيقها في ٠٩٩١م خَطاً أحمرَ، ومُؤشراً خطراً لا يجوزُ الإقترابُ منه، وأي عزف على وتر التشطير أو الإنفصال لم يعُد مقبولاً عند أحَد سواء في شمال الشمال أو في جنوب الجنوب.
في صيف ٤٩٩١م التي اندلعت فيها الحربُ بين شريكـَي السلطة المؤتمر الشعبي العام والحزب الإشتراكي اليمني كان باستطاعة الجناح الإشتراكي الذي يتزعمُه آنذاك علي سالم البيض، وحيدر أبو بكر العطاس، وهيثم قاسم طاهر، وياسين سعيد نُعمان أن يتغلبَ وينتصرَ على حزب الرئيس »صالح« بما يمتلكُه من عتاد عسكري هائل، بالإضافة إلى الدعم السخي من المملكة العربية السعودية والكويت والبحرَين وعُمان والإمارات، لكن حَدَثَ خطأ جسيم أودى بالبيض ورفاقه إلى حرب خاسرة، وتحولوا من قادة وحكام في بلادهم إلى لاجئين ومطارَدين في دول الخليج.
كان الخطأ الجسيمُ والسبب الرئيسي للهزيمة يتمثل في إعلان الإنفصال الذي أفقد المعسكرَ الإشتراكي كـُـلَّ أنصاره وأعضائه، وتحول غالبيةُ الشعب بين عشية وضُحاها إلى أعداء للإنفصال ودُعاته.
لم يكد يسمع الناسُ بتشكيل لجنة للمجهود الحربي برئاسة الشيخ/ عبدالمجيد الزنداني حتى تدافعوا واحداً تلو الآخر يقدمون يد العون والمساعدة لقوات الوَحدة والشرعية التي ضرب حولها المعسكر الإشتراكي حصاراً خانقاً في البوابة الشمالية للجنوب »أبين«، وكان المجهود الحربي والمجاهدون الذين توافدوا للدفاع عن الوَحدة السببين الرئيسيين في هزيمة المعسكر الإشتراكي والقضاء على مشروع الإنفصال.
الحراكُ الجَنوبي ودحابشة الشمال
> بعد مرور أكثر من »٦١« عاماً على تحقيق الوَحدة، ومرور »٢١« عاماً على حَرب »الردة والإنفصال« بدأت علامات التذمر والتسخط ضد نظام الرئيس »صالح« تحت مبررات المساواة في الحُقوق بين أبناء المحافظات الشمالية والجنوبية على حَدٍّ سواء، وكانت أول نواة تأسست للمطالبة بالحُقوق لأبناء الجنوب جمعية المتقاعدين العسكريين التي تزعمُها ناصر النوبة، ولاقت ترحيباً في شمال الوطن وجنوبه، وأشادت بها الأحزابُ السياسية المعارَضة، والتف الناسُ حولها من كـُـلِّ مكان في المحافظات الجَنوبية، وشكلت بارقة أمل لدى المتقاعدين في استعادة حُقوقهم بعد أن أصبحت الأحزابُ السياسية لا تنظر إلى حُقـُوق الأفراد بقدر نظرها إلى مقاعد البرلمان.
كانت ولادةُ الحراك ولادةً طبيعية زُفت معها التهاني من كـُـلِّ مكان، لكن ما إن بدأ الحراكُ في النمو حتى تعرض لعمليات تشويه مقصودة أحياناً، فظهرت لهَجَاتُ الإنفصال، وبرز قادة التحرر من الإحتلال، واتسعت قواميسُ المناطقية والسُّلالية، وبدأت المواجَهَةُ بين »انفصاليي الجنوب« و»دحابشة الشمال«، وكانت رَدفانُ الفصلَ الأهَمَّ في مسرحية المواجَهة المسلحة.
وما حَدَثَ في صيف ٤٩م من اصطفاف لمواجَهة الإنفصال يحدُثُ اليوم في ربيع ٩٠٠٢م، فقد أدان إصلاحيو الجَنوب دعوات الإنفصال، ففي مُحافظة أبين إستنكر إصلاحُ أبين أعمالَ الشغَب والتخريب والإعتداء على الممتلكات الخاصة والعامة بمسيرة زنجبار، وقال: إن الطريقَ الوَحيدَ لنيل الحُقوق والحُريات هو طريقُ النضال السلمي وما عداه فهو مرفوض.
وفي محافظة لحج قال رئيسُ إصلاح المحافظة نفسها: »نرفـُضُ ما تمارسُه السلطة باسم الوَحدة، كما نرفضُ دعوات الإنفصال التي تخدُمُ السلطة الفاسدة«.
ومثلما استنكر إصلاحُ أبين أعمالَ الشغب والتخريب في أبين فقد إستنكر إصلاح حضرموت أحداث الشغَب في المكلا، وأكد أن طاولات الحوار والنضال السلمي السبيل لحل الأزمات لا التخريب وفوهات المدافع.
حكيمُ اليمن وأستاذُ النضال السلمي والمرشح الرئاسي لأحزاب اللقاء المشترك في ٦٠٠٢م المهندس/ فيصل بن شملان قال: إن الإنفصالَ ليس حلاً وتجاهل الدستور والقانون فاقم قضايا صعدةَ والجنوب والفساد.
هكذا تبدو الجبهة الداخلية موحَّدة ضد الفساد وسياسة الضم والإلحاق، وضد الأصوات النشاز التي تنادي بالإنفصال.
كيف تحوّلت اليمنُ إلى مسرح
لتصفية الحسابات؟
> على الصعيد الإقليمي بدأ الإهتمامُ يتزايد عن اليمن، وما يدور فيها من أحداث، واحتل اسم اليمن مكاناً بارزاً لا بأس به على صدور الصحف العربية وافتتاحياتها، فصحيفة »الرياض« في افتتاحيتها قالت: إن مجرى الأحداث القائمة في اليمن تجعله شأناً خليجياً.. وفي إشارة غير مباشرة إلى إيران قال يوسف الكويليت في كلمة الرياض: إن هناك نشاطاً لقوى إقليمية أصبحت لاعباً بالداخل اليمني. وشدد الكاتب على دعم اليمن في مواجهة الأزمة العالمية، بالإضافة إلى مواجهة نشاط القوى الإقليمية في اليمن، وقال: إن جانبَ الخسارة والتهديد الأمني لا يقع على ميدان المعركة فقط، بل سيطال كـُـلَّ دول الخليج ولو حدث أن وضعت دول مجلس التعاون الخليجي بين كماشتي إيران واليمن، ثم أضيف إليها تردي الأوضاع في باكستان فقد نصل إلى نقطة اللاعودة للأمن، وسوف يكلفنا ذلك عدم الإستقرار الطويل.. وأضاف: إن حدوث انفصال بين الشمال والجنوب سوف تكون توابعُه كزلزال مدمر وهائل على أمن المنطقة كلها.
وفي صحيفة »الشرق الأوسط« وتحت عنوان: »لا لعَودة الإنفصال لليمن« قال طارق الحميد: لا بد من مساعدة اليمن لوأد فكرة الإنفصال، والمساعَدة هُنا ليست ماليةً بل باتخاذ مواقف حاسمة من الإنفصاليين، وحَثّ الدولة اليمنية على إيجاد الحُلول المناسبة للمشاكل العالقة بين أبناء الوطن الواحد.
صحيفة »أوان« الكويتية وفي عَمود للكاتب مطلق مساعد العجمي وتحت عنوان: »أحداثُ اليمن الإنفصالية« قال: إن ما يحدُثُ في اليمن أمرٌ خطيرٌ ومؤسف والدفعُ بانفصال الجنوب عن الشمال لن يجعلَ من اليمن دولتين بل دُوَيلات متعددة«، وعن الأسباب التي وقفت وراءَ دعوات الإنفصال ذكر الكاتب عدةَ أسباب وقال: »يجب أن لا نغفل دورَ التدخلات الخارجية في استغلال أوضاع ومشاكل اليمن.
الخلافُ الأيديولوجي بين طهران ودول مجلس التعاون الخليجي دفع الجانبَين إلى حرب إعلامية تحت ذريعة الدفاع عن الوَحدة اليمنية والاصطياد في الماء العكر.
ومثلما بادرت الصحُفُ الخليجية في الدعوة إلى التمسك بخيار الوَحدة وألقت بالوزر الأكبر على جُمهورية إيران فإن الصحُفَ الإيرانية حملت السعوديةَ مسؤوليةَ كـُـلِّ ما يجري في اليمن من حُروب واقتتال.
فقد كُتب في موقع قناة العالم مقالٌ بعنوان: »حروبُ السعودية في اليمن وشغف الإطلالة على بحر العرب« جاء فيه أن السعوديةَ تدفـَعُ بالرئيس اليمني صالح إلى التوغل في وَحْل صعدةَ وبقية المناطق الشمالية من البلاد من خلال افتعال الحُروب ضد الزيديين هُناك، وأنها تَهدفُ من وراء ذلك -أي السعوديةَ- إلى إنهاك سُلطة الرئيس علي صالح ليتمكن الجَنوبيون من الإنفصال عن الشمال.. وهكذا تحوّلت اليمنُ إلى مَسرَح لتصفيات حسابات الكبار، ويبدو المواطن وَحدَه مَن سيتضررُ من شظايا نيران الحرب التي تدورُ بين إيران والخليج على أرض اليمن.
#عارف_علي_العمري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟