سليم محسن نجم العبوده
الحوار المتمدن-العدد: 2651 - 2009 / 5 / 19 - 08:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الولايات المتحدة تلك الدولة التي تربعت على عرش الصدارة العالمية بعد أخر صراع للهيمنة في عام 1945م . حيث كانت قوتها الاقتصادية والعسكرية في أوج عظمتها تلك القوة التي وفرت الأساس لنظام سياسي و اقتصادي عالمي هيمنت هي على شؤونه . وكل ذلك كان بسبب الميزة النسبية التي تميزت بها على جيرانها حيث كانت تلك الميزة تنظيمية و تقنية واقتصادية مما انعكس على تفوقها السياسي والعسكري . الا ان تلك الهيمنة فرضت على الولايات المتحدة التحكم بالنظام الدولي بصورة مباشرة او غير مباشرة وحل المشاكل الاقتصادية الجوهرية لصالحها .و على الرغم من ان تلك السيطرة كانت توفر عوائد اقتصادية وسياسية آنية وإستراتيجية بيدة المدى الا ان ما تنطوي عليه من تكاليف في القوة البشرية و الموارد المالية للحفاظ على موقعها المهيمن كانت كبيرة جدا .
وكان من اهم التكاليف التي أنهكت "القوى المرنة" للولايات المتحد ما يعرف بالحرب الباردة وسباق التسلح الذي امتد مابين 1961-1989م حيث أنهكت الميزانية الأمريكية و استنزفت مواردها الطبيعية فبعد ان كانت مثلا تسد ما مقداره 90% من الطاقة التي احتاجتها جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أصبحت بعد عام 1989م غير قادرة على سد حاجتها المحلية من الطاقة وتحولت الى اكبر مستهلك ومستورد للبترول على الإطلاق . على الرغم من تمكنها من إنهاء الاتحاد السوفيتي وإطلاق رصاصة الرحمة عليه عام 1989م الا أنها لم تدرك بأنها كانت بحاجة الى رصاصة أخرى تطلقها على نفسها في وقت لاحق .
ان الحرب الباردة أتاحت لبعض الأعداء القدامى تنفس الصعداء والعمل بصمت لأعادت بناء هيكليتها كدول متقدمة مثل ألمانيا و اليابان إضافة الى الصين و لم يتصور الأمريكان أبدا ان العالم سوف ينسى ما فعله الألمان في أوربا والعالم بقيادة "ادولف هتلر" وكذلك ما فعلته العسكرة اليابانية الا ان كلا الدولتين استغلت انشغال الولايات المتحدة في حربها الباردة ضد السوفيت وبنت كل منهما إمبراطورية اقتصادية فتحولت مع مرور الزمن مراكز جذب اقتصادي اقظت مضاجع الأمريكان .
و بما ان الأمة الأمريكية هي امة هجينة وقوميتها وهمية وان النظام الفدرالي لم يكن له ان يكون الا بعد حروب أهلية طويلة فلم يكن من السهل السيطرة على الأوضاع و البقاء على الوحدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة سهلا لذلك فلم يجد صناع القرار الأمريكي للحفاظ على ما وصلوا إلية الا من خلال الجمع بين نقيضين وهما " الديمقراطية والفاشستية " في ان واحد وفعلا نجح الأمريكان بتحقيق هذه الإستراتيجية التي انطوت على معادلة صعبة و ربما تكون مستحيلة . الا ان الإمكانات الاقتصادية والتقنية والبشرية و الأيمان في جدوى ذلك حقق تلك المعادلة .بحيث طبقت الديمقراطية داخليا في اختيار أعضاء الكونكرس و حكام الولايات والرئيس الأمريكي بشفافية مطلقة وربما تكون مذهلة وفريدة وفي الجانب الخارجي طبق الوجه الأخر من المعادلة الا وهوا الفاشية والتعسف والإجبار والقهر الدولي .
ولذلك دخلت الولايات المتحدة حروب كثيرة لم يكن لها مبرر الا الهيمنة و إظهار التفوق العسكري والسياسي والاقتصادي . منذُ الحرب العالمية الثانية 1945م وحتى اليوم فأنها لا تزال عالقة في حربي العراق وا أفغانستان اللتان قضتا على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي . فعلى الرغم من ان السياسة الأمريكية مرسومة مسبقا وان الرؤساء الأمريكان لا يغيرون في ثوابتها شيئا الا أنهم يضعون لمساتهم وربما يحددون لها بعض المواقيت . الا ان دخول الأمريكان في حروب واسعة النطاق كبيرة التكلفة وفي اكثر من مكان استنزف الموارد ومعنويات على حد سواء . خصوصا فيما يخص حرب تحرير الكويت ثم حرب الاستنزاف المنهجية التي استمرت حتى عام 2003م احتلال العراق . و احتلال افغانستان كان ورطة حقيقية للولايات المتحدة روج لها "بيل كلنتون " و رقص لها طربا "جورج دبليو بوش" و الذي بدد الموارد الأمريكية بشكل لم يشهد له تاريخ الولايات المتحدة مثيل . و ربما لم يكن ل "جورج دبليو بوش " حسنة في مدة ولايتي حكمة عدى حسنة واحدة الا وهي انة قد وضع الولايات المتحدة بجبروتها على شفير الهاوية .
اكبر صدمة تعرضت لها مصالح الأمن القومي الأمريكي في التاريخ المعاصر صدمة توازي فرحة الأمريكان بانهيار إمبراطورية الشر السوفيتية كما يحلوا لهم تسميتها الا وهي سقوط نظام شاه إيران "محمد رضا بهلوي" في قبضة الثورة الإسلامية في إيران مما أدى إلى فراغ امني بعد ان كان الشاة الشرطي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط والخليج و على الرغم من سعادة الأمريكان بالحرب العراقية الايرنية عام 1980م الا ان هذه الحرب هي التي مهدت وتسببت فيما بعد ذلك باجتياح العراق للأراضي الكويتية في منتصف ليلة 2/اغسطس/1990م وحتى حرب "عاصفة الصحراء" التي شنتها قوات التحالف بقيادة"نومان شوارتزكويف" وكان ذلك بعهد "جورج بوش" الاب ثم بعد ذلك اكمل الابن مسيرة ابيه في احتلال العراق ومن قبلة " بيل كلينتون" ادخل أقدام" المارينز" المستنقع الأفغاني وثبتها فية "جورج دبليوبوش" . نعم على ما يبدو ان الرؤساء الأمريكان كل منهم كان من أولوياته البحث عن عدو او خوض معركة كي يتحول الى بطل قومي ..!و لذلك أصبحت التكاليف متزايدة للهيمنة على العوامل الخارجية فقد أصبحت تكاليف الحماية باهظة بسبب التطورات الاقتصادية الداخلية و التكاليف المتزايدة للأسلحة الأكثر كفاءة وهذا الارتفاع المضطرد في التكاليف يعود بسبب التغيرات المستمرة في البيئة الدولية .
لذلك أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة على تحمل الأزمة المالية الحادة والتي تؤثر بشكل كبير على كفاءتها في أدارة النظام العالمي الذي طالما حرصت على البقاء متحكمة فيه على انفراد . وبعد ان استلم "باراك اوباما " أنقاض الدولة المهيمنة من سلفه "جورج دبليوبوش"2009م أصبح لزاما عليه ان يغير أولويات السياسة الأمريكية و ذلك لتحقيق مجموعة أهداف أهمها الحفاظ على هيبة الولايات المتحدة في المجتمع الولي و انتهاج سياسة أكثر اعتدال لامتصاص السخط الدولي و استخدام سياسة اقتصادية تقوم على أساس خفض التكاليف وهذه الأمور او الأهداف كي تستطيع الحكومة الأمريكية من تحقيقها لا بد لها من ان تنتهج منهج خفض التكاليف الخارجية وبالتالي يجب عليها ان تنسحب فعليا من العراق وأفغانستان و حتى لا تترك ورائها أي فراغ امني او سياسي لا بد لها ان تعهد بالمهمة الى من ينوي عنها وهنا كل الإشارات تدل على أمكانية ان تتبوأ إيران هذه المهمة وهذا ما يفسر الحاح الإدارة الأمريكية على فتح قنوات للحوار مع ايران و هذا ما تعيه إيران جيدا وتصبوا الية ايظا هيمنة إقليمية بأقل التكاليف . وان تترك سياسة الضغط من جانب واحد وان تنتهج سياسة متكافئة تقوم على اساس الشراكة المتبادلة .
لكن ماذا لوا فشلت الإدارة الحالية او حتى بضعة اداراة لاحقة بتحقيق هذا التوازن اذا فشلت فان مصادر الثروة الأمريكية او ما يسمى ب "القوة المرنة" سوف تنحصر ببعض الولايات الامريكة وستتحول الولايات المتحدة الفيدرالية الأمريكية إلى الولايات المتحدة الكون فدرالية الأمريكية وسيدق جرس العودة الى تاريخ نشوء هذه الدولة العظمى المهيمنة وسوف يكون للحرب الأهلية النصيب الأكبر في الأحداث .
#سليم_محسن_نجم_العبوده (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟