عارف علي العمري
الحوار المتمدن-العدد: 2600 - 2009 / 3 / 29 - 05:25
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حينما تختلطُ الأمورُ تضيعُ الحقائقُ، وفي زحمة الأحداث يبدو كـُـلُّ شيء غيرَ واضح حتى لأهله، وعندما تدوي أصواتُ الرصاص وَسَطَ عواصم البلدان تنتشرُ الفوضى، ويَعُمُّ الخوفُ، ويفقدُ الأمنُ هيبتـَه، والمواطنُ سكينتـَه، أمَّا عندما يحدُثُ ذلك داخلَ حَرَم جامعي، فتزهقُ الأرواحُ، وتقتـَـلُ الأنفسُ، فإن الفرقَ يكونُ كبيراً بكـُـلِّ المقاييس..
في صباح يوم الثلاثاء الفائت كانت جامعةُ صنعاء على موعد جديد مع حالة قتل لطالب جامعي لم تكن الأولى، بل سبقتها حالاتُ قتل مشابهة لم تحظ بتغطية مُناسبة، وكانت على موعد من الفوضى لم تشهَد لها مثيلاً، ففي حين كانت مسيراتُ الطلاب تجوبُ كليات الجامعة الجديدة، كانت مجاميعُ قبائل ضلاع هَمَدان تحكمُ سَيْطرتـَها على بوابتي الجامعة الشرقية والغربية.
الساعةَ التاسعةَ صباحاً كان يتواجَدُ على بوابة الجامعة الغربية ثلاثةُ أفراد يقومون بإغلاق البوابة ويُمسكون بالعصي في أيديهم ويمنعون الجميعَ من الدخول إلى الجامعة، وعند سؤالنا عن سبب قيامهم بهذا التصرف أفادوا أن عسكريَّ البوابة قام بقتل الطالب/ صالح حاتم الحوتي -مُستوى أول- كلية التجارة والإقتصاد، الذي فارق الحياةََ لدى وُصوله إلى المستشفى، وكان السببُ وراءَ قتله هو منعُه من الدخول إلى الجامعة بدون بطاقة جامعية، وبَعدَ حُصول مُشادَّة كلامية بين الطالب والعسكري إنتهت بتصويب فوهة بُندقية العسكري نحو الطالب لتخترقَ رصاصةٌ خاصرةَ بطنه اليُمنى، وتخرُجُ من الناحية اليُسرى، وهو ما أكـَّـدَهُ بعدَ ذلك لصحيفة »البلاغ« الشيخُ/ منصور عاطف المصلي.
العسكريُّ الذي كان مُتواجداً في البوابة الشرقية للجامعة أوضَحَ لـ»البلاغ« قبلَ أن يلوذَ بالفرار أن الطالبَ أرادَ يومَ الإثنين الماضيَ الدخولَ إلى الجامعة دونَ بطاقة جامعية فمنعه العسكري وحصلت بينهما مشادةٌ كلاميةٌ على إثرها قام الطالبُ بتهديد عسكري البوابة، وفي اليوم الثاني جاء الطالبُ ومعه ثلاثة من أصحابه يستقلون سيارةَ هايلكس موديل 2007 وأرادوا أن يَدْهَسُوا العسكريَّ إلاَّ أنه قام بالدفاع عن نفسه.
لم تمض سوى أربعين دقيقةً حتى كانت مجاميعُ ضلاع همدان تحكمُ سيطرتها على بوابتـَـي الجامعة ويُغادرُ كـُـلُّ أفراد الحرس الجامعي أسوارَ الجامعة.
وبعدَ سيطرة القبائل على بوابة الجامعة قاموا بتهشيم وكسر نوافذ البوابة الشرقية، بالإضافة إلى منع الطلاب من الدخول أو الخروج في البداية إلاَّ أنهم جُوبهوا بحملة طلابية أضطرتهم لفتح البوابة أمامَ الطلاب فقط.
مَقتلُ الطالب/ صالح حاتم الحوتي فـَـجَّرَ لدى الطلاب مشاعرَ الغضب المتراكم لديهم مُنذُ سنوات، فلدى وُصول رئيس اتحاد طلاب اليمن رضوان مسعود قاد مسيرةً طلابيةً حاشدةً بدأت من بوابة الجامعة مُروراً بكليات التربية والتجارة والشريعة واللغات وُصولاً ببوابة الجامعة، وانتهاء بمجلس النواب.
وقد حرص الطلابُ على أن تكونَ المسيرةُ سلميًة، وترجمة لذلك فقد رفعوا فوق رؤوسهم الأقلامَ والكتبَ، مرددين شعارات: »يا رئيس البلاد.. الجامعة في فساد«، »لا طميم بعد اليوم«، »يا طلاب يا أحرار.. هذا عار.. زميلنا قـُتل بالنار«، »العقاب العقاب.. يا قتلة الطلاب«، وغيرها من الشعارات المعبرة عن مشاعر الغضب والإستياء ضد عسكرة الجامعة.
وفي المسيرة الطلابية حَمَّلَ رئيسُ الإتحاد رضوان مسعود رئيسَ الجامعة د. خالد طميم مسؤوليةَ ما جرى؛ لأنه مَن سَمَحَ بعسكرة الجامعة.
في الجانب الآخر وعندما كانت تقفُ قواتُ مكافحة الشغب على مسافة أمتار من بوابة الجامعة، كان بعضُ الطلاب يَقومُ بإحراق ملابس وبطانيات العسكر التي كانت مرميةً في بوابة الجامعة، وكان هذا التصرُّفُ كإشارة تحَدٍّ لقوات مُـكافحة الشغب، كما قام بعضُ الطلاب برشق السيارة التي يستقلها د. خالد طميم بالأحذية، مما نتج عنه كسرُ الزجاجات الأمامية للسيارة، وذلك عندما حَاوَلَ رئيسُ الجامعة الخروجَ من الجامعة ليضطر بعدَها بالرجوع إلى مكتبه حتى وُصول وزيرُ التعليم العالي د. صالح علي باصرة الذي أكد للقبائل التي إقتحمت مكتبَ رئيس الجامعة أنه تم تسليمُ القاتل إلى قسم شرطة ٤١ أكتوبر.
من جهته أصدَرَ الاتحادُ العام لطلاب اليمن بياناً أدَانَ فيه الحادثةَ والإنتهاكات المتكررة التي يُمارسُها أَمْن جامعة صنعاء بحق الطلاب، وحدد مَطالبَه في القبض على القاتل وتقديمه للمُحاكمة، ومُحاسبة وإقالة كـُـلِّ مَن تسبَّبَ في استمرار الإعتداءات على الطلبة داخلَ الحَرَم الجامعي، بالإضافة إلى استبدال الحرس الجامعي بحرس مَدَني تنفيذاً لقرار اللقاء التشاوُري لقيادة وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات اليمنية، كما دعا الاتحادُ في بيانه كافةَ وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية إلى التفاعُـل مع كافة الإحتجاجات وتغطيتها ونقلها إلى الرأي العام.
وفي سياق مُتصل أصدَرَ القطاعُ الطلابي لأحزاب اللقاء المشترك بياناً أدان فيه جُملةً من الإنتهاكات والتجاوُزات التي يُمارسُها أَمْنُ الجامعة بحق الطلاب، وطالب في البيان بإقالة ومحاسبة رئيس الجامعة على جُملة من الإنتهاكات التي تعرَّضَ لها الطلاب.
وقال في البيان: إن الممارسات القمعيةَ المتزايدةَ والإعتداءات المتفاقمة التي ينتهجُها أَمْنُ الجامعة تبعَثُ على الحَيرة والقلق حَولَ التربية العُدوانية التي يتلقاها منتسبو الأجهزةُ الأمنيةُ خَاصَّةً مع تزايُد الانتهاكات والتجاوُزات التي وصلت إلى حَدِّ إراقة الدماء في ظل صمت مُخـْزٍّ من قبَل الجهات المختصة والإدارة الجامعية تجاهَ هذه الإعتداءات المتكررة.
كما جَدَّدَ القطاعُ الطلابيُّ لأحزاب اللقاء المشترك ضَرورةَ إحترام قـُدسية الحَرَم الجامعي باعتبار الجامعة عقلَ المجتمع المعرفي، وهي ساحة للعلم والمعرفة وليست مرتعاً للقتل والإعتقال.
جَامعةُ صنعاء أصدرت بياناً صادراً عن مكتب رئيس الجامعة تأسَفُ فيه للحادث الذي تعرَّضَ له الطالبُ/ صالح الحوتي، وتؤكد أنه تم تسليمُ الجاني إلى قيم ٤١ أكتوبر، ومن ثم إلى البحث الجنائي وأن الجامعة ستولي القضيةَ كل جدية.
وأضافَ البيانُ أن التحقيقات جاريةٌ لمعرفة الأسباب والدوافع التي أدت إلى هذا الحادث الأليم، وأن الجامعةَ أكثر حرصاً على الوصول إلى الحقيقة غير منتقصة.
حُقوقيون وأكاديميون يمنيون طالبوا بسُرعة إخلاء الجامعات اليمنية من الحرس العسكري واستبدالهم بحرس مَدَني، وحملوا السلطةَ المسؤوليةَ الكاملةَ عن الحادثة وتداعياتها، مؤكدين بأن دَورَ الأمن في حَرَم جامعة صنعاء يتعارَضُ مع مبدأ قداسة العملية التعليمية.
الجَديرُ ذكرُه أنه حتى منتصف العام الدراسي الحالي وَصلت حالاتُ الإعتداء بالضرب والإعتقال والإختطاف والموت في المعتقل وإطلاق الرصاص الحي على الطلبة إلى أكثر من خمسة وعشرين حالة اعتداء، هكذا يبدو المشهَدُ الأولُ من القضية مخيفاً ومرعباً يحملُ في طياته الكثيرَ، وما ينتظرُه طلابُ الجامعة هو أن يأتيَ اليومُ الذي تتحققُ فيه مطالبُهم بتغيير الحَرَس العسكري إلى مَدَني وأن تقر أعينـُهم برؤية القاتل في ساحة الإعدام.
#عارف_علي_العمري (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟