حسب الله يحيى
الحوار المتمدن-العدد: 2485 - 2008 / 12 / 4 - 06:03
المحور:
الادب والفن
يحتاج الكاتب الى التجربة والملاحظة والخيال
هؤلاء الكبار في ذاكرتنا..الكبار في التجارب والابداع والاصالة..كيف استطاعوا ان يصبحوا كبارا في العقول والنفوس ويفرضوا عالمهم على عالمنا؟
كاتب صغير في حجمه،دقيق في تأثيره،عميق في ابعاده،لصيق بنا،ممتع امام ابصارنا،جاءنا به مترجم نابه هو:كاظم سعد الدين،وقدمه لنا عن اختبار ذكي،وحمل الينا اجابات عدد من المبدعين الذين تركوا بصماتهم في حياتنا الثقافية.
قاص مثل فرانك اوكونور يحس بسمعه،ودوروتي باركر تتدفق معه على سماع الاشياء،فيما نجد فوكنر يبدأ الصورة عقلانيا.
ويستخلص مالكولم كاولي بأن،كل كتاب يبدأ في ومضة ولكن يستغرق وقتا طويلا ليتخذ شكله النهائي.
ومن معرفة كاولي نقرأ:(أتذكر انني قرأت ان ديكنز اثناء كتابته يغص بالضحك على فكاهته هو نفسه،وتنهمر دموعه على الصفحة عندما يموت أحد ابطاله..).
ويلتقي كاولي مع سيمنون..كاولي يقول:
(ان كان لدى الانسان الحافز لكي يكون فنانا،فأن سبب ذلك هو الحاجة الى ايجاد نفسه)،وسيمنون يقول:(اذا كان لدى الانسان واقع لكي يكون فنانا فذلك يحتاج الى ان يجد نفسه).
ولا نعلم على وجه الدقة،ان كانت المقارنة مطابقة بتأثير الترجمة أم الاصل؟
ونتابع ماينقله الينا كاولي عن همنغواي بوصفه كان يقط عشرين قلما استعدادا للكتابة..
ونتباهى مع مورافيا حين نعلم انه نال شهادة المتوسطة فقط،ولم يقعده مرضه
-اصيب بسل العظام- عن الكتابة .
يقول:(انا اكتب لتسلية نفسي،واكتب لتسلية الآخرين)فهل ان ماكتبه مورافيا كان مجرد تسلية حقا؟!وأنه لا يفكر بأعماله:(انني عندما اعمل لاافكر بعملي ابداً).
ان مورافيا يناقض نفسه،والنقيض يجيء على لسانه:(تعلمت من جويس استعمال عنصر الزمن المرتبط بحدث،ومن دستويفسكي تعلمت تعقيدات الرواية الدرامية).
وحين نعلم ان دستويفسكي وجويس،استخدما الفكر في الفن الروائي،نتبين ان مورافيا يفكر كذلك،اعماله تمتلك قدرا من هذا الفكر،وليس تسلية احادية كما يرى اعماله بنفسه،وعندما نقرأ تفسير أرثر ميللر لمسرحيته:
(موت بائع متجول)لا يقنعنا التفسير بسبب غموضه ودورانه حول النص،مع أن كل نص ملك مشاع لتفسير القراء،والمتفرجين في صالة العرض المسرحي،ولا يحق لميللر ان يفرض تفسيرا محدداً لعمله المسرحي،ولا نجد عند بيرل باك التجربة التي تمدنا بالاستدلال.
ان ما نقل الينا عنها،مقارنتها الرواية بالمسلسلات عبر كتابة عابرة،الفنا عكسها في اعمال بيرل باك الروائية ذات التجارب الفنية.
ومع اننا نجهل كتب لووينفر،الا اننا ندهش حين نعرف انه درس مؤلفات كونفوشيوس،وهو في السابعة من عمره!
وتمدنا اقواله بالعافية:(تشاورنا وقررنا ألا يكون الادب،مدحا فقط بل يجب ان يتدخل في جميع مناحي الحياة،من كل وجوهها).
ونتوقف طويلا عند وليم فوكنر،وعند تواضعه حين يجيب على سؤال:(ماذا عن نفسك كاتبا)؟.
فوكنر يجيب:(لم أكن قد خلقت،لكتب شخص آخر ما كتبت).
ويضيف قائلاً:(ليس للفنان اهمية،وانما المهم ما يبدع)
وحين يطلب اليه تحديد قاعدة للروائي الجيد،يجيب قائلاً:
(99% موهبة،99% تدريب، 99% عمل يجب الا يرضى عما فعل ابداً..لا تهتم ان تكون افضل من معاصريك،او سابقيك،حاول ان تكون افضل من نفسك).
وفوكنر يرى ان:(مسؤولية الكاتب الوحيد هي لغته،يتخلى عن كل شيء،الاجلال والفخر والاصول والامان والسعادة،وكل شيء في سبيل انهاء الكتاب).
اما البيئة الافضل للمبدع كما يرى فوكر،فهي البيئة(التي يحصل فيها على الاطمئنان من اجل مال موقوف له،فهو منشغل جدا بكتابة شيء).
ان الفن الجيد كما يقول فوكنر:(يمكن أن يخرج من اللصوص او المهربين او سائسي الخيل..ويضيف:(لا شيء يمكن أن يحكم الكاتب الجيد،الشيء الوحيد الذي يمكن ان يغير الكاتب الجيد هو الموت).
(الكتاب الجيدون،لا وقت لديهم ليكلفوا انفسهم بالتفكير،بالنجاح أو كسب المال).
لقد كان فوكنر يتمنى لو حصل تناسخ في الارواح،فاني اود لو عدت صقراً،لا شيء يكرهه أو يحسده او يريده أو يحتاجه،انه لايرتبك ولايسمه خطر،ويمكن أن يأكل كل شيء)!
ان مايحتاجه الكاتب ثلاثة امور- كما يقول فوكنر:
(التجربة والملاحظة والخيال).
وننتقل الى جورج سيمنون الذي ينصح كتابنا قائلا:
(كل جملة اذا كانت جميلة في غير مكانها..إحذر منها).
ويعترف سيمنون انه منشغل بالاتصال بين عالمين،وموضوع الانغلاق الذي تتغير فيه حياة المرء بين يومين،ويقر سيمنون بأنه قد تناول بعض المشكلات اكثر من خمس مرات.
ومع سيمنون تدهشنا الثقافة التي رسمها سيزان بثلاث ضربات من فرشاة فقط،فقد كان لها وزن،وفيها عصير وكل شيء).
ونقرأ شيئاً من تجربة مكسيم غوركي،ونتوقف عند حديثه:
(قرأت كتبا ضعيفة لا تحصى،ولكنها مع ذلك كانت نافعة لي،ينبغي للمرء أن يعرف الجانب السيء في الحياة،كما يعرف الجوانب المشرقة،وعليه ان يمتلك المقدار الاكبر من المعرفة،وكلما كانت التجربة اكثر تنوعا،كانت منزلة المرء اكثر رفعة وافق رؤيته اكثر رحابة).
اما فرانسوا مورياك،فأنه يبدأ قوله:
(ينبغي لكل روائي ان يخترق تكتيكه الخاص به)ويضيف:(الروائي العظيم هو الذي يكسر قالبه وهو وحده الذي يمكن استعماله) فـ (الاسلوب المستعار هو اسلوب ردئ)مثلما فشل ميللر في تحديد هوية مسرحيته(الاله العظيم براون)..
لقد وضع اونيل نفسه في قفص الاتهام فعلا وكما كان يتوقع فاذا كان كلامه مبهما هنا وتعبيره غير دقيق..فلماذا لم يصلح الامور بنفسه وينقذ نص مسرحيته من اهواء التلقي؟
ولم نجد اضافة وافية لسؤال:كيف اصبحت شاعراً؟
كما طرحه زهانك زيمين الذي لم تقرأ له شيئاً باللغة العربية،ولم يف جوابه حاجتنا الى معرفة شعره وحياته.
ولأندريه جيد قرأنا تجاربه الأهم في(قوت الارض)فأذا نحن امام حديث لايشغلنا كثيرا،الا في حدود معينة،فقد نقل اندريه جيد بأن (الآم فلتر)كانت سببا في انتشار(موجة وبائية من عمليات الانتحار في جميع انحاء اوربا،وادى ظهور احدى قصائد ليرمنتوف الى النتيجة نفسها في روسيا).
ويلتقي وليم سارويان مع راي جورج سيمنون الذي قدمنا رايه من قبل..ونعود لنقدم رأي سارويان الذي يقول:(استعمل جميع الكلمات،اجل اتركها فان لم تعبر عما تعنيه،فانها لا تصلح).
كما يلتقي ساوريان كذلك مع رأي مورياك الذي قدمناه من قبل..يقول سارويان:
(اريدك ان تكتب بطريقة لم يسلكها اي شخص في انحاء العالم..الكاتب الحقيقي..هو الذي يستطيع ان يفعل ذلك)،ومرة ثالثة يلتقي سارويان بفوكنر هذه المرة..ولنراجع ماقاله فوكنر،ثم نقرأ ماقاله ساوريان:(اذا استطاع اي شيء ان يبدأ يمنعك من الكتابة،فانك لست كاتبا،فانك ستكون في مازق..
ان متلقي التجربة،ومتلقي الابداع،لم يضف اليه مؤلف رواية(اجواء) لأندريه موروا شيئا،سوى تعريفه بكتابة السيرة،كما لم نجد للباحث رأيا في قضايا الشعر منذ كتاب (التجربة والشعر) لأرثيلد ماكليش،سوى رأي مبتسر عن تدريس الادب.
ومرة اخرى لم يبرر تنسي وليامز اهمية ان يتحدث عن مسرحية كتبها هي(كامينوريل)فيما نذكر بقوله:(ان العقيدة يجب ان لاتعنيني،بل ان تكون).
وقد كانت مسرحية وليامز موجودة قبل وبعد ان تحدث عنها،وكنا نأمل ان تتوضح امامنا صورة:ايغور براون – الذي لم نعرفه من قبل – عبر ثنائية على الوضوح الذي نمجد له تلك الدعوة،كما كنا نريد ان نكتشف عالم فرانسواز ساغان التي شقت سبيلها الابداعي وسط هالة من الاعجاب والكتابة المسبقة عن اعمالها..
ساغان لم تقل الا القليل،الذي لم نكتشف فيه تجربة غنية ولا قاعدة ثقافية راسخة.
وبعد:(كبار الكتاب كيف يكتبون؟)من الكتب المفيدة للادباء فيه حصاد الرأي لمن سبقوهم،ويراجعوا ويبصروا..كيف تمتلئ رؤوسهم بالافكار والصور والتجارب،وكيف يحسون بالاشياء حولهم،كما يحسوا بالناس الذين يحيطون بهم..وهذا هو فضل الكتاب على القارئ،ويكفيه انه امدنا بمعرفة عدد من المبدعين،وقربنا الى عالمهم والى خصوصياتهم..
*كبار الكتاب كيف يكتبون؟ترجمة:كاظم سعد الدين/دار الشؤون الثقافيةالعامة- بغداد 1986.
#حسب_الله_يحيى (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟