أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن عبد راضي - قصة موت حيدر عبد الخضر المعلن















المزيد.....

قصة موت حيدر عبد الخضر المعلن


حسن عبد راضي

الحوار المتمدن-العدد: 2369 - 2008 / 8 / 10 - 08:40
المحور: الادب والفن
    


منذ اكثر من ست سنوات وحيدر عبدالخضر الشاعر المرهف روحا واحساسا وجسدا يذوي ويتضاءل تحت سطوة مرض سيابي غير مشخص بعناية ودقة، حتى صار هذا المرض يتناسل في جسده الى مجموعة من الامراض فمن التهاب القولون الى التهاب الاعصاب المحيطية الذي نجم عنه عجزه عن المشي الا بالاستعانة بعكاز، واحيانا العجز الكلي عن المشي فضلا عن تقرحات في مناطق مختلفة من جسمه. ظل حيدر عبدالخضر يستنجد بنا نحن اصدقاءه، ومنعته عزة نفسه من ان يعرض مأساته في مزاد الزيف والشعارات البراقة الذي صار يتسع فيشمل اناسا ومؤسسات كانت يوما ما- ربما في عهد الزعيم الخالد عبدالكريم قاسم - تأبه لشاعر مريض او فنان مأزوم او رياضي مصاب.
اما نحن اصدقاء الشاعر فقد كنا قليلي الحيلة في زمن الحيالين والعيارين الذين ينأون بأنفسهم في أوقات الخطر وجسامة المسؤولية وانعدام الموارد لكنهم يأتون كالفاتحين ليستولوا على كل شيء ويدعوا كل الامجاد في زمن المنافع، وليحولوا مؤسسات النفع العام الى مزادات للنفع الخاص، هنا المناضل الفلان علان الذي قاتل الانس والجان وذكره الجاحظ في رسالة العميان والعوران والبرصان،”مين يزود.. الا اونا ...الا دوي“ الا ترى... هنا الناقد الفاقد الذي ليس كمثله حاقد”مين يزود“ هنا ادباء الداخل هناك ادباء الخارج، المزاد مستمر. كل ذلك يحدث بينما يزداد الادباء المهمشون تهميشا، وينحدر الفقراء منهم بسرعة فائقة الى الطوابق السفلى تحت خط الفقر، اما المرضى.. اما حيدر عبدالخضر فانه يترك فريسة لأمراضه بانتظار ان يموت”لا سمح الله“ فيعلقون لافتة سوداء، ثم يستل كل منهم مرثية جاهزة ”تصلح لكل الموتى مع استبدال اسم المرثي“ على سبيل التخفف من وزر المشاركة الآثمة في قتله، ولو بالسكوت والاهمال، على نحو ما حدث لسانتياغو نصار في رواية ماركيز المعروفة. لقد ادمنا ثقافة الاحتفاء بالموت الذي اصبح نجم نجوم حياتنا وسوبر ستار برامجنا، فالصحف والمجلات والكاميرات والفضائيات والاتحادات والنقابات وكل ما ينتهي جمعه بـ”ات“ تتابع الموت وتسجل نشاطاته وفعالياته الكثيرة في بلادنا والحمد لله، بينما تترك الحياة في رمقها الاخير بلا مبالاة مفرطة، تستنجد فلا يلتفت اليها احد، تجوع وتعرى وتظمأ وتمرض وحيدة في عزلة رهيبة، فقد سرق الموت الاضواء كلها، وحظي وحده بالشهرة. الآن ماذا تريد يا حيدر عبدالخضر؟ هل تريد ان تشفى؟ اذن عليك الا تكون عراقيا لتحظى بفرصة اخرى للحياة، عليك ان تنزع عنك سمرتك العراقية التي اصبحت لعنة تطاردك، بل هي ماسورة مسدس او بندقية موجهة الى رأسك باسم العروبة والاسلام والوطنية ومن ابناء جلدتك واشقائك العرب قبل اعدائك الفرنجة! عليك ان تتخلص ايضاً من هويتك التي صدرت في أور مطلع الالف الثالث قبل الميلاد لكي تحظى بفرصة اخرى للحياة، فلو كنت فلسطينيا او من اية جنسية اخرى غير عراقية لسارعت اليك ملايين الدورلات الهاربة من افواه العراقيين الجياع في تسعينيات الحصار، لا لشيء، الا لتستعرض البداوة نفسها في ثوب معاصر، ولو كنت جزائريا او من اية جنسية اخرى غير عراقية بعد عام 2005 لحصلت على ثلاثين الف دولار (مثلا) تستقطع من افواه ادباء العراق ومثقفيه لتذهب الى سواهم.
مشكلتك الكبيرة يا حيدر هي انك عراقي، مرضك وعوزك وآلامك وربما موتك لا تعني الكثير في عالمنا الاسود هذا، لأن من الطبيعي-عربياً وعالمياً- ان يموت العراقيون بكثرة، بسبب او بلا سبب، بالحروب او المجاعات او البطش الرسمي(ارهاب الدولة المجاز عربيا وعالميا قبل 2003) من البديهي ان تقتلهم(حرب تحريرهم) ويسمونه(القتل الخطأ) ان تقتلهم كذلك سيارات الموت المفخخة ليس بالبارود فقط، ولكن بكل همجية الانسان عبر تاريخه الطويل المكتوب بالدماء، (ويسمون ذلك مقاومة) ان عالمنا الذي يدعي التمسك بحقوق الانسان وبالحرية والديمقراطية وغيرها نسي كل شعاراته تلك، وقرر ان يجمع كل شرور الارض بين اضلاع العراق، كل دائن ومدين هما اليوم خصمان شرسان يتقاتلان على سطوح منازلنا وفوق قبور موتانا، السلفية الظلامية تقاتل الحداثة الاسوأ ظلامية، والقاعدة الاصولية تصطرع مع الحامض الاميركي، والنتيجة الكيمياوية لمثل هذا الصراع هي بالبداهة ملح وماء. وهنا عليك يا حيدر ان تشعر على الرغم من آلامك الممضة ببعض الزهو، فقد تحولت الى قضية عاليمة دون ان تدري، تباع وتشترى وتصبح رقم حياة او موت، بروباكندا سياسية... انت فقرة رائعة في برنامج انتخابي اميركي، ويمكنك حتى ان تكون نجماً لبرنامج سوان(swan ) الذي يعيدون فيه إنتاج الانسان حيث يتم تعديله وحذف الزيادات منه وكيه كأي معطف second hand ، وأتساءل مستغربا لماذا لا تثير مأساتك عواطف النائب العمالي في مجلس العموم البريطاني جورج غالاوي ليأتي بحافلة لندنية من ذوات الطابقين عابرا اليك ثلاث قارات في رحلة تاريخية ثانية، وليكن اسمها (قافلة حيدر) على غرار (قافلة مريم) ؟؟ ألست انسانا كمريم، ام ان للانسانية قيمة اخرى تتناسب طردياً مع عدد كوبونات النفط التي تقف وراءها، واستطيع ان اجزم انك لا تملك كوبون نفط واحد، ولا حتى كوبون اشتراك في مجلة، فلأي شيء يأتي غالاوي.
مشكلتك الاخرى ياحيدر انك لست بارعا في التجارة ...في بيع الهواء، وفي المزايدة على الوطنية او على غيرها من السلع الكاسدة اليوم، لستَ افّاقاً لتغزو بقامتك النحيلة اسواق البطولات الوهمية التي راجت كثيرا هذه الايام، وصار تجارها يتفوقون على (ابراهيم عرب) في خرافاته المعاصرة.
ايها السادة.. ايها المسؤولون .. ايها الزملاء والاصدقاء.. ياقراء حيدر والمعجبين بشعره، يا زملاءه في اتحاد ادباء ذي قار.. يا من كتب عنهم حيدر قراءاته الفنية التشكيلية والمسرحية.. نحن نعرف جميعا مدى خطورة الامراض التي يعاني منها حيدر عبدالخضر، ونعلم جميعا انه سيموت لوقلنا له (اذهب انت وربك فقاتلا انا ها هنا قاعدون) ونعلم جميعاً اننا سنبادر الى نعيه بلافتة سوداء وبجلسة رثاء وتابين سندعي فيها جمعيا اننا بذلنا قصارى جهدنا لانقاذه وسرعان ما سينفض المجلس ونذهب جميعا الى منازلنا وأهلينا ناسين او متناسين، لكن أذكّركم أننا حين نأوي الى اسرتنا على امل النوم، ستستيقظ ضمائرنا كالمردة وسيبدأ الحساب.



#حسن_عبد_راضي (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تدليل الجراد
- مظاهرة
- سابق و لاحق .. و استقلالية القضاء
- حمامة عسقلان
- لدرء حروب مياه محتملة..هل يحتاج العالم إلى.. (مجلس أمن مائي) ...
- القلم .. والرصاص
- عقدة السوبرمان
- عصر الغذاء الرخيص


المزيد.....




- رحيل الفنان أمادو باغايوكو أسطورة الموسيقى المالية
- انطلاق فعاليات الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقافي الدولي
- -تيك توك- تطلق منصة -فور أرتيستس- لدعم الفنانين عالميا
- يحقق أعلى إيردات في عيد الفطر المبارك “فيلم سيكو سيكو بطولة ...
- فيلم استنساخ سامح حسين بمشاركته مع هبة مجدي “يعرض في السينما ...
- فيلم المشروع x كريم عبدالعزيز وياسمين صبري .. في جميع دور ال ...
- نازلي مدكور تتحدث في معرض أربيل الدولي للكتاب عن الحركة التش ...
- مقتل المسعفين في غزة.. مشاهد تناقض الرواية الإسرائيلية
- مقتل عمال الإغاثة.. فيديو يكشف تناقضا في الرواية الإسرائيلية ...
- -القيامة قامت بغزة-.. فنانون عرب يتضامنون مع القطاع وسط تصعي ...


المزيد.....

- عشاء حمص الأخير / د. خالد زغريت
- أحلام تانيا / ترجمة إحسان الملائكة
- تحت الركام / الشهبي أحمد
- رواية: -النباتية-. لهان كانغ - الفصل الأول - ت: من اليابانية ... / أكد الجبوري
- نحبّكِ يا نعيمة: (شهادات إنسانيّة وإبداعيّة بأقلام مَنْ عاصر ... / د. سناء الشعلان
- أدركها النسيان / سناء شعلان
- مختارات من الشعر العربي المعاصر كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- نظرات نقدية في تجربة السيد حافظ الإبداعية 111 / مصطفى رمضاني
- جحيم المعتقلات في العراق كتاب كامل / كاظم حسن سعيد
- رضاب سام / سجاد حسن عواد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسن عبد راضي - قصة موت حيدر عبد الخضر المعلن