أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - صالح سليمان عبدالعظيم - عبء التاريخ














المزيد.....

عبء التاريخ


صالح سليمان عبدالعظيم

الحوار المتمدن-العدد: 2367 - 2008 / 8 / 8 - 03:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هل يمثل التاريخ عبئا بالنسبة لحركة التقدم والتطور والتحديث؟ وهل تتحرك المجتمعات التي لا تمتلك تاريخا بمرونة أكبر عن تلك المجتمعات التي يكبلها تاريخها الطويل الذي يمتد لآلاف السنين؟ وإذا كان التاريخ يمثل عبئا على حركة المجتمعات، فلماذا تتشبث به المجتمعات وترتبط به، بل وتقاتل في سبيله؟ وفي عصر العولمة المبتذل الذي يقتحمنا ليل النهار، هل يصبح للتاريخ قيمة، بعد أن تحولت مفرداته ومنتجاته وتجلياته المختلفة إلى سلع تمتلئ بها أرفف المتاجر، الرخيص منها والغالي على السواء؟ وأخيرا، ألا يصبح التمسك بالتاريخ في مثل هذا الحالة ضربا من الجنون والعبث والعزلة عن المحيط الكوني العام؟
يمثل التاريخ أهمية قصوى لكافة المجتمعات الإنسانية قاطبة؛ فالتاريخ يمثل الحنين والمثال الذي تتوق إليه الشعوب، وتوجه إليه رحالها كلما أعيتها تحولات الحاضر وظروفه المعاندة. ولا يمكن الجزم بشكل قاطع بالأسباب التي تجعل الشعوب والأمم تتعلق بالتاريخ وتتمسك به بدون القدرة على تحليله ونقده، ناهيك عن الانسلاخ عنه. ولعل ذلك يظهر من خلال كتب التاريخ الرسمية على وجه الخصوص التي تسطرها الأمم لنفسها ولأبنائها، حيث تشيد من خلالها بالتاريخ وبالأسلاف وبالبطولات المختلفة. وحتى إذا لم توجد أي بطولات ولا يحزنون، نجد هذه الأمم تمد تاريخها إلى آلاف مضت من السنين، مستندة إلى وجود بعض الأواني أو العملات النقدية من أجل الحصول على مساحة ما من التاريخ، ومن أجل اكتساب قدر ما من التواصل الحضاري الإنساني القديم.
ويتفاوت استخدام التاريخ بين الأمم القديمة والحديثة. فالأمم القديمة تتحدث عن التاريخ ليل نهار، تستدعيه في كل صغيرة وكبيرة. وما يلفت الانتباه هنا أن استدعاء التاريخ يتم في أوقات الهزائم كما في أوقات الانتصارات رغم اختلاف التداعيات المرتبطة بكليهما. لكن التاريخ حمال أوجه وحمال تفسيرات. ففي أوقات الهزائم يتم استدعاء التاريخ من أجل العظة والاعتبار والوقوف على مآثر الماضي التليد، وفي أوقات الانتصار يصبح استدعاء التاريخ تكملة لمسيرة الانجازات وإعلاء من شأن البطولات. ففي كل الأوقات هناك متسع ومكان لاستخدام التاريخ وحمولات التأويل المرتبطة به.
فمن الملاحظ الآن على سبيل المثال أن انطلاقة كل من الهند والصين ترتكز بدرجة كبيرة إلى استدعاء التاريخ. ففي ظل المواجهة الصينية الأميركية الحالية تستدعي الصين تاريخها وحضارتها مقارنة بالولايات المتحدة الذي لا يمثل تاريخا سوى قشرة رقيقة جدا من تراكمات التاريخ الصيني القديم. وإذا كان الصينيون يستدعون تاريخهم بالمواجهة المباشرة مع أميركا، فإن الهنود يستدعون تاريخهم وحضارتهم من أجل إثبات حسن نواياهم في الحصول على مكانة عالمية تليق بالهند وتاريخها والتنوع العرقي والديني الذي تملكه. في الصين يتم استدعاء التاريخ من خلال الإحساس بالتفوق التجاري الصيني على الولايات المتحدة الأميركية، بينما يتم استدعاءه في الهند من خلال الإحساس بضرورة تسويق الهند لدي الآخر الغربي بالأساس. التاريخ هو التاريخ يتعلق بالماضي سواء رضينا أم أبينا، فلا يوجد تاريخ بتعلق بالحاضر، لكن الصين تستدعيه بشكل بينما تستدعيه الهند بشكل آخر.
وإذا كانت الصين والهند تستدعيان التاريخ إبان صعودهما الحالي، ومن خلال فهمهما لوضعيتهما الحالية ضمن منظومة القوى الكونية العظمي والصاعدة، فإن هناك العديد من الأمم الأخرى تستدعي التاريخ وهى على شفا الانهيار والخروج من حسابات التاريخ ذاته. ومن أسف أن العديد من هذه الأمم ينتمي للعالم العربي. ومن مفارقات القدر أن العالم العربي لا يستطيع أن يحيا بدون تاريخ، سواء إبان فترات صعوده أو إبان فترات انهياره والهزائم التي تطارده. فالعرب لا يحيون إلا بالتاريخ، حتى وهم لا يدركون حقيقة واقعهم، وإملاءات الحاضر المتنفذة عليهم وعلى شعوبهم وعلى حضارتهم وبالطبع على تواريخهم الحقيقية أو المختلقة.
هنا يتم استدعاء التاريخ بكافة حمولاته الدينية والطائفية والعرقية، تستدعيه الأغلبية كما تستدعيه الأقليات. ومن اللافت للنظر أن استدعاء التاريخ يتم هنا، وعلى عكس ما يتم في الصين والهند، بدون أية إسهامات عربية حقيقية في صناعة تاريخ الحاضر، أو حتى المساهمة بقدر ما في تشكيلة. وحتى بعض التجارب العربية التي لعبت الصدفة دورا في صعودها فإنها تتم ضمن وضعية الاستهلاك العربي بدون أية إسهامات إنتاجية حقيقية.
ومن اللافت للنظر هنا أن البعض يستدعي التاريخ في العالم العربي بكل حمولاته وتأثيراته المختلفة، بينما يزيح البعض الآخر التاريخ مرتكزا على بعض الإنجازات الشكلية غير المؤثرة في المحيط العربي العام. ومن الغريب أيضا أن المعنى الحقيقي للتاريخ يضيع بين الفريقين. فالفريق الأول مازال ضائعا بين منتجات التاريخ القديمة والأسلاف الفاتحين حيث يصير التاريخ هو الماضي فقط، والفريق الثاني يعيش مزهوا وسط صنائع الآخرين، حيث يصير التاريخ هو الحاضر فقط. يحتاج العالم العربي الآن إلى فريق ثالث يدرك المعني الحقيقي للتاريخ على أنه حالة إنتاجية وإبداعية غامرة للتواصل العبقري بين الماضي والحاضر بدون انقطاع أو تقديس. وإلى أن يستطيع العرب إنتاج هذا التصور سيظل التاريخ عبئا علينا وتصورا مثاليا يمنحنا استمرار مؤقتا في الجغرافيا التي يتلاعب بها الآخرون ويعيدون رسمها من جديد وفقا لشروطهم وأحكامهم ومصالحهم.










#صالح_سليمان_عبدالعظيم (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صورة الذات
- المعنى العميق للثقافة
- المعارك الصحفية في عالمنا العربي
- حالة القوات العسكرية الأمريكية اليوم
- آليات العزل وحكايات الكلب الأجرب!!
- سيناريو انهيار الأقصى
- التمييز العنصري ضد المسلمين في أمريكا
- بنية التواطؤ
- الاتساق الفكري
- أحوال مصرية
- عالم بدون إسلام
- مُعضلة التدين في العالم العربي
- تقرير حالة السكان العالمي 2007 الصادر عن صندوق الأمم المتحدة ...
- -جَوْجَلة- المعرفة
- نحو سلام واقعي
- أزمة علم الاجتماع في العالم العربي
- الأغنية العربية المعاصرة
- -الحرية والخوف- التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية 2007
- ثقافة التمثيل
- عزمي بشارة والملاحقات الإسرائيلية


المزيد.....




- بإجماع من المحكمة الدستورية.. الرئيس الكوري الجنوبي المعزول ...
- السعودية.. فيديو -لعب- تركي الفيصل على أغنية بليلة خالد الفي ...
- ماذا نعرف عن إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على مسعفين فلسطيني ...
- لبنان: إسرائيل تغتال قياديا في حماس في صيدا وتنفذ سلسلة غارا ...
- القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط... أيها ستختار واشنطن إذا ...
- مراسلتنا: مقتل فلسطيني في جنين واقتحامات في رام الله ونابلس ...
- روسيا.. الذكاء الاصطناعي يساعد في اكتشاف جينات لها علاقة بال ...
- فيديو إخراج جثة قيادي في حماس قتل بقصف شقته في صيدا
- -بلومبرغ- .. ترقب أمريكي لرد فعل بوتين على نتائج زيارة مبعوث ...
- إيلون ماسك يدعو إلى العفو عن مارين لوبان


المزيد.....

- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - صالح سليمان عبدالعظيم - عبء التاريخ