ناهده محمد علي
الحوار المتمدن-العدد: 2345 - 2008 / 7 / 17 - 11:05
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ذات مساء رن جرس الهاتف وإذا بها صديقة قديمة أخذت تشكي لي همومها , ثم سألتني ماذا أفعل لأطفال مدرستي , فكلما تحدثت مع طفل بلطف وحنان إنفجر باكياً ولا يسكت حتى أظل أُطمئنه طويلاً وأُحاول تهدأته , قلت لها لماذا تستغربين فكل ما حول الطفل يُثير ذلك .
يعيش الطفل العراقي حالة من الكآبة المسَببة بأسباب كثيرة ومعظمها ليست وراثية Genetics ) ) بل هي موضوعية خارجية تخرج عن ذات الطفل وخارج إرادة الوالدين , حيث تسببت الحروب المتتالية ومظاهر العنف المختلفة بصوره المرئية المباشرة وغير المباشرة , أقول تسببت هذه الظروف في إحساس مرير بالكآبة والإحباط من العالم الخارجي , وعادة ما يكون عالم الطفل هو عالم ملون وبهيج بسبب تكوينه البايولوجي الحديث النشأة وتفسيراته البسيطة للحياة مع تعامله التلقائي مع الطبيعة والحيوانات والألوان والبشر ومع الوالدين , وهكذا يخلق الطفل من حوله بالمقابل عالماً ملوناً يجعله ضاحكاً لاعباً مبتهجاً طوال الوقت , وتساعد بهجته هذه على خلق الدوافع لديه لحب الحياة والدراسة والشهية للأكل والمحافظة على صحته , كما تخلق له دوافع فكرية وروحية لحسن المعاشرة مع الأصدقاء والناس بشكل عام والإنفتاح على أفكار الآخرين وإتجاهاتهم وعدم الإنغلاق والإنطواء على الذات , كما أن بهجة الطفل وطبيعته تكيفه ليكون طفل مسالم غير غاضب ولا حاقد بل يتعامل بشفافية مع الآخرين والأشياء ومع الذات , ولا يعاني والدي هذا الطفل من المشاكل الجمة التي يعاني منها أبوي الطفل المصاب بالكآبة حين يتشنج هذا الطفل ويُصيب من حوله بالتشنج العصبي , لكن الطفل المصاب قد يبقى فترة طويلة وهو مصاب بالكآبة ويستخدم الصمت جداراً عازلاً بينه وبين عائلته ومحيطه الخارجي , وإذا ما تصاعدت كآبته تتحول الى تشنج عصبي واضح يظهر بشكل حاد جسدياً وحسياً , فهو قد يتخشب جسدياً وحسياً وينظر الى الفراغ مع حالات صراخ وغضب قد تتحول الى عدوانية شديدة تظهر على شكل عدوان سلوكي وأفعال غاضبة تتمايز خطورتها من قلب الأشياء في البيت الى ضرب الأخوة والزملاء .. الخ .
إن اسباب الكآبة قد تكون ناتجة عن إستعدادات وراثية ورهافة حسية للمصاب وقد تكون ناتجة عن ظروف خارجية تحيط بالطفل وتستمر لفترات طويلة , ونموذج الحروب والحروب الأهلية والطائفية والإبادة العرقية هي مثال واضح لأحد اسباب الكآبة كما ذكرت سابقاً بالإضافة لوفاة الوالدين أو أحدهما أو أحد الأُخوة مع صعوبة الحياة اليومية والحرمان من اللعب بكل انواعه وسوء الظروف المعيشية , وتتوفر هذه الظروف جميعها للطفل العراقي وظروف حياته اليومية حالياً .
إن الطفل العراقي مُحاط بمُجمع من الظروف الموضوعية والخارجية والتي تجعل هذا الطفل منطوياَ وخائفاً طوال الوقت , فهو قد وُلِد بين البنادق والسكاكين وبين الشحة الغذائية وأوضاع إجتماعية معقدة , حيث لا ملاعب ولا ألعاب ولا رفاق لعب , وهم إن تواجدوا فقد يختفون فجأة وبدون سبب , غير أن هناك حقيقة واحدة وهي أن الموت يسحب العديد من هؤلاء الأطفال وبشكل بشع أمام انظار الأطفال الآخرين .
إن فقدان الطفل لأبويه وتجربته لحالة اليُتم هو أحد الأسباب المهمة للكآبة , إن في العراق خمسة مليون يتيم كما أن 65% من الأطفال من سن 15 فما فوق يصبحون مُعيلين لعوائلهم , وأن 8% من أطفال العراق مصابين بأمراض مزمنة و18% مصابين بسوء التغذية , كما يزيد عدد المُعاقين عن 900 ألف مُعاق , وتذكر د . آمال كاشف الغطاء : ( بأن الكثير من العائلات العراقية لديها أطفال مُعوقين لا يستطيعون مواصلة الدراسة بعد الإبتدائية ) .
أما الأسباب التي تخص المحيط العائلي فهناك ( مليون ونصف ) أرملة ومئات الآلاف من المطلقات , ويقُمن هؤلاء النساء بإعالة ( 7 مليون طفل ) , ويضطر هؤلاء للعيش دون الحد الأدنى للمعيشة , كما أن هناك ( نصف مليون ) مُشرد يعيشون في المخابئ والملاجئ والأبنية الحكومية المتهدمة , يتناولون الخمور والسكائر ويدمنون على المخدرات .
كل هذا يشكل مسببات للكآبة والإنطواء على الذات والتشوهات السلوكية التي يعاني منها الطفل العراقي .
وهناك ظاهرة اخرى إنتشرت مؤخراً في المجتمع العراقي وهي ظاهرة إغتصاب الأطفال رغم أن كل لوائح حقوق الإنسان تؤكد على أن إغتصاب القاصرين أثناء النزاعات المسلحة يُعد جريمة بحق الإنسانية وأعمال إبادة جماعية , وتؤكد ايضاً قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة حول الطفولةعلى ضرورة رعاية الأطفال المشردين وغير المصحوبين واللاجئين وشملهم برعاية مؤسسات الأمم المتحدة , وتقدم اليونيسيف مساعدات تُقدر بـ ( 100 ) مليون دولار , إلا أن أطفال العراق لا زالوا يعيشون في أحوال مزرية وهم أكثر اطفال العالم عُرضة للأذى .
إن الوضع النفسي للطفل العراقي يسوء ويصل الى ذروة الإحباط في مجتمعه ووطنه للأسباب المذكورة سابقاً مع بروز ظواهر إنحطاطية خطيرة كظاهرة ( تجارة الجسد ) للأطفال في بغداد والمدن الأخرى حيث توجد أماكن خاصة لممارسة الجنس مع الأطفال ويرتبط هذا بالإدمان على المخدرات والذي تصاعد الى ( 11 ) ألف طفل مُدمن أو أكثر .
ولو إنتقلنا الى الأوضاع التربوية للطفل في المدارس فهي سيئة للغاية حيث أن 30% مِن مَن لم تتعد أعمارهم ( 17 ) لم يدخلو الإمتحانات النهائية , والناجحين من الطلاب 40% فقط وقد تخرج من الإبتدائية سنة 2007 ( 220 ) ألف طفل ثلثين منهم لم يستطيعو مواصلة الدراسة . إن الأطفال المهجرين الى الداخل والخارج لا يستطيعون مواصلة الدراسة جراء اعمال العنف والميليشيات ويضطر الكثير منهم الى ترك الدراسة والبحث عن سبل العمل المتدني .
إن المستوى الغذائي والخدمي للطفل مُتدني ايضاً , كما يعاني هذا الطفل من سوء التغذية كما ذكرت سابقاً وهو يعاني من المياه غير الصالحة للشرب علاوة على الأمراض المستعصية بسبب الإشعاعات النووية وتلوث الجو المحيط مثل أنواع السرطانات وأنواع الشلل وبضمنها الشلل الدماغي والصمم وفقدان النطق بشكل كلي وجزئي مع فقدان الأطراف والبصر وإنتشار الأمراض الجلدية وعودة الأوبئة والأمراض السارية كالتايفوئيد والكوليرا .
يذكر الدكتور ( مظفر العاني ) رئيس قسم الإختبارات في مركز البحوث التربوية والنفسية في جامعة بغداد بأن : ( المشكلة لا تتوقف على إنفجار قنبلة تؤدي بحياة الأطفال بل إن التأثيرات النفسية على الناجين ليس لها حدود , فإن عمليات القتل وتصوير مقتل العشرات وقطع الرؤوس وتمزيق الأجساد تفوق جميع التأثيرات وهي تؤدي الى تأثيرات سلبية جداً على الأطفال ) .
إن الإنفجارات التي ترصد حركة الطفل في كل شارع يعيها هذا الطفل تماماً ويعلم الآن ما يمكن أن تعمله وتسببه له ولعائلته لذا فهو في رُعب دائم .
وأخيراً لو لاحظنا أن الظروف والأسباب المؤدية الى الكآبة هنا تبدو معظمها خارجية تخرج عن إرادة العائلة والتي تحاول أن توفر الأمان لأطفالها بحبسهم في البيوت بعد الدوام المدرسي ويزيد هذا إحساسهم بالكآبة وعدم الرغبة في الحياة , وحينما تنظر في وجوه هؤلاء الأطفال تجد الضياع بين حاضرٍ ومستقبلٍ مجهول ¸ويكاد البعض منهم يتكلم بلغة كبار السن ومنطق الشيوخ وينظر الى مظاهر الموت وهو مبتسم ببرود , ولا يبقى أمام هذا الطفل إلا الإتجاه الى إتجاهين , فأما الصراخ الجنوني بين فترات متقطعة أو الرفض الحاد لوضعه بالإنحراف نحو أقران السوء ومدمني السكائر والمخدرات منذ سن 9 – 11 سنة , وفي الحالتين لا سيطرة للعائلة على هذين الوضعين وكثيراً ماتصب العائلة غضبها على الولد لتشبعه تعنيفاً وضرباً فيزيد هذا المشكلة تعقيداً ويزيد الطفل المنطوي إنطواءً والمنحرف إنحرافاً , وكما كانت الأسباب خارجية ومجتمعية فإن الحلول يجب أن تكون مجتمعية وأساسية بتغيير الظروف المسببة للمشاكل النفسية وتغيير الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية وبضمنها التربوية مع توفير الأمان والطمأنينة والإحساس بهذا الأمان للطفل العراقي .
#ناهده_محمد_علي (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟