أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس ولد القابلة - -التَّسَوُّلقْرَاطِيَّةُ-















المزيد.....

-التَّسَوُّلقْرَاطِيَّةُ-


إدريس ولد القابلة
(Driss Ould El Kabla)


الحوار المتمدن-العدد: 2332 - 2008 / 7 / 4 - 10:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إذا كانت ظاهرة التسول قد أضحت تؤرق بلادنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، وتوقظ الغيرة لدى من تبقى من الغيورين عندنا، فإن الأمر قد تجاوز كونه ظاهرة فحسب، إذ لا تكاد تخرج من مسجد أو تجلس في باحة مقهى و تلج سوقا أو قسارية أو مجرد دكان أو تدخل إلى إدارة عمومية أو خاصة أو تخرج من مصحة أو مستشفى إلا ويداهمك متسولون وشحاذون، ذكورا وإناثا، من مختلف الأعمار والأصناف، ويطاردك السائلون والمحتاجون، ولا عجب في هذا، مادام الفقر ضاربا أطنابه بين ظهرانينا منذ أمد بعيد بفعل الاختيارات الكبرى التي اعتمدها أشخاص بمحض إدراتهم وكيفما اتفق عوض أن يختارها من يهمهم الأمر بالدرجة الأولى، قبل هذا وذاك، أي أغلبية الشعب الذي لم يسبق له خلال تاريخه الطويل أن قرر مصيره بخصوص النظام الاقتصادي الذي يلائمه ويرتاح له، وإنما المعضلة الكبرى والطامة العظمى هي أننا أصبحنا لا نعيش التسول، كظاهرة اجتماعية بالمغرب، وإنما تجاوزناه لنحيا التسول كآلية من آليات "الحكامة" وتدبير أمور الحكم، إنه أضحى منظومة فريدة من نوعها، وحق نعتها بـ "التسولقراطية" على غرار الديمقراطية والديكتاتورية أو الارستقراطية، وهذا واقع لن يستقيم والديمقراطية وكذا حقوق الإنسان ولا مبادئ المواطنة الحقة ولا حتى روح دولة الحق والقانون.

التسول لم يعد مجرد حالة عابرة عندنا، كما هو الأمر في الدول الغنية، وإنما أضحى "مؤسسة" ومنظومة قائمة بذاتها. إن "مد اليد" عندنا أصبح نهجا من آليات الحفاظ على موقع اجتماعي أو مجتمعي، وأساس من أسس "الحكامة" بالمغرب، "مد اليد" من أجل تسول امتيازات أو موقع أو نصب أو احتكار... فكل أنواع الامتيازات القائمة عندنا توحي أن التسول أصبح آلية من آليات تدبير السلطة ببلادنا، فحتى المجال الثقافي والإعلامي والفني والإبداعي، أي ما يسمى بالوجه الحضاري اخترقه منطق التسول كآلية للتدبير، وكل أنواع الدعم التي تتخذ أشكال هبة أو امتياز أو صدقة تدخل في نطاق آليات "التسولقراطية"، من دعم للصحافة وتدبير أمر الإشهار ودعم الأفلام والمسرحيات ودعم بعض الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، هي في مختلف تنوعاتها، آخر المطاف، نوع من أنواع "التسول" كآلية و"منهج" للحكم والحكامة، بل أكثر من هذا وذاك، يرى البعض في المساعدات التي تتوصل بها بلادنا من بعض الأجانب، أشخاصا ودولا وحكومات، نوعا من أنواع التسول، كمنظومة قائمة الذات ونهج استراتيجي، سواء من أمريكا (900 مليون دولار) أو الاتحاد الأوروبي (200 مليون دولار) أو تلك المساعدات التي تدخل في إطار العلاقات الثنائية مع بعض الدول، سيما مع فرنسا، وأيضا المساعدات المتوصل بها من طرف مجموعة من الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية... كل هذا هو من قبيل "مد اليد"، دون نسيان المليار دولار الذي جادت به علينا الدول الخليجية لتمكين بلادنا من تحمل الفاتورة النفطية.

وهذا أمر لم تعرفه البلاد ولا العباد، في مغرب الخمسينات والستينات، إذ كان آباؤنا وأجدادنا يتميزون بعزة نفس لا تقهر و"أنفة" الأسود، حيث كانوا يوصوننا على الدوام بالتعليم والتعلم (علما أنه آنذاك كانت المنظومة التعليمية ومؤسساتها تقوم بالدور الموكول لها في الدمج الاجتماعي) لعدم اللجوء إلى مد اليد والتسول، لكن حاليا يبدو أن الكثير من الأمور عندنا أضحت مرتكزة على "التسولقراطية" ولا شك البتة في أنها أدهى وأخطر من ظاهرة التسول، لأنها أضحت بمثابة نهج حكامة وتصريف أمور الحكم، وباتت لها آليات فاعلة تعمل على ترسيخ نمط خاص لتوزيع الخيرات والدخل وللتأثير والضغط على دوائر صناعة القرار، وهي آليات تكرس استمرار وجود مغربين اثنين وليس مغربا واحدا:" المغرب الجزيرة" (مغرب الأقلية والغنى الفاحش) من جهة، ومن جهة أخرى "مغرب المحيط"، (مغرب الفقر والبطالة والتهميش والسعي للهجرة السرية والإحباط وانسداد الأفق...).

والحديث هنا، ليس عن التسول، وإنما عن "التسولقراطية" لأن هناك علاقة وثيقة واضحة بين الأنماط السائدة في تصريف دواليب الحكم والحكامة، والإقرار بمفاهيم "ولي النعمة" و"الامتيازات" و"الهبة" و"نيل الرضا" و"لعق الأحذية" وكذلك أحيانا، مفهوم "جوع كلبك يتبعك" و (الاستعمال هنا يخص معنى النهج التدبيري وليس المعنى القدحي).

إن بعض الامتيازات التي يتم توزيعها، يمينا وشمالا بدون حسيب ولا رقيب وبجرة قلم أو مجرد إشارة أو مكالمة هاتفية، من طرف المخزن أو بعض أقطابه أو الموالين له وأحيانا من طرف بعض "مسامير المائدة"، ألحقت أضرارا بليغة بالاقتصاد وبشريحة عريضة من السواد المغربي، وساهمت في إنتاج فئات من "آكلي" خيرات البلاد والضرائب المؤداة من جوع الكثير من المغاربة، بالباطل وفئات "تتمرغد" في ثروات من خلال الابتزاز والاستغلال، تحصد أموالا طائلة بدون عمل أو جهد ولا مجهود ولا تضحية أو مخاطرة بالمعنى المقاولاتي العزيز على المدافعين على اقتصاد السوق والليبرالية.

من مظاهر "التسولقراطية" الاقتصاد الريعي، أي تحصيل أرباح وأموال ودخل، إما ارتكازا على امتياز أو على أداة من أدوات الفساد، وهذا في آخر المطاف انتقاص من الرأسمال الوطني وليس زيادة فيه، وهو بذلك يخلق خللا في آليات التنافس وتطوير الثروة الوطنية. ومن مظاهرها أيضا، الاعتماد على أدوات ملتوية مؤسسة على مفهوم "الترخيص" و"الرخصة"، وهي في جوهرها صدقات تمكن فئات قليلة من استغلال أخرى كثيرة عبر فرض أداء مقابل مادي (ريع الرخص) دون القيام بأي جهد استثماري.

ومن الأسس العميقة لـ "التسولقراطية"، التقاليد المخزنية القديمة، وهي من الأسباب الأولى لاستمرار هذا الوضع ببلادنا، ألم تكن أجور الجنود تؤدى عن طريق إقطاعات أرضية سلبت أصلا من أصحابها، وهي ما تسمى الآن بأراضي "الجيش"؟ والأمر مستمر على نمط صور أخرى، أراضي سلبها الاستعمار من أصحابها منحت للجنرالات وشخصيات وازنة، كما أن هناك الكثير من الموظفين والمستخدمين تؤدي لهم الدولة رواتب زهيدة لا تكفيهم لسد حاجيات الحياة الضرورية، لكن يُترك لهم المواطن لابتزازه ويصنعون به ما يحلو لهم، لاستكمال "أجورهم" حسب ما يرونه مناسبا، وذلك باعتماد مختلف أنواع الرشوة.

فكلما تطرق المرء لإشكالية وإلا أثيرت أخرى أكبر منها، لأن مغربنا أضحى كـ "لقرع فين ما ضربتيه تايسيل دمو"، وبقليل من الفطنة وإعمال العقل، يمكن للمرء أن يلمس بأن "التسولقراطية" هي أحد الركائز التي أدت إلى أن يصبح الفقر عندنا "فقرقراطية" والذل "ذلقراطية" والتهميش "تهميشقراطدية" والممارسات المافيوزية "مافيوزوقراطية"، والفئات المعتمدة على الرشوة وآلياتها "بروشوازية" وهلم جرا...

ملحوظة : وجب التنبيه حرصا على النزاهة العلمية والإعلامية الإشارة إلى أن بعض المصطلحات المستعملة هي من إبداع الدكتور المهدي المنجرة، والمصطلح الأخير يعود إلى الفنان الساخر أحمد السنوسي " بزيز".






#إدريس_ولد_القابلة (هاشتاغ)       Driss_Ould_El_Kabla#          



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إجهاض دعوى ضد البوليساريو ودعم أخرى لفائدتها
- كان الهدف هو إرهاب سكان سيدي إفني
- السكن الاجتماعي بين هاجس الربح السريع وهاجس تحسين الأوضاع
- صورة -المغرب السعيد- ليست على ما يرام
- إعلامي كافح بالبندقية والقلم
- جنرالات الجزائري متخوفون من مطالبة المغرب بصحرائه الشرقية
- مؤسسة إدريس بنزكري لحقوق الإنسان والديمقراطية
- -الحر اللبيب بنصف غمزة تايعيق-
- إلى متى سيتم استبلاد المغاربة؟
- -للي قالها المخزن هي للي تكون-
- ثراء جنرالات المغرب على حساب البلاد و العباد
- سجين من داخل سجن القنيطرة يروي الهروب الهوليودي لتسعة سجناء ...
- الحياة داخل القصور
- جنرالات الجيش استغلوا ضعف النظام الملكي لجمع الثروات
- بعدما باعت أغلب ممتلكات الشعب الدولة تفكر في فرض ضرائب جديدة ...
- المجاعة الجديدة والسيادة الغذائية
- السجون المغربية غياب إستراتيجية واضحة المعالم
- فيلم -فتنة- المسيئ للإسلام و المسلمين
- المغرب استرجع الأرض دون استرجاع الإنسان
- مشاهد من مسرحية مغربية عربية


المزيد.....




- مواطنو الاتحاد الأوروبي عليهم تقديم طلب ودفع رسوم لدخول بريط ...
- مولدفا: سنساعد مواطنينا المرحلين من الولايات المتحدة على الع ...
- شركات أمريكية خاصة تخطط لإرسال مركبات إلى القمر
- -لا توجد لائحة اتهام حتى الآن-.. آخر تطورات قضية السياح الرو ...
- -فايننشال تايمز-: الأوروبيون يطمحون إلى استغلال موارد -النات ...
- علماء: انتشار طاقة التصدع الناتجة عن زلزال ميانمار المدمر إل ...
- الذئاب المكسيكية تثير الرعب في نيو مكسيكو
- سمرقند تستعد لاستضافة أول قمة بين الاتحاد الأوروبي وآسيا الو ...
- لماذا استثنى ترامب روسيا من الرسوم الجمركية؟
- شولتس يدعو إلى مفاوضات -جادة- بشأن الهدنة في غزة


المزيد.....

- أمريكا وأوروبا: ملامح علاقات جديدة في عالم متحوّل (النص الكا ... / جيلاني الهمامي
- قراءة جديدة للتاريخ المبكر للاسلام / شريف عبد الرزاق
- الفاشية الجديدة وصعود اليمين المتطرف / هاشم نعمة
- كتاب: هل الربيع العربي ثورة؟ / محمد علي مقلد
- أحزاب اللّه - بحث في إيديولوجيات الأحزاب الشمولية / محمد علي مقلد
- النص الكامل لمقابلة سيرغي لافروف مع ثلاثة مدونين أمريكان / زياد الزبيدي
- العولمة المتوحشة / فلاح أمين الرهيمي
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- الخروج للنهار (كتاب الموتى) / شريف الصيفي
- قراءة في الحال والأداء الوطني خلال العدوان الإسرائيلي وحرب ا ... / صلاح محمد عبد العاطي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - إدريس ولد القابلة - -التَّسَوُّلقْرَاطِيَّةُ-