أكرم المشهداني
الحوار المتمدن-العدد: 2323 - 2008 / 6 / 25 - 10:38
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يحتفل العالم كله في الـيوم السادس والعشرين من شهر حزيران/ يونيو من كل عام باليوم العالمي لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية والنفسية، تلبية لدعوة المنظمة العالمية للأمم المتحدة وتخليدا لذكرى توقيع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات لسنة 1988، وإستذكارا لحجم المآسي والويلات والفواجع التي تخلفها المخدرات في مختلف مجتمعات العالم. وبلا شك فإن إستفحال مشكلة المخدرات في العالم خلال القرن الماضي يشكل واحدة من أكبر التحديات الأمنية والصحية والإجتماعية في العالم، والأمر يتطلب مزيدا من العمل المشترك لتنسيق الجهد الدولي والوطني في مكافحة المخدرات. ومن المعلوم أن الإحصاءات والتقارير الدولية تشير إلى أن ظاهرة المخدرات وتعاطيها قد تفشت في مختلف دول العالم، وباتت تتقدم أجندات إجتماعات رؤساء الدول والحكومات، والمنظمات الأقليمية. كما تؤكد الأبحاث الصحية ما تخلفه المواد المخدرة من آثار ومشاكل ضارة مدمرة على المجتمعات من النواحي الإجتماعية والأقتصادية والصحية والأمنية، وما زالت المخدرات تمثل أخطر التحديات التي تواجه المجتمع العربي بل والمجتمع الدولي بكامله، وبلغ الإنتاج العالمي من المخدرات معدلات قياسية، وتعترف منظمة الشرطة الدولية (الانتربول) بان مايضبط في العالم (من أنواع المخدرات) لا يشكل سوى 10% من الحجم الحقيقي لتداول المخدرات، وقد أخذت العصابات الدولية تزداد قوة وتمويلاً وتنظيماً، وامتدت أنشطتها عبر الدول والقارات حتى أصبحت جرائم المخدرات جرائم عابرة للحدود او جرائم بلا وطن كما تفرعت عنها جرائم خطيرة مثل (غسل الأموال) و(الجريمة المنظمة) و(الإتجار بالأسلحة) و (الإفساد الإداري) و (تزوير الوثائق) وغيرها من الجرائم الخطيرة المرتبطة بتجارة وتهريب وتصنيع المخدرات، كما أصبحت تجارة المخدرات أحد أبرز مصادر تمويل النشاطات الإرهابية في العالم. كما ثبت جنائيا ان المخدرات هي من ابرز عوامل الدفع نحو اقتراف مختلف انواع الجرائم، فالمدمن لا يتورع عن ارتكاب القتل او السرقة في سبيل الحصول على مبتغاه.
والعراق اليوم يواجه جملة تحديات مركبة، ومتداخلة، تهدد الأمن الداخلي في المرحلة الراهنة، وتقف (مشكلة المخدرات) في المقدمة، التي تشكل خطراً داهماً وحقيقياً على المجتمع العراقي (وبالأخص الشباب منه) وتعدّ إرهاباً هو أشد فتكاً وتدميراً من الإرهاب المعروف، فالمخدرات سلاح من أسلحة الدمار الشامل، وفايروس فتاك، وقبل أيام حدّثني الأخ (مدير مكتب مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية) أن اللجنة الوطنية العليا لمكافحة المخدرات في العراق والمتشكلة تنفيذا لإلتزام دولي نابع من بنود الإتفاقية الدولية لمكافحة المخدرات 1988 التي إنضم إليها العراق والأتفاقية العربية لمكافحة المخدرات، التي أكدت على وجوب تشكيل لجان وطنية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، تضم كبار المسؤولين من الجهات ذات الأختصاص وتحديدا وزارتي الصحة والداخلية، تضع إستراتيجيات قصيرة وبعيدة الأمد للحشد الوطني في مواجهة مشكلة المخدرات التي لم تعد اليوم مشكلة بلد واحد بل هي مشكلة عالمية. وأعتقد أن عدم إنعقاد أي إجتماع للجنة منذ عامين يشكل نقطة قصور في الأداء الوطني العام في مواجهة كارثة المخدرات وخاصة في الظرف الراهن.
المعلوم أن العراق وبسبب الظروف الأمنية التي عاشها بعد 2003 ومازال يتعرض لهجمة شرسة ومنظمة لغزو البلد بمختلف أنواع المخدرات الفتاكة، وبعد أن كان العراق شبه خال من آفة المخدرات لعدة عقود، ولعدة عوامل أبرزها العقوبات الصارمة التي تضمنها قانون المخدرات العراقي والجدية الصارمة في تنفيذه، يسند ذلك الموقف المجتمعي العراقي العام المناهض للمخدرات والكاره لها، حيث يعد المجتمع العراقي من المجتمعات التي تمقت المخدرات وتحتقر مدمنيها، لذلك بقيت المشكلة تنحصر في إتخاذ عصابات المخدرات للأراضي العراقية منطقة عبور للمخدرات من دول الشرق (تحديدا أفغانستان وباكستان وإيران) بإتجاه الخليج العربي والجزيرة العربية ودول حوض البحر الأبيض المتوسط والى أوروبا، لكن بعد 2003 تزايد حجم تصدير المخدرات عبر الأراضي العراقية، كما برز خطر تحوّل العراق من مجرد ساحة للعبور إلى منطقة للطلب والأستهلاك وهذا أخطر وأبشع ما يمكن أن يتعرض له أمن المجتمع العراقي بل ومستقبل العراق.
إنَّ إنتشار مرض إدمان المخدّرات بين شبابنا هو خطر كبير لا يمكِن أن تَزول آثاره بين لَيْلَةٍ وضحاها، ولا أتكلم عَن مجرد تمْرير المُخدّرات عبر أراضينا، فَنَحْن لا نَخشي مِن أنْ يتحَول عِراقُنا إلى مِنطقة عبُورٍ للمخدّرات بإتجاه محطات أُخري ونقاط طلب خارج حدودنا فحسب، فهذا موجود وحاصل من زمان بعيد، وطرقه معلومة، ومنافذه محددة، ومصادره واضحة، وليس الهدف فيه العراق، وهو خلل تتحمله بالإشتراك والتساوي، أجهزتنا المعنية (حدودية وكمركية ومنافذ) وكذلك الأجهزة المسؤولة في بلدان التصدير والإنتاج وبلدان الطلب على حد سواء، ولكن.. أنْ يَتحوَّل العراق إلي منطقة طلب للمواد المخدرة من مختلف أنواعها زروعا، وحبوباً، ومنتجات مصنعة وأدوية، ومن ثم يتحول شبابنا إلي مدمنين وأسرى لجرعات الموت فتلك هي الكارثة الكبري، وهذا يقتضي من أولي الشأن ومنظمات المجتمع وقادة الرأي فيه وأهل الحل والعقد، أن يعملوا بجد وصدق وغيرة وطنية لمنع وقوع الكارثة..
إن واقع المخدرات في العراق بعد الإحتلال، يجسد خطراً يتطلب الاعتراف اولاً بتفاقم مشكلته في مجتمعنا، وضرورة التغيير والتطوير في سياسة مكافحة المخدرات في العراق، كي تتماشي مع ما يستجد من اوضاع في هذا الواقع الذي نعيشه، ولنصبح قادرين علي مواجهة المخدرات من خلال مجتمع واع مثقف قادر علي رفضها حتي لو قدمت له علي طبق من ذهب. إن التقارير الدولية والعربية المتخصصة ومنها تقارير المنظمة الدولية لمراقبة تهريب المخدرات التابعة للأمم المتحدة، ومكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، ومنظمة الشرطة الجنائية الدولية الأنتربول، والمكتب العربي لشؤون المخدرات التابع لمجلس وزراء الداخلية العرب، قد كشفت عبر تقاريرها السنوية الأخيرة أن العراق قد تحول إلى محطة "ترانزيت" لنقل الهيروين المصنع من أفغانستان وإيران إلى أوروبا ودول الخليج والبحر الأبيض المتوسط. وقال رئيس المنظمة الدولية لمراقبة المخدرات ومقرها (فيينا): "إن الهيروين والمخدرات المستخرجة من الأفيون المزروعة في أفغانستان وإيران تنقل عبر العراق إلى الأردن ودول الخليج حيث ترسل إلى الأسواق في أوروبا" وأضاف: "لقد أصبح هذا الوضع ممكناً بفعل الوضع الأمني الداخلي وضعف المراقبة على الحدود، مما يمكن المهربين من الدخول إليه بزي زوار عتبات مقدسة". وقال: "إن كميات كبيرة من الحشيش صودرت على الحدود الأردنية العراقية خلال الفترة الماضية" مؤكداً: "أنه من الضرورة القصوى أن تأخذ الحكومة العراقية والأسرة الدولية الإجراءات الوقائية التي يجب أن تفرض قبل استفحال الأمر". وحث المجتمع الدولي والحكومة العراقية على العمل معاً قبل أن يترسخ طريق دولي لتهريب المخدرات عبر البلاد، مؤكداً أن مشكلة المخدرات يجب أن تحتل أولوية قصوى.
وبين آونة وأخرى تطلع علينا الصحف العراقية بنشر أخبار نشاط رجال الشرطة في ضبط كميات كبيرة من المخدرات، معظمها قادمة من الشرق، ولكن المشكلة الكبرى التي بدأت أوساط عديدة في التحذير منها هي ظاهرة تزايد استهلاك المخدرات في صفوف الشباب؛ بدفع وتحريض وتشجيع من أطراف خارجية لا تريد للعراق الأمن والأستقرار، وتريد أن يتحول العراق إلى سوق طلب وإستهلاك للمخدرات لأغراض تنم عن الجشع والرغبة في الإبقاء على حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق. ولست هنا في معرض الحديث عن الآثار السيئة للمخدرات من النواحي الصحية والإقتصادية والإجتماعية والنفسية والأمنية، فما من شك إن تورط الشاب بالإدمان على تناول المخدرات يعني خسارة جهده الفردي الذي يفترض استثماره للإنماء الاقتصادي والحضاري، وخسارة لعائلته، وهو إستنزاف لجهد وطاقة المجتمع ومؤسساته المختلفة في جهود الرعاية والوقاية والعلاج، وإذا كان الإدمان علي المخدرات ذا تأثير سلبي علي الحالة النفسية للفرد لمساهمته المباشرة في تغيير شخصية المدمن وتقليل قدراته علي التحمل والتكيّف الإجتماعي، فإن الحالة هذه ستكون بطبيعتها الأرضية المحتملة لإقتراف الجرائم ذات التأثير السلبي علي استقرار المجتمع وأمنه، والعلاقة بين الإدمان وإرتكاب الجرائم أمر مؤكد، لكننا نناشد وجوب أن تأخذ الجهات الصحية والأمنية المعنية بالتعامل مع الحالة بنظر الاعتبار أن التعامل الهادئ والمتدرج مع المتناولين وتوفير العلاجات والمصحات لهم، يجب أن يقابله بالتوازي تعامل سريع حازم ورادع مع تجارها ومروجيها وهو الخطوة الأولي التي يمكن أن تؤدي إلي تضييق دائرة انتشارها، مع التأكيد علي جانب الوقاية بتوعية المواطنين عموما والشباب خصوصا ضد أخطار تناولها، مع السعي لإدخال بعض مفردات مخاطر الإدمان في مناهج المدارس الثانوية صعوداً لمستوي المعاهد والكليات. كما يجب إشغال وقت الشباب و التقليل من أوقات فراغهم ، خاصة المراهقين منهم وذلك بالتوسع في تأسيس النوادي الرياضية وبناء مراكز الشباب ، ويجب أن تأخذ المؤسسات الصحية علي عاتقها معالجة المدمنين في مراكز صحية واجتماعية مؤهلة، ومن المفيد أن تجري دراسات ميدانية بهدف الحصول علي مساعدات المنظمات الدولية لدعم جهود العلاج النفسي والعضوي للإدمان، وبذات الوقت تشجيع ودعم البحوث والدراسات الوطنية التي تتناول موضوع الادمان ومسائل الوقاية منه و إقامة علاقات بحثية مع المراكز العالمية لعلاج الادمان، مع السعي لتبادل الخبرات والكفاءات والبحوث والمعلومات فيما يتعلق بموضوع الادمان، وعلي الحكومة توظيف رأسمال أكبر في مجال الطلبة والشباب (للترفيه، والتأهيل، والعمل، والزواج المبكر وغيرها من المسائل التي تساعد علي استقرارهم النفسي والاجتماعي)، وأن يتم صياغة برنامج علمي لجمع البيانات الواقعية والدقيقة عن إتجاهات وحجم ظاهرة الإدمان في العراق.
كارثة المخدرات لا تقل خطراً وفتكا من كوارث الإرهاب والعنف، فالحديث في أوساط صحية يدور الآن عن إحصائية أظهرت أن ثلاثة من بين كل عشرة شباب في البصرة ممن تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 30 سنة هم مدمنون على المخدرات التي دخلت من إيران، والتي تعتبر من أخطر الأنواع حيث تعمل على إتلاف الجهاز العصبي بشكل كامل خلال أشهر". وأكد مصدر صحي: "لقد سجلنا حالات وفاة عديدة من تأثير تلك المخدرات التي دخلت إلى العراق ولا تزال تدخل يومياً من إيران.
إن إعادة الروح في الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات مسألة لاتحتمل التسويف والتأجيل والتذرع بالظروف الخاصة لوزارة الصحة، وأرى أن تبادر وزارة الداخلية لأخذ زمام الأمور لأنها المعني الأول بأمن البلاد، وتفاتح مجلس الوزراء لإستصدار قرار يعيد تشكيل الهيئة بحيث تضم ممثلين على مستوى رفيع من أجهزة الداخلية والصحة والإعلام والتربية والتعليم العالي والأوقاف والكمارك والحدود ومنظمات المجتمع المدني وبخاصة المعنية بالشباب، وتعيد العمل بالأستراتيجية الوطنية لمواجهة المخدرات بعد تجديدها وصياغتها صياغة عملية تتناسب والمرحلة، فالمخدرات ما زالت تدخل إلى العراق بعدة طرق، والهدف من انتشار المخدرات داخل مجتمعنا هو هدم الإنسان الذي هو أساس البناء للمجتمع واستهداف شريحة الشباب والتركيز عليها اكثر من غيرها، ويدور حديث عن إنتشارها بين أوساط طلبة بعض الجامعات، ونحن نعتقد أن من أبرز مهام الهيئة الوطنية أن تباشر مسحاً إحصائيا شاملا لكشف حجم الظاهرة وأبعادها، وأن تصمم برامج للمتابعة والتحري وإستكشاف حجم الظاهرة فإن بيانات الأنتربول الدولي تؤكد أن ما يكشف من أرقام عن ضبطيات المخدرات لايشكل سوى 10% إلى 20% من الحجم الحقيقي للظاهرة، وهنا تكمن الكارثة في وجوب وضع برنامج مسح وطني لكشف دقة الأرقام وحجم الظاهرة وتشجيع المدمنين والمتورطين على التقدم للعلاج.
د. أكرم المشهداني
#أكرم_المشهداني (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟