أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد سمير عبد السلام - القوة الخلاقة للرعب و التمرد في كتابة هنري ميلر















المزيد.....

القوة الخلاقة للرعب و التمرد في كتابة هنري ميلر


محمد سمير عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 2319 - 2008 / 6 / 21 - 08:16
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في دراسة هنري ميلر عن رامبو ، و المعنونة ب The Time Of The Assassins و قد ترجمها للعربية الشاعر سعدي يوسف بعنوان رامبو و زمن القتلة – هيئة قصور الثقافة المصرية – تذوب الحدود بين دراسة الأدب و التأويل الإبداعي للتاريخ ، و اللحظة الحضارية ، و السيرة الشخصية بوصفها نصا في حالة صيرورة لا يمكن اكتمالها أبدا .
إن كلا من التاريخ و الثقافة و النص علامات مرنة ، قيد التشكل في وعي ، و لاوعي الناقد ، بل في وجوده الواقعي الذي يقع في إغواء النص .
تحتفي كتابة ميلر – إذا – بالحرية في الوقت الذي ترتكز فيه على بؤس الجحيم ، و عبثيته التي صارت نقطة بداية للإحساس بالوجود في العالم .
و مثلما يلج العصر الحاضر مملكة الجحيم بين النص ، و ما بعد النص عند هنري ميلر ، فإن الجحيم النصي عند رامبو يمتد من خلال محاكاة الواقع نفسه لعمليات التكرار ، و الاستبدال في الكتابة ، فقد تقاطعت كتابة ميلر الإبداعية – النقدية مع سيرة رامبو و نصه ، و الواقع الذي صار تشبيها انتشاريا لرموز الشر التي انفلتت دون كابح من الكتابة ، و تاريخها الخاص ؛ فنستطيع الآن أن نسمع صوت ميلر في تبشيره بالرعب الهائل ، و تواصل حالة التشرذم أو الانقسام الذاتي التي رصدها منذ نهاية القرن التاسع عشر عند دوستوفسكي و نيتشه ، و رامبو ، فضلا عن ذلك فقد تجاوزت كتابة ميلر الحدود بين النقد ، و الإبداع ، و التأويل الثقافي . هذه الكتابة التي نجد لها صورا مختلفة عند نيتشه ، و هيدجر ، و باشلار ، و بارت ثم جاك دريدا ، و هارولد بلوم .
الكتابة النقدية هنا هي نوع من الحدوث الفريد ، يتجاوز عمليات الإدراك ، و التحديد ، و القولبة النصية ، إذ تظل تداعياته مختلطة بالواقع الثقافي ، و تجدد مآسي التمرد الشعري ، و الاحتراق المتكرر في الجحيم النصي ، أو الحضاري .
و نستطيع أن نميز أهم ملامح هذه الكتابة الإبداعية في بعض النقاط ؛
أولا : حساسية تاريخية ، و نصية :
يعيد هنري ميلر اكتشاف صور رامبو ، و أخيلته ، و تناقضاته النصية من خلال التحول الحضاري المعاصر باتجاه مملكة الشر ، التي تقوم على الانقسام الذري المستمر ، و المتواصل للقوة البشرية ، فقد انتقل من جحيم رامبو إلى جحيم واقعي ، و ثقافي نقف على أبوابه بقوة تتجاوز آلهة العالم القديم . لقد امتصت قوة الانقسام في وعي و لا وعي هنري ميلر كل الإشارات التاريخية ، و السيرية ، و الأدبية في بروزها الإبداعي الفريد في المشهد ، و في هذا الانقسام الشرير المتواصل تزول الحدود بين الإنتاجية الإبداعية ، و صيرورة التأويل التاريخي ، و الأحلام المرتبطة بتجدد الموت في اللاوعي .
ثانيا : التحول الخيالي في أنا الناقد :
تتحول سمات مثل اليأس ، و التمرد ، و الرفض في حياة رامبو ، إلى طاقات متجددة في عالم ميلر الداخلي ، و يحاول من خلالها أن يكمل حياة رامبو من خلال الكتابة التداخلية بين الناقد ، و طاقات المبدع المتحولة فيه بقوة ، و يعترف ميلر بوجود تناظرات بين حياته ، و مسار رامبو في اتجاهين يكمل أحدهما الآخر ، و يزدوج فيهما النص بالتطور الروحي ؛ هما :
الأول : كتابة مسار رامبو الآخر ، الذي لم يحدث ، و يفترضه ميلر ، حيث يؤكد أن الموت لو لم يأت لرامبو في هذا الموعد ، لعاش حياة تأملية صوفية ، هذه الحياة التي تتفق مع توجه ميلر الفكري نفسه ، و كأنه يعيد كتابة رامبو من خلال تطور طاقات الرفض و الانقسام بداخله ، و نزوعها إلى تأكيد السخرية الممزوجة بصمت عبثي .
الثاني : معايشة ميلر للمصير الفعلي لرامبو ، فقد افترض أنه مات في نفس عمره ، و أنه صار نموذجا للإخفاق ، و اليأس ، و القذف .
لقد صار فعل القراءة هنا أدائيا ، و مقاوما للنزعة الشمولية باتجاه ديناميكية التخيل ، و استبداله للنماذج الأصلية ، و كأنه يتجاوز حدث الانسحاق من خلال دائرة التمرد التي ولدت الانسحاق نفسه في المبدع ، و الناقد .
هل يستشرف ميلر حياة افتراضية تتجاوز الجحيم ؟
أعتقد أنه يفعل ذلك ، فالتمرد عنده يملك قوة خلاقة تتجاوز الشخص ، بل يمكنها أن تبعثه في الآخر .
ثالثا : دلالات ثقافية متنوعة :
قرأ ميلر تناقض رامبو بين التمرد ، و الاستسلام التأملي للموت من خلال الإشارات الثقافية المتنوعة لكريشنا ، و الشيطان في قصة الخلق ، و صورة الهيدرا في التراث اليوناني ، فحالة الانفصال عند كريشنا تتفق مع تأملية رامبو ، و استسلامه لغريزة الموت كما يرى ميلر ، و يرتبط كريشنا في التراث الجمعي بالاستسلام الأخير للعنة ، و غموضه ، و قوته الروحية ، و تمرده الممزوج باللا عنف ، و يتفق مع الشيطان في قبوله السري لقوة الموت في كبريائه ، أما الهيدرا ، و هي وحش ذو تسعة رؤوس لا يمكن قتله ، فهي القوة السلبية التي يرصدها ميلر ، و قد تركت رامبو في حالة تحد ، و عجز .
إن ميلر يعيد إبداع حالة السلب عن طريق تجددها الثقافي ، و تنوعها ، و انتشارها كطاقة خلاقة للعقاب ، و الجحيم ، و تجدد الوعي بالهلاك في أكثر من ثقافة ، و تتجدد إشارات ميلر الثقافية عن طريق التحامها الأول بطاقة النبذ الكامنة في رامبو مثلما التحمت بعالمه الداخلي من قبل .
رابعا : استباق و تأجيل :
يرى ميلر أن جحيم رامبو لم يتعمق بالقدر اللازم فشوي في المدخل ، و من ثم فقد انتصر من خلال الإخفاق ، ثم يؤكد أن الروح المتعطشة بداخله هي التي انتصرت .
لقد استبق ميلر الموت ، و الجحيم ، و الحياة ، و رامبو نفسه ، لكي يظل كل شيء في حالة تأجيل متضمنة في لذة الاحتراق بوصفها موتا أو وجودا شبحيا ، أو وهجا للغياب حين يشكل الهوية النصية الزائفة بوصفها أصلا خفيا للتكوين .
خامسا : رامبو الآخر :
على طول الكتاب يرصد ميلر جحيم الانقسام عند رامبو ، و ارتباطه بحالة الانفجار الحضاري باتجاه الشر ، ثم يقوم بعملية توحد سري بمستقبل رامبو في هذه الكتابة التي تطمح أن تبعث تمرده ، و رعبه من جديد .
و تظل حالة الانسحاق الإنساني في وعي ميلر مجددة للعبث ، و التمرد ، و العقاب ليس كحل نهائي ، و إنما كطاقة واقعية ، و نصية معا ، يقول عن الإنسان المعاصر :
" إن الرعب الذي يعرفه يتجاوز كل رعب عرفه أهل العصور السابقة ؛ ذلك لأنه يعيش في عالم غير حقيقي ، محاطا بالأشباح ، و ليست لديه حتى إمكانات الفرح التي كانت لعبيد العالم القديم " . ( راجع – ميلر – رامبو و زمن القتلة – ترجمة سعدي يوسف – هيئة قصور الثقافة بمصر ص 100 ) .
لقد انفتحت الهوية على الفراغ ، و انتشر رامبو في الآخر ، و صار الجحيم ذريا لا يمكن السيطرة عليه ، و ذلك لأنه اتخذ في وعي ميلر بعدا تاريخيا حضاريا ، و انفجر خارج النص ، و كتابة الناقد معا .
محمد سمير عبد السلام – مصر



#محمد_سمير_عبد_السلام (هاشتاغ)      



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سحر توفيق تستعيد الرجل بلغة أنثوية
- هارولد بلوم .. و إعادة إنتاج الأثر الشعري
- تجدد الثقافة الشعبية
- تعدد الدلالات و الأصوات .. قراءة في اخلص لبحرك لمسعود شومان
- السياق الجمالي للعقاب .. قراءة في أقلب الإسكندرية على أجنابه ...
- الآلية .. و العمل الإبداعي
- إعادة اكتشاف روح الأشياء .. قراءة في بريق لا يحتمل لسمر نور
- الصيرورة الإبداعية للزمن .. قراءة في فوق الحياة قليلا ل .. س ...
- الشخصية في تحول .. قراءة في عمرة الدار ل .. هويدا صالح
- العابرون ، و تبدل حالات الوعي
- وعي طيفي مثل وهج الموت .. قراءة في عادات سيئة ل جمانة حداد
- براءة الجسد ، و مخاوفه .. قراءة في كوب شاي بالحليب ل محمد جب ...
- ظلال تتجاوز صمت الأشياء .. قراءة في سوف تحيا من بعدي لبسام ح ...
- خوف الكتابة
- التكوين الحدسي للمكان .. قراءة في قصص دوريس ليسنج
- ما بعد الحداثة في ديوان شطح الغياب للشاعر مهدى بندق
- القصيدة في نشوء آخر .. قراءة في شطح الغياب لمهدي بندق
- تجاوز ما بعد الحداثية ، أو التفاعل المفتوح بين المحلي و العا ...
- الزمن الآخر للظل .. قراءة في مهمل لعلاء عبد الهادي
- أحلام الجسد البهيجة .. قراءة في مأوى الروح لمحمد عبد السلام ...


المزيد.....




- السعودية.. فيديو -لعب- تركي الفيصل على أغنية في ليلة خالد ال ...
- -بوابة العالم-.. هذا الميناء في المملكة المتحدة لا يزال مسكو ...
- ترامب يطرد مدير وكالة الأمن القومي ونائبه المسؤولين عن الاست ...
- ضيف غير متوقع.. بجعة بيضاء اللون تفاجئ مغامرًا لبنانيًا في ع ...
- المجلة : العالم يتذمر من ترامب؟
- المحافظ الأمريكي: -آفة حارتنا النسيان-
- الأمن الروسي: إحباط هجوم إرهابي في سكن طلاب كلية عسكرية بمقا ...
- من غرينلاند.. رئيسة وزراء الدنمارك لترامب: لن نرضخ للضغوط ال ...
- أطعمة تحتوي على نسبة عالية من الكوليسترول.. أيها نتجنب؟
- -تقويض استقرار سوريا- .. تبادل الاتهامات بين تركيا وإسرائيل ...


المزيد.....

- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي
- معالجة القضايا الاجتماعية بواسطة المقاربات العلمية / زهير الخويلدي
- الثقافة تحجب المعنى أومعضلة الترجمة في البلاد العربية الإسلا ... / قاسم المحبشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد سمير عبد السلام - القوة الخلاقة للرعب و التمرد في كتابة هنري ميلر