جيهان عبد العزيز
الحوار المتمدن-العدد: 2229 - 2008 / 3 / 23 - 04:15
المحور:
الادب والفن
عائدة من المدرسة ، كالمعتاد الزحام الشديد عند الباب ، الصخب والجري والوجوه الصغيرة المتعبة ، العيون المتسعة لتحتوي العالم كله في لحظة ، عبرت بصعوبة بين جموع السائرين والراكضين ، متجنبة أي صدمات فجائية أو غير مقصودة من مرفق صبي يجري أو حقيبة مدرسية مندفعة في الهواء ، تصيح عاليا لتتمكن صديقاتها من سماع صوتها بينما يتردد النشيد من الحناجر " مروحين مروحين على بيوت الفلاحين "
تنتبه بسعادة إلى ان اليوم هو الخميس _ آخر أيام الدوام الأسبوعي _ وغدا الجمعة يوم العطلة السعيد . ستصحو من نومها في الثامنة أو التاسعة على أقصى تقدير ، تعطيها أمها النقود لشراء ( الفول والبليلة ) من عند "عم حسين" الذي يقف بعربته الصغيرة وصوته الصادح ينادي على الفول ويحيي الصغار بأسمائهم التي يعرفها جميعا ، يتوصى بالفول في الطبق ويزينه بحبات البليلة الساخنة .
كم تعشق تلك الرحلة الأسبوعية صباح الجمعة الهادئ الخالي من جموع العاملين والدارسين ، في طريقها لعم حسين تنزل درجات السلم مسرعة تستقبل الشمس الهادئة ونسمات الصبح بقلب مشرق ، تخرج من بين صفي البيوت إلى الشارع الواسع حيث تشرع في الدندنة
" واحد اتنين يا دنيا وجود مورنينج بنجور ردي علينا يا دنيا وقولي صباح النور "
لا تكف عن الغناء حتى تعود بالفول والبليلة والخبز الأسمر والفلافل الساخنة و
- إلى اللقاء يوم السبت .
- إلى اللقاء.
وصلت آخر رفيقة لها إلى منزلها ، لذا ستكمل وحدها الآن ، والطريق ليس طويلا على أية حال ، وهي لن تشعر به حتما ، فمازالت تفكر في طبق الفول اللذيذ وفي "عم حسين " كم هو جميل لأنه يعد أطعم فول وأشهى بليلة ،لأنه يحب الجميع ، لأن الابتسامة لا تفارق شفتيه ، و لأن ....
تنتبه لولدين يمسكان بثالث أصغر منهما كثيرا ، يهددانه، يحاولان سلبه ما معه ربما من حلوى أو من قروش قليلة ، ربما لا يريدان منه شيئا سوى رؤية الفزع وعدم الفهم في عينيه ، تتوقف لحظة ، ترتعش شفتاها لتنطق بكلام ما ، لكن النظرة المهددة من عيني أحدهما تدفعها للإشاحة بوجهها ومواصلة طريقها في صمت ، سرعان ما تلين ملامحها ثانية حين تلمح رجلا يتجه نحوهما فيفلتا الصغير بسرعة وينسحبا خائبين .
تطرد ما حدث من ذهنها سريعا وهي تعاود التفكير في الغد ، سيتزامن إعداد مائدة الإفطار مع بداية " سينما الأطفال " فتتناول الطعام وهي غائبة في "بلاد العجائب" أو في طريقها "للساحر أوز " .
هاهي بداية شارعها تلوح عند المنعطف التالي مباشرة ، خطوات قليلة بعد وتصل إليها ، و............................................... تمتد قدم أمامها تزيح خطوتها التالية عن الأرض فيطير جسدها في الهواء للحظة قبل أن يتهاوى ، تصدم مؤخرة رأسها بحافة الرصيف الصلبة ، للحظات يظلم كل شيء أمام عينيها بينما تدوي بأذنيها ضحكات عالية شامتة ، مبتعدة عنها ، استغرقت لحظات أخرى لتستوعب الألم الشديد في أعضائها ، ذلك الألم الذي تجمع كدقات شديدة على الرأس ، حاولت استعادة توازنها ، وبالكاد حاولت فهم ما حدث ، كان ولدا يقاربها عمرا ذلك القادم أمامها ،ذلك الذي مد قدمه امامها لتسقط - لم تكن تعرفه قبلا ، ولم يكن الرصيف مزدحما ، في الواقع كان الشارع كله خاليا فجأة إلا منهما حاولت النهوض عن الأرض ، شعرت برأسها الصغير يزن أطنانا ، أغلقت عينيها في ألم ثم عاودت فتحهما ، بحثت عن مار يساعدها على النهوض ، في لحظة كان العالم كله خاليا من حولها ، عاودت إغلاق عينيها ، تحسست موضع الألم في رأسها لتعيد أناملها وقد التصق بها دم لزج ، انهمرت الدموع من عينيها وهي تعاود النظر حولها من جديد ومن جديد لم تلمح سوى جسدا صغيرا مبتعدا . جمدت الدموع في عينيها فجأة ،استندت على مرفقها ، رفعت جسدها عن الأرض ‘أظلمت الدنيا في عينيها مرة أخرى لكنها تمسكت بوعيها بشدة ، رغم المطارق التي تدق رأسها بمنتهى العنف ، تجاهلت الدم النازف منها وهي تستند إلى الجدار حتى تصل إلى حقيبتها المدرسية الملقاة بعيدا ، انحنت لتلملم ما سقط بصعوبة ، ارتدت الحقيبة الثقيلة ،تمسكت بالجدار،وقد صارت الخطوات القليلة الباقية كأميال عليها أن تقطعها وهي تمشي مترنحة بدموع متحجرة ورؤية غائمة وقطرات داكنة ملتصقة بخصلاتها السوداء .
حين قابلتها نظرات أمها الملتاعة ، لم ترد عليها سوى بكلمات حازمة مقتضبة رغم ارتعاشها .
- تعثرت
لم تضف حرفا آخر ، لم تسمح لدموعها بالانهمار أو تطلق صرخة واحدة ، حتى حين كانت تنغرس إبرة الطبيب في رأسها ، كانت تضغط أسنانها في ألم مغمضة عينيها فلا ترى سوى قدما صغيرة تطيح بها وشبحا مبتعد.
..................................................................................
- وبعد؟
لم يعد هناك بعد ... كبرت الطفلة أعواما في ذلك اليوم ، وقد أدركت بنفسها ما لم يعلمه لها أحد من قبل .
أزاح أوراق قصتها جانبا ، مد أنامله يعبث بشعرها لتصتطدم أنامله بذلك البروز في فروة رأسها .
أهذا هو أثر الجرح القديم ؟
أزاحت يده بعيدا ونهضت ترتدي ملابسها قائلة : لا تشغل بالك لم يكن الأول ولن يكون الأخير.
جذبها إلبه مرة أخرى محاولا استبقائها معه فترة أطول إلا أنها أفلتت نفسها منه وهي تكمل ارتداء ملابسها بأيد مرتجفة متمتمة بعصبية واضحة .
يجب أن أغادر الآن
ابقي معي قليلا
لماذا ؟سأرحل عاجلا أم أجلا فلما الانتظار أكثر..؟
لن أدعك ترحلين
بل ستفعل
بدا الضيق على ملامحه وهو يتأمل حركاته المضطربة ، أشعلت لنفسها سيجارة وناولته أخرى ، جذب منها أنفاسا طويلة زفر يعضها في فضاء الغرفة شاحبة الضوء . أطلقت تنهيدة طويلة ثم اقتربت منه جلست بجواره ، ألقى بالسيجارة في المطفأة القريبة وأحاطها بذراعيه،أسندت رأسها على كتفه ، وسالت من عينيها دموع صامتة، ضمها إليه في قوة مربتا على ظهرها في حنو فاندفعت الكلمات من فمها :
أتعلم ما أدركته تلك الصغيرة في ذلك اليوم؟ أدركت معنى أن تكون وحيدا بالفعل ، أن تقوم من سقطتك بنفسك ، ململما روحك النازفة ، مكملا الطريق وأنت على يقين مؤلم بأن الجميع سيتساقطون من حولك تباعا ، أصدقاء وأقارب وأحباء ،.........
خطأ - ألست بجانبك الآن ؟!
بلى انت بجانبي الآن
أخذت انفاسا أخرى من سيجارتها المرتعشة ، وهي تفلت ثانية من بين ذراعيه ، وتقوم لتلملم باقي أغراضها،ثم التفتت إليه مكملة بلهجة مريرة ،:
لكنك لم تكن كذلك بالأمس ، ..... ومن يدري أين ستكون غدا ، افتح عينيك وانظر جيدا من حولك ، تلك الصغيرة لم تكن بحاجة إلى أن يقتحم ملثمون بيتها ، مفرغين الرصاصات في وجه رأس أبيها ، أو مغتصبين لأمها أو أرضها أو لها
كان الحدث أقل ضجة بكثير ، لكنه كان كافيا لمحو كلمة الأمان من مفرداتها الصغيرة .
جذبت كرسيا جلست عليه قبالته وهي تشعل سيجارة أخرى ، اقتربت بها من فمها ثم أبعدتها دون
أن تأخذ منها نفسا واحدا، وهي تكمل في هدوء مثير ، وقد هامت عيناها بعيدا .
ذلك الصغير الذي أوقعها،مد قدمه أمامها بنفس السهولة التي يفتح بها عينيه أو يحرك فمه ،
لم يلتفت ليرى ما حدث لها ، في لحظة كانت عدما بالنسبة له،لن يتذكرها لو قابلها بعد ذلك ، وهي لن تتعرف عليه.
انتبهت إلى الرماد المتساقط على الأرض ، اعتذرت والتقطت عدة أنفاس زفرتها في عنف قبل أن تطلق ضحكة ساخرة قصيرة :
ربما صار ذلك الفتى زميلا لها فيما بعد ، او صديق ، أو حبيبا..... ربما كان أنت نفسك . أعتقد أنها لن تعرف أبدا.
والآن؟
مدت كفها تمسك بيده قائلة :
الآن أنت معي _أليس كذلك ؟!
تناول السيجارة من يدها ، أطفأها وهي لم تنته بعد ، ثم مد كفيه ليحتوي كفيها بينهما ، رفعهما إليه يقبلهما قبل أن يفلتهما ليحتوي رأسها في صدره ، يقبلها مكان الجرح القديم ، استسلمت له تماما وهو يستكشف جسدها من جديد ، مقبلا كل الجروح القديمة .
جيهان عبد العزيز
#جيهان_عبد_العزيز (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟