مازن كم الماز
الحوار المتمدن-العدد: 2206 - 2008 / 2 / 29 - 11:13
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
موري بوكشين*
نشرت في المنظور الأخضر – غرين بيرسبيكتيف , العدد الأول يناير كانون الثاني 1986
هناك طريقتان للنظر إلى كلمة "السياسة" . الأولى – و الأكثر تقليدية – هو وصف السياسة كمنظومة محصورة حقا و احترافية عموما لعلاقات القوة يقوم فيها أخصائيون نسميهم "سياسيين" بوضع القرارات التي تقرر حياتنا و تنفذ هذه القرارات عبر وكالات و بيروقراطيات حكومية .
هؤلاء "السياسيين" و "سياستهم" تقابل عموما بدرجة معينة من الازدراء من قبل كثير من الأمريكيين . إنهم يأتون إلى السلطة جزئيا عبر "أحزاب" ما هي إلا بيروقراطيات عالية التنظيم و تزعم أنها "تمثل" الشعب – و من وقت لآخر ( إشارة إلى أوقات الانتخابات – المترجم ) تزعم أن شخصا واحدا يمثل عددا ضخما من الناس كأعضاء الكونغرس و مجلس الشيوخ . إنهم "منتخبون" و ينتمون إلى "المختار" ( لترجمة التعبير الديني القديم إلى تعبير "سياسي" ) , و بهذا المعنى فإنهم يشكلون نخبة تراتبية هرمية متمايزة مهما ادعوا أنهم يتحدثون "باسم" الشعب . إنهم ليسوا "الشعب" . إنهم "ممثليه" في أفضل الأحوال مما يعزلهم عن الشعب , أو المتلاعبين به في أسوأ الأحوال مما يضعهم في مواجهة الشعب . غالبا ما يكونون مخلوقات عدائية جدا لأنهم ينخرطون في ممارسات مخاتلة غير أخلاقية و نخبوية , مستخدمين وسائل الإعلام الجماهيرية و متخلين بشكل طبيعي عن بعض التزاماتهم البرنامجية الأكثر أساسية "لخدمة" الشعب . عوضا عن ذلك فإنهم يقومون بخدمة مجموعات ذات مصالح خاصة , عادة صاحبة الثراء الواسع , التي تدفع حياتهم المهنية و خيرهم المادي .
هذه المنظومة الاحترافية النخبوية و غير الأخلاقية غالبا و المخادعة من "السياسة" و التي تجعل من العمليات الديمقراطية مجرد زيف و التي نقرنها بتقاليدنا هي مبدأ سياسي جديد نسبيا . لقد ظهرت مع ظهور الدولة القومية قبل عدة مئات من السنين عندما بدأ الملوك المطلقين في أوربا مثل هنري الثامن في انكلترا و لويس الرابع عشر في فرنسا بتركيز سلطات هائلة في أيديهم مؤسسين الدولة ذات التراتبية الهرمية التي نقرنها مع "الحكومة" و مشكلين تلك الإطارات الجامعة التي نسميها "الشعوب" من نطاقات أكثر لا مركزية مثل المدن الحرة و اتحادات الأقاليم و مجموعة من المقاطعات الخاضعة للإقطاع .
قبل تشكيل الدولة القومية كان ل"السياسة" معنى مختلف جدا عن معناها اليوم – و "السلطات القائمة" اليوم تبذل كل ما بوسعها لتمحو ذاكرة ذلك المعنى من أذهاننا . في أفضل حالتها كانت تعني أن الناس على مستوى الجماعة – في القرى , البلدات , المناطق المتجاورة , و المدن – كانوا يديرون الشؤون العامة و التي منذ ذلك الحين حل السياسيون و البيروقراطيون مكانهم . لقد قام الناس بإدارة هذه الشؤون مباشرة , من خلال جمعيات المواطنين وجها لوجه كما نشاهد في اجتماع البلدات في نيو إنجلاند . قاموا غالبا بانتخاب مجالس فقط لتنفذ القرارات السياسية التي قررها المواطنون في جمعياتهم الخاصة . و كانت هذه الجمعيات حريصة على أن تشرف عن قرب على النشاطات التنفيذية للمجالس لتقوم بإقالة "المندوبين" الذين يصبح سلوكهم محلا للرفض الشعبي .
أكثر من ذلك مضت الحياة السياسية أبعد من جمعيات المواطنين لتشكل ثقافة سياسية غنية : مناقشات علنية يومية في الساحات , الحدائق , زوايا الشوارع , المؤسسات التعليمية , المحاضرات المفتوحة , النوادي و ما شابه . لقد ناقش الناس السياسة حيثما اجتمعوا معا , معدين أنفسهم بذلك لجمعيات المواطنين . كانت السياسة شكلا للتثقيف و ليس للتعبئة , لم يكن هدفها فقط صياغة القرارات بل بناء الشخصية و تطوير العقل . كانت عملية موجودة ذاتيا حيث طورت جماعة المواطنين من خلالها ليس فقط المعنى الغني من التماسك الداخلي بل أيضا معنى غنيا من الفردية الشخصية – هذا التطور الذاتي الذي لا غنى عنه و الذي يقوي الإدارة الذاتية و الإشراف الذاتي . في الخاتمة فإن مبدأ الثقافة السياسية أدى لانبثاق طقوس و مهرجانات و احتفالات مواطنية و تعابير مشتركة عن الفرح و الحزن و التي أعطت لكل منطقة , سواء أكانت قرية أو بلدة أو حي أو مدينة , معنى خاص للشخصية و الهوية , الأمر الذي عزز تفرد الإنسان أكثر من أنه أدى إلى تحويله إلى تابع للجماعة .
إن سياسات كهذه عند تنفيذها كانت عضوية و إيكولوجية ( بيئية ) بدل أن تكون "تركيبية" بمعنى أنها تتركب من الأعلى إلى الأسفل . كانت عبارة عن عملية مستمرة و ليس "حدثا" مقيدا و مقصورا كما نشاهده في "أيام الانتخابات" . يتطور المواطن شخصيا كنتيجة لمشاركته السياسية بسبب ثراء النقاش و التفاعل الذي يشارك فيه و القوة التي يخلقها . يؤمن المواطنون عن حق أنهم يملكون السيطرة على مصائرهم و يمكنهم تقرير قدرهم – لا أنه يقرر سلفا من قبل الأشخاص و القوى التي لا يملكون أية سيطرة عليها . هذا الشعور متبادل : إن المجال السياسي يعزز الفرد بإعطائه شعور من القوة , فيما يعزز دور الفرد الإطار السياسي بدعمه بشعور قوي من الإخلاص و الولاء . في هذه العملية المتبادلة فإن الفرد "أنا" و الجماعة "نحن" لا يتبع أحدهما الآخر , بل كل منهما يعضد الآخر . يوفر الإطار العام القاعدة و التربة الجماعية لتطور شخصيات فردية قوية و تتحد الأخيرة لتشكل معالم و إطار الحقل العام القوي .
يبقى أن نؤكد أن هذه المجتمعات الحرة تنحل دوما أو بالضرورة إلى وحدات مستقلة ذاتيا تعاونية حصرا و ضيقة . إنها غالبا ترتبط ( تتشابك ) مع بعضها البعض لتنسق قراراتها بطريقة تعاونية . إنها تتشارك – في البداية على أساس ما يعادل ما نسميه اليوم "المقاطعة" , فيما بعد و في حالات كثيرة على مستوى إقليمي ( ربما يعادل , في الولايات المتحدة , حدود الولاية ) . لدينا تاريخ غني عن هذه الاتحادات الكونفيدرالية ذات الاستقلال المحلي , التي كانت في بعض الحالات تقيم بنيتها على أساس إدارة القاعدة , و حتى الأحياء , و التي ما تزال تحتاج إلى الدراسة التي تستحقها – و في الولايات المتحدة , ليس أقل مما في أوروبا . في بعض الحالات أيضا تنسق المجالس الاتحادية القرارات التي تتخذها الجمعيات المحلية المسؤولة عن صياغة السياسات في كل الأوقات , فبينما هي قابلة للإقالة بتصويت شعبي فإن هذه المجالس المراقبة بعناية تديرها بطريقة تقنية على نحو صرف . عندما كانت توجد الحاجة للخبراء ليقدموا بدائلهم التقنية البحتة , كان يجري تنظيمهم في هيئات استشارية , حيث لا يملكون أية سلطة لاتخاذ القرارات , و يقومون بتقديم بدائل مختلفة للنظر فيها , تعديلها و إقرارها من قبل جمعيات المواطنين في القرى , البلدات , الأحياء و المدن . و حيثما توجد اختلافات كان يجري اتخاذ الحكم فيها في لجان المؤتمر أو هيئات التحكيم , كما ما يزال يجري العمل به اليوم عندما تظهر تباينات غالبا خلافية عن نفس القانون عند مناقشته في مجلس الشيوخ و مجلس النواب .
إن النسخة المعاصرة لما نسميه "السياسة" اليوم هي بالفعل فن إدارة شؤون الدولة . إنها تصر على "الاحترافية" , و ليس على سلطة الشعب , احتكار السلطة من قبل قلة , و ليس تفويض الأكثرية , "انتخاب" مجموعة "مختارة" , لا العمليات الديمقراطية التي تمارس وجها لوجه و التي تشمل الشعب بمجمله , "التمثيل" و ليست المشاركة . إننا نستخدم "السياسة" بقصد تعبئة "جمهور الناخبين" لتحقيق أهداف محددة سلفا , و ليس تثقيفهم لتولي الإدارة الذاتية للمجتمع و بناء شخصيات قوية توطد الفردية و الشخصية الأصليتين . إننا نتعامل مع الشعب على أنه "جمهور ناخبين" سلبي تنحصر مهمته "السياسية" في أن يصوت على نحو طقسي "لمرشحين" قادمين من ما يسمى "بالأحزاب" , و ليس لمندوبين يجري تفويضهم بشكل صارم لإدارة السياسة التي يصوغها و يقررها المواطنون الفاعلون . إننا نشدد على الطاعة , لا المشاركة – و حتى نشوه كلمات مثل "المشاركة" لتعني أكثر قليلا من موقف متفرج حيث يضيع الفرد في "الجمهور" و تجري تشظية "الجماهير" نفسها إلى أفراد معزولين محبطين و عاجزين .
إن صورة "السياسة" هذه كما عرضتها أنا هي ظاهرة جديدة نسبيا انبثقت في أوروبا في القرن السادس عشر و شقت طريقها إلى الوعي الجماعي في الأيام الحديثة نسبيا . لم تكن قد أصبحت بعد فكرة مقبولة عن "السياسة" حتى في القرن الماضي . على العكس تماما : كان على الدولة القومية في فرنسا , إسبانيا , ألمانيا , إيطاليا – و ربما بشكل أكبر , في الولايات المتحدة – أن تقوم بكل جهد ممكن لتفرض سلطتها على الأقاليم و المناطق في مواجهة المقاومة الشعبية الهائلة . في أمريكا كانت هذه العملية ربما أقل اكتمالا من معظم الدول الأوروبية . قامت ثورتنا قبل قرنين بمنح سلطات هائلة – بل في البداية سلطات كاملة – للمناطق و الأقاليم ( إنني أشير إلى دستورنا الأول , مواد الاتحاد و التي منحت الولايات ال 13 المؤسسة السلطة الوقائية على الحكومة الوطنية – دستور يمكنني أن أضيف أن قد فضل المزارعين و الفقراء في المدينة على الأثرياء , من هنا استحق مكانته "الحقيرة" في كتب تاريخنا ) و بنى دفاعاتنا حول ميليشيات المواطنين و ليس حول جيش محترف .
استمر واقع سياساتنا المبكرة لأجيال حتى بعد أن بدأت الدولة القومية بفرض نفسها بشكل قانوني . أي أن الأقاليم و المناطق احتفظت بسلطة فعلية هائلة و وفرت مجالات سياسية حيوية على الرغم من سن قوانين للتقليل من فعالياتها و وضعها تحت سيادة الدولة القومية . إن التراث الأمريكي , غالبا في تناقض كبير مع نظيره الأوروبي , يؤكد على هذا المثال الأعلى من الإدارة الذاتية المحلية و مخاطر سلطة الدولة الهائلة . يشدد هذا التراث على حقوق الفرد في أن يعزز نفسه في مواجهة السلطة , و على الرغبة في درجة معقولة من الاكتفاء الذاتي , حقوق المجتمع في مواجهة قوة الشركات – الحقوق "غير القابلة للتحويل" للبشر في "الحياة , الحرية , و الحصول على السعادة" , تعبير يلفت الانتباه لغياب أي تأكيد على الملكية . إن ابتعاد واشنطن ك"عاصمة قومية" كانت ميزة دائمة للغة الأمريكية السياسية و التأكيد على الإقليمية و المحلية كمثل أعلى ثابت .
لقد سمحنا للرجعيين السياسيين و للناطقين باسم الشركات الكبرى أن يستولوا على الأهداف الأمريكية التحررية الأصلية . لقد سمحنا لهم ليس فقط أن يصبحوا "الصوت" المخادع لتلك الأهداف مثل استخدام الفردية لتبرير الفردانية , "الحصول على السعادة" لتبرير الجشع , و حتى إصرارنا على الإدارة الذاتية للمناطق و الأقاليم استخدم لتبرير ضيق الأفق , الانعزال , التقييد – غالبا ضد الأقليات الأثنية و ما يسمون بالأفراد "المنشقين الذين يتحدوا النظام القائم" . حتى أننا قد سمحنا لهؤلاء الرجعيين بأن يزعموا أنهم "تحرريون" و هي كلمة ابتكرت لغويا في الواقع في التسعينيات من القرن التاسع عشر في فرنسا من قبل إيليه ريكلوس كبديل عن كلمة "أناركي" , التي قضت الحكومة يومها بأنها كلمة غير قانونية للتعريف بآراء أي شخص . استولى أصحاب الأملاك , في الحقيقة – مساعدو القساوسة لآين راند , الأرض الأصلية للجشع , الفردانية و فضائل الملكية – على التعابير و التراث الذي كان يجب أن يعبر عنه الراديكاليون لكن التي تم تجاهله عمدا بسبب إغراء التقاليد الأوروبية و الآسيوية عن "الاشتراكية" , "الاشتراكيات" التي تدخل اليوم في مرحلة انحطاط في نفس البلاد التي نشأت فيها .
إنه الوقت أخيرا لكي نطور سياسة لا تكون مجرد إدارة لشؤون الدولة – دولة ينظر إليها الشعب الأمريكي أصلا بريبة عميقة و مبررة . إنه الوقت كذلك لكي نبدأ فيه بالحديث إلى الشعب الأمريكي بمفردات الراديكالية الأمريكية التي ظهرت في الوطن , و ليس الماركسية الألمانية أو الماوية الصينية , و هي مفردات آخذة بالاضمحلال حتى في ألمانيا و الصين . أخيرا إنه الوقت لنطور سياسة عضوية – سياسة بيئية – و ليست سياسة دولتية ( تتركز حول الدولة – المترجم ) تتأسس حول أحزاب , بيروقراطيات , مختصين سياسيين , و نخب سياسية . صفة عضوية أو بيئية – أي خضراء بكلمة واحدة – تعني حرفيا نشوء سياسات العضوية بالمعنى الحقيقي للكلمة بأن نبدأ بالمستوى الخلوي من حياتنا الاجتماعية : الجماعة , سواء أكانت الحي , المدينة , البلدة أو القرية , و ليس الشعب "المجرد" و ما يعبر عنه من أحزاب سياسية , بيروقراطيات , "مسؤولين تنفيذيين" , و ما يشبه ذلك . تعني السياسات الخضراء أن نقوم بتطبيق المبادئ و العمليات الإيكولوجية البيئية على طرق نشاطنا السياسي – على مستوى القاعدة المحلية في جمعيات ذات ممارسة ديمقراطية و شعبية وجها لوجه . إنها تعني سياسة حميمية تقوم على التثقيف , و ليس مجرد التحشيد , بحيث أن ستساعد في خلق مواطنين فعالين مشتغلين بالسياسة و مشاركين , و ليس مجرد جمهور ناخبين سلبي منشغل بنفسه و متفرج لا يملك أية سلطة على مصيره . إن مجال هذه السياسة هو البلديات : جمعيات الأحياء , اجتماعات البلدات , اجتماعات الجماعات التي ستحول أقاليمنا إلى شبكة متحدة مرتبطة داخليا و جيدة التنظيم من المؤسسات المحلية – المؤسسات التي ستشكل بديلا عن المركزية و البيروقراطية المتفاقمة أبدا للدولة القومية . سيكون برنامجها الأساسي هو : دع الشعب يقرر ! و هو برنامج ينبثق من التراث الأمريكي الراديكالي بوضوح , و ليس مستعارا أو مجددا من الخارج .
هذه المؤسسات المحلية الموازية هي ضعيفة ربما لكنها ما تزال قائمة في الولايات المتحدة . إنها موجودة كديمقراطية داخل جمهوريتنا و كشكل من الراديكالية الداخلية داخل ديمقراطيتنا . يجب أن يكون مطلبنا :
أيها الأميركيون ! في وقت الزيادة المستمرة في مركزية و بيروقراطية الدولة , فإننا نطالب بدمقرطة جمهوريتنا و جعل ديمقراطيتنا راديكالية !
* موراي بوكشين ( 1921 – 2006 ) ناشط و منظر أمريكي أناركي و مؤسس للاتجاه الإيكولوجي الأخضر المعاصر .
ترجمة : مازن كم الماز
نقلا عن //dwardmac.pitzer.edu/anarchist_archives/archivehome.html
#مازن_كم_الماز (هاشتاغ)
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟